التحريف في الرسالة المحمدية: الإدمان مرض وليس جريمة أو حرام (2) .. بقلم: خالد أحمد
2 أكتوبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
kh_ahmmed@hotmail.com
إذا كان الإدمان عموما أو إدمان المخدرات أو الخمر الذي نركز عليه عبارة عن مرض ينبع من اتخاذ بديل تعويضي عن سلوك أساسي مفقود كما عرضنا في المقال السابق، ويتسبب في ذلك السلوك دوافع ذاتية واجتماعية تؤدي إلى انحراف الفرد ولجوءه للتسبب بعلة لنفسه ويصبح أسير لها، يصبح بالتالي اختلاف التوصيف للإدمان بين مرضي وجريمة وتعدي على الحدود الإلهية ضرورة ويقود إلى كثير من الاختلافات داخل المجتمع ونظرته لتلك الفئة، فنظرة المجتمع والقيم التي يتعامل على أساسها مع المريض تختلف عن تلك التي يرى ويعامل بها المجرم أو المتعدي على الحدود الإلهية، ويجب ان يقود ذلك إلى اختلاف في القوانين والتشريعات للفئة المدمنة. لكن قبل ذلك يكون التساؤل كيف تحولت تلك العلة وخرجت من مجال قصور وانحراف في الإدراك وممارسة الإنسانية لتصير من المحرمات الإلهية وتعدي على الحدود الإلهية؟
وحتى ندرك كيف تحول الإدمان من مرض إلى جريمة وتعدي على الحدود الإلهية علينا اولا إدراك الكيفية التي استوعبت بها المجتمعات العربية الرسالة المحمدية، وهو ما تم تدوينه بعد ذلك من قبل النخب على انه تعبير وشرح للرسالة. إنّ المجتمعات تاريخيا نجدها تستوعب الإله كإله فاعل أي مسير لكل شئون الحياة وتجرد الإنسان من إمكانية الفعل الحر ومن هنا جاء مفهوم الخوف والخشية من الإله، وهو ما كانت عليه المجتمعات العربية عندما جاءتها الرسالة ولذلك انتظر المجتمع العربي من الإله أن يقدم له قيم الخلاص الإنسانية، وقد كان ذلك مدخل المجتمعات العربية للرسالة بان تحاول ان تدرك ماذا يريد الله من الإنسان وما هي القيم الإلهية الواجب فعلها وما هي القيم التي تمثل تعدي على الحدود الإلهية، بل سعت بإلحاح إلى استيعاب الرسالة الإرشادية كرسالة قيمية والإله المتعالي كإله سيد أو إله فاعل، فتلك المجتمعات لا تستوعب الإرشاد ولكنها تبحث عن قيم يمكن ممارستها في الحياة. ففي موضوع علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة انتظر المجتمع العربي من الإله الفاعل أن يحدد له شكل علاقته بالبيئة المحيطة وليس قيم للإرشاد، فكانت الأسئلة تتواتر من المجتمع إلى الإله (يسألونك)، وكانت الإجابات تأتي بمعهود المجتمع العربي أو نخبه فمثلا (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ..(189)) سورة البقرة، فقد كان عرب الجاهلية يقولون بالشهور القمرية إذا كان في التجارة أو الحج ولذلك جاءت الإجابة بمعهود المجتمع المكي. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ…… (217)) سورة البقرة، وهذا ما كان يقول به المجتمع الجاهلي بان هذه الأشهر قد حرمتها آلهتهم فلا يكون بها قتال. فحاول المجتمع العربي أن ينتزع قيماً من الرسالة توازي وعيه بالإله الفاعل، ولكن كانت الرسالة ترجع بالمجتمع العربي إلى ما يوجد داخله من قيم ممارسة أو في مخيلته كقيم ايجابية تعمل على تكامل وتوازن وتحقيق إنسانية ذلك المجتمع فيشير إليها على ذلك الأساس أو قيماً سلبية تبعد المجتمعات عن التكامل والتوازن.
فالقول بان هنالك قيم منزلة من السماء هو قراءة من جانب المجتمعات والنخب العربية باعتبار الإله الفاعل والرسالة القيمية أي التي تحتوى على قيم إلهية، فإذا تتبعنا كل القيم التي تسمي بالقيم الإلهية أو الحدود الإلهية أو الشريعة نجدها كانت توجد في تلك المجتمعات قبل الرسالة، اذا كانت قيم العبادات الصوم والزكاة والحج – الصلاة كانت توجد ولكن أضاف لها الرسول من خلال اجتهاده بعض الاختلافات، أو قيم المعاملات الزواج والميراث وغيرها (راجع مثلا كتابات محمد سعيد العشماوي وخليل عبد الكريم وفي الصلاة كتاب جواد على وغيرها من الكتب التي تتحدث عن فترة ما قبل الرسالة وعلاقتها بفترة الرسالة).
ذلك عن القيم الواجبة والتي تسمي إسلامية أو إلهية اما عن القيم التي يتم النهي عنها أو ما تسمي بالمحرمة وتحديدا الخمر، نجد ان المجتمع هو أيضا من بادر بالسؤال عن مكانة الخمر في الرسالة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) لإدراكهم بانها قد جاء ذكرها في الرسالات اليهودية والمسيحية، وكان يوجد لدي كثيرين بحكم تجارتهم خلفية عن تلك الديانات ويدركون ان هنالك من علماء تلك الرسالات من حرمها وهنالك من جعلها مكروه وهنالك من أباحها في اوقات وحرماها في أخرى ولكن اتفقوا جميعا على ان شراب الخمر إلى درجة السكر مكروه، اما الحنفيين الذين كانوا ينتشرون في الجزيرة العربية فقد حرموها تماما واوجدوا لها حدا، وبذا اعتقدوا إذا كانت الرسالة المحمدية رسالة إلهية يجب ان يكون لها رأي في الخمر كما كانت لتلك الرسالات، ولكن جاء الرد إرشاديا بحتا أعاد الخمر إلى المجال الإنساني لا إلى المجال الإلهي وعلى الإنسانية ان تدرك فوائدها ومضارها (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) سورة البقرة. ومضار الخمر التي يعلمها ذلك المجتمع هي درجة السكر التي تذهب بالعقل، اما فوائدها فلم تجد منها تلك النخب غير الرزق من بيعها والنشوة من شربها ففي اعتقادها ان الخمر مضرة تماما، ويرجع ذلك للتداخل الناتج من ذلك الفكر بين المجال الإلهي والمجال الإنساني، ففي المجال الإلهي فقط يوجد الضار الكامل والنافع الكامل، اما في المجال الإنساني فكل شيء نسبي ففي داخل الضار يوجد جزء نافع وفي داخل النافع يوجد جزء ضار، والآن يمكننا ان نرى النفع داخل الخمر الذي ظهر مع الدراسات الكثيرة والبحوث العلمية والتجربة الحياتية والتي لن يعترف بها ذلك الفكر نتيجة لقصوره، فظهرت فائدة الخمر التي لا تصل بالإنسان إلى درجة السكر على صحة الفرد، وكذلك فائدة الكحول ودخوله في الصناعات، وهذه هي الفائدة الحقيقية وليس الرزق من بيعها أو النشوة كما يري ذلك الفكر القاصر عن استيعاب الإرشاد الإلهي.
ولان ليس هذا هو الرد الذي تنتظره المجتمعات باعتبار إدراكها لمفهوم الإله الفاعل الذي يأتي برسالة تحتوى على القول الفصل وليس الإرشاد، فالله عند تلك المجتمعات ينهي ويأمر كما السيد وهو الإله الذي نجده في الفكر العربي الإسلامي اما الله الذي يرشد ويترك للإنسانية ان تختار فلا وجود له لا في ذهن تلك المجتمعات ولا في تدوين النخب للوعي المجتمعي ذلك، فكان ان أعادت الكرة “اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا” وكثر التساؤل ليس من اجل معرفة علاقة الخمر بالرسالة ولكن لحمل الرسالة ان تكون كما يريدونها ولكن مرة أخرى جاء الإرشاد يوضح علاقة الخمر بالإنسانية وليس بالإله وركز هذه المرة على مضارها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ….) النساء 43، فتناول الخمر إلى درجة السكر يؤدي إلى ذهاب العقل عن إدراك ما يفعل أو ما يقول ويبطل جزء كبير من فائدته لدي الجسم، وقد ركزت على الصلاة ليس لانها وقت الصلة مع الله كما يدعي الفكر العربي الإسلامي، فالإنسان في صلة مع الله طوال اليوم حتى وهو نائم، ولكن ركزت على الصلاة نتيجة لعدة أسباب إنسانية بحتة، فقد احتج ذلك المجتمع على صلاة السكارى وإنهم يخلطون بين الآيات وثانيا ان أوقات الصلاة كانت لتوصيل الإرشاد لتلك المجتمعات وبالتالي أصبحت هي من الأوقات التي يأتيها الجميع بكل تركيز، وثالثا ان الصلاة أداة من أدوات معرفة الحياة من خلال تدبر الآيات أثناء التلاوة وغيرها من الأسباب التي ترجع إلى الإنسانية، فكان يمكن الاكتفاء بتلك الإرشادات اذا كان الإرشاد الأول أو الأول والثاني وإعمال العقل من اجل إدراك متى تكون الخمر مفيدة للإنسان ومتى تكون ضارة، ولكن هل يكتفي العقل القائم على حصر الرسالة في التحريم والتحليل وعلى الإله في الإله السيد الذي يأمر وينهي، بالتأكيد لن يكتفي بتلك الإجابات الدافعة على البحث والإدراك من خلال الإرشاد الإلهي ورجع لله مرة أخرى ينتظر منه ان يأتي له بآيات توازي إدراكه للرسالات باعتبارها رسالات قيمية “اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا”، أخيرا وازن الله بين حقيقة الرسالة كرسالة إرشادية وبين ما ينتظره ذلك المجتمع وتلك النخب منها فكانت الدعوة إلى اجتنابها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)) المائدة، فدعي في الآية الأولي للاجتناب وأنهى الآية الثانية بسؤال يخاطب به عقل يستوعب ويفكر ويدرك النسبية التي ترجع علاقة الإنسانية مع الطبيعة إلى الإنسان وليس إلى الله وتجعل من الشيء حلال في وقت وحرام في وقت أخر أو حلال لشخص وحرام لشخص أخر بناء على استجابات وردات فعل إنسانية، وذلك مثلا عندما يحرم الأطباء بعض الأشياء الطبيعية لفرد أو فئة نتيجة لمرض ما، وليس عقل ينتظر من يقول له هذا حرام وهذا حلال. ولكن الرسول ولأنه جزء من ذلك المجتمع وكان يدرك ما ينتظره من الرسالة فقد ساوى بين تلك الآيات وبين ما ينتظره المجتمع وقال بالتحريم كما جاء في الأحاديث، فمن حرم الخمر هو المجتمع الذي استجاب له الرسول وليس الإرشاد الإلهي. وحتى الحد الذي يسمى الهي نجده قد جاء من المجتمع وليس من الرسالة، وأخذته تلك المجتمعات ومعها الرسول من الحنفية التي كانت تقول بحد شارب الخمر.
وليس الخمر فقط ولكن معها أيضا محاولات الانتحار التي تصنف في القانون السوداني عبارة عن جرائم نرى انها أمراض تحتاج إلى علاج والى معرفة الأسباب التي تتوزع بين الفرد والمجتمع، فمحاولة إلحاق الفرد الأذى بنفسه هو سلوك يجافي الطبيعية الإنسانية والتي تعمل على محافظة الفرد على حياته واعتنائه بها فتصنيفها كمرض هو بداية للبحث والدراسة التي تبدأ من العام إلى الخاص في محاولة إدراك مسببات تلك الحالات وعلاجها من جذورها.