التسوية وفخ العودة إلى نقطة الصفر

 


 

عمر الحويج
19 November, 2022

 

كبسولة :
المجلس المركزي بالأمس :
تعللتم بوصفكم تحالف المحاربين فتمانعتم من التوقيع كأحزاب منفردة على وثيقة الميثاق الثوري لسلطة الشعب .. فكان رفضكم عبارة عن إعلان طلاق أولي للثورة.

المجلس المركزي واليوم :
تنازلتم في سبيل المصلحة الذاتية ووافقتم على التوقيع كأحزاب منفردة على الوثيقة الدستورية لتسييرية المحامين .. فكان قبولكم عبارة عن إعلان طلاق ثاني للثورة .

***
التسوية وفخ العودة إلى نقطة الصفر :
هنالك في علم النفس مبحث كامل وموسع ، يسمي "السعادة اللحظية " ، وهي حالة سعادة عابرة مؤقتة وعابرة ، يعرف صاحبها أو لا يعرف ربما ، أنها ليست دائمة ، لأنه يعرف أن جذورها كمشكلة باقية ، وأن مسبباتها راكزة وثابتة ، لأن حلها الجذري ليس بين يديه ، وهي حالة تعقب حالات اكتئاب حادة ، تنتاب الفرد كما قد تنتاب المجتمع ، هذه الحالة ظلت وتظل يعانيها المجتمع السوداني ، ويحسها الفرد رجلاً كان أو إمرأة ، طفلاً أو شيخاً ، كل يوم ويوم ، وكل لحظة ولحظة ، ولإدمانها بسبب تكرارها المتواصل ، لم يعد المواطن يعيرها اهتماماً ، وهي متلازمة بدأ ظهورها بشكلها المرضي ، هذا منذ استقلال السودان ، أو لنقل منذ الحكم الوطني ، وتفاقمت في الفترة النميرية حين بدأت الإنهيارات الإقتصادية في الظهور بلا علاجات جذرية لها ، والتي جاء النظام الإسلاموي وقضي على الأخضر واليابس المتبقى .
وحتى لا أقوص عميقاً ، في هذه المتلازمة المرضية وهي السعادة اللحظية التي يهبها حكامنا لشعوبهم بين حين وآخر ثمنأً لسكوتهم ، ولكي أدلل عليها أمامي مَثلَها القريب من داخل كل الناس ، الذين احسوه وعايشوه ، وعليها قس كل ما فات من هذه اللعبة وما سيأتي منها ، التي أدمن الحكام ممارستها وأدمن المحكومون تعاطيها . في حين كان المواطن يعاني من انعدام احتياجاته اليومية ، لِنَقُل انقطاع خدمات مياه الشرب ، أو انقطاعات التيار الكهربائي مثلاً ، والتي تجعل الجميع في حالة اكتئاب مرضي ، وفجأة تشرفهم الكهرباء أو الماء بالحضور المفاجئ ، فنشاهدهم وقد انتابتهم فجأة حالات تلك السعادة اللحظية أو المؤقتة أو العابرة أو المتلازمة المرضية ، سمها ما شئت ، فترى الناس كل الناس ينشدون بشكل جماعي وفي سعادة لا مثيل لها "الموية جات أملوا الباقات أو الكهرباء جات أملوا التلاجات ".
وقياساً على هذا ، يعيش الشعب السوداني أمام ناظريكم حالة اكتئاب جماعي ، بعد انجازهم لأعظم ثورة في تاريخهم ، بذلوا فيها الدم والدموع والتضحيات الجِسَّام ، وظل هذا الإكتئاب يتآكلهم لحظة وراء لحظة ، تضافرت في ذرعه مؤامرات قوى الشر المتمثلة في قوى الإسلام السياسي " الكيزان" ومناصريهم ، من جانب ، وقوى الخنوع والإستسلام من جانب آخر ، الممثلة فيما تتسمى زوراً بقوى الحرية والتحرير ، التي بالغت في تنازلاتها حتى تحافظ على السلطة التي منحتها لها الثورة وخانت أمانتها ، إلى أن بلغ ذروته ، هذا الإكتئاب الذي لازم شعب السودان ، بإنقلاب 25 اكتوبر . وبعد النصر والأمل والتفاؤل والسعادة التي عمت جموع الشعب السوداني ، بعد الإنعتاق من قوى الشر التي تحكمت في مصائره ثلاثون عاماً وأربعة أخرى "هوادة" وزيادة الشر شرّين ، فها هو الشعب يرى ، أن كل آماله تتحطم أمام عينيه ، وكل الذي حاولوا قبره ودثره ودفنه وازالته بثورتهم العظيمة ، قد عاد أليهم ، جاسماً على صدرهم من جديد ، وعاد اليهم إكتئابهم الجمعي أيضاً من جديد ، وعادت العرجاء لي مراحها ، وعادت حليمة لي قديمها . إلا أن ثورتهم علمتهم ، ألا يستكينوا وينتظروا تلك السعادة اللحظية التي كانت تتكرم بها أنظمة الحكم في السودان القديم ، وتمنحها لهم ، لينشدوا بعدها الموية جات أملوا الباقات ، فقد قرروا ، أن ينتزعوا سعادتهم كاملة بأيديهم ، ويواصلوا بذل الدم والدموع ، رغم خذلان أولئك ، الذين سلموهم الأمانة فخانوها ، أولئك الذين إدعوا الثورة ولكنهم أصبحوا من مجهضيها ، الذين قرروا أن يبيعوا لهم الوهم بتلك السعادة اللحظية المخادعة ، أولئك الخانعون المستسلمون ، التسوويون ، الذين جمعوا حولهم ، كل أهل السودان القديم ، وكما الأنظمة الهالكة ، قدموا لهم على اطباق الخديعة ، بعض قطرات ماء يملؤون بها الباقات ، وأسموها إتفاق إطاري ، فحواه حكومة مدنية بكاملها ، ولكن بشكلها لا بمضمونها ، وإذا تاملها المواطن ، ذلك الثائر الذي أنجز ديسمبره المجيد ، بالدم والدموع ، والذي كان يرغب ويعشم ، في تغيير جذري وسودان جديد شكلته ورسخته له التضحيات العظام ، فاذا بأولئك المخادعون يقدمون له نظرية السعادة اللحظية ، يظنونه كما كان قبل ديسمبر ، سوف يمرر لهم تسويتهم ، التي تمخضت فولدت فاراً ، وأصلها من يومها كان مكشوف عنها الحجاب ، وكانت فقط حملاً كاذباً لا غير ، ولم تكن جبلاً ينتظر أن يتمخض عنه إلا كذبة عمياء وفاراً أعرجاً ، ووعوداً جوفاء معلقة في جيوب العسكر والكيزان ، وخطط الإسلامويين التي لا تنضب ، وهم يظنون فرحين أن تسويتهم المرفوضة ، من قوى الردة جميعها ، أنها تعنى سلامة تسويتهم ، بل لسذاجتهم ، بدأوا يعايرون بها قوى الثورة الحية ، بأن هذه القوى ، قد ركبت ذات سرج الثورة المضادة ، وهم لا يدرون أن هذه اللعبة ما هي إلا جزءاً اصيلاً من المخطط الآثم ، الذي يديره من وراء ستار وحتى من وراء سجن كوبر ، فلول النظام القديم وزعمائه ، وجعلوا من جميع فلولهم ومنافقيهم ومن سقطوا معهم يوم السقوط العظيم والهروب الأعظم ، ورصوهم وأملوا عليهم أن يدوروا حول تلك الشعارات المبتذلة في معناها ، وهي التي حتى لا تشبههم ، حيث هم مارسوها وما شبعوا منها ، ويظهرون أنفسهم الآن ، بأنهم يطالبون بحل سوداني سوداني وأنهم ضد الحلول التي تاتي من الخارج ، وهم الذين حفيت أقدامهم في زمانهم بحثاً عن حلول تأتيهم من الخارج ، (ومن المفارقات أن يعلن واحدهم العائد للحاق الكيكة ، بهذا المطلب ، وخطابه من بدايته حتى نهايته ، إملاءاً مخابراتياً خارجياً صريحاً بامتياز ) .
لاحظوا يا أهل الحرية والتغيير كل هذا ، ليس أكثر من طعم وضع لكم في الدسم ، كي تواصلوا تسويق تسويتكم ، وتقنعون أنفسكم بأنها تسوية مبررة ومقبولة ، طالما كان الفلول يعادونها ، فهم يعلمون أنهم لو خرجوا مؤيدين لها ، لانكشفت لعبتهم ، وبارت وخابت خطتهم ، فهم بذلك يجعلونكم سائرون في تسويتكم حتى نهايتها الإيطارية ، أو حتى لحظة وقوع الفاس في أم رأسكم ، حين تجدونهم فجأة ، وهم مصاحبون لكم في ذات قطار التسوية ، وربما في درجات القطار الأمامية الفاخرة .
هذا بإختصار هو المخطط المخبؤ لكم داخل الجيوب السرية ، بانتظار توقيعكم على الخدعة الإطارية التي أفرغت شعارات الثورة من مضامينها ، وأعطوكم شكلياتها الخارجية ، ولونوها لكم بطلاءاتها المزورة .
اما التفاصيل التي وعدتم بمناقشتها لاحقاً ، فموت ياحمار ، حتى تحدث المناقشات ، فهم بذاتهم الشيطان داخل هذه التفاصيل وليس غيرهم ، أما حكومة مدنية يدعون أنهم يوافقونكم عليها ، هي في أصلها وحقيقتها ، ليست إلا سودانهم بنظامه القديم والبائد ، مطعم هذه المرة ، بسلاح ومليشيات مسلحة ، دائمة الوجود والثبات ، ودستوركم هو الذي يحميها ، وستكون حكومات دائمة لاحاجة لانقلابات تزيلها بالبيان الأول كسابقاتها ، إنما بسلاح دائم من خلفها يحرسها ولا يحرس الوطن كما أوهموكم بعودة الثكنات ، حكومات انتقالية كانت أو منتخبة ، يؤدبون بها الخارجين عن المسار ، الذي خطه لهم معلمهم الأكبر الإسلاموي ، الجالس على عجلة القيادة ، في خفائه إلى حين . كل ذلك بعد تدجين الجميع ، ووضعهم تحت جلبابه شخصياً وليس جلباب أبيه أو عباءته وقبلها نسألكم هل سيتوقف العنف المفرط أو غير المفرط ضد الثوار نجيبكم ، لا لن ولن يتوقف ، بل سيتم تحت أبصاركم ، ماذا أنتم فاعلون حينها !!؟؟ .
الأيام ستثبت لكم كل ماقلناه لكم ، أو "الأيام بتوريه/كم" كما يتغنى راحلنا ابراهيم عوض بالمعنى المشرق والجميل .
فيا أحزاب الحرية والتغيير أبحثوا قبل فوات الأوان ، أين يوجد ظهيركم وحاميكم ، وسط هذا الموج المتلاطم والمتهيج ، من أعدائكم الملتفون حولكم لإلتهامكم أنتم ، وتاريخكم وجماهيركم وأنتم الخاسرون .
ونوصيكم ، أحذروا ثم أحذروا أن تعلنوا حكومة أو تدخلوا في حكومة ، أياً كان مسماها ومسعاها ومرساها ، بعيداً عن قيادة لجان المقاومة وتنسيقياتها وقواها الثورية الحية ، بعد أن تجعلوها ظهيركم ، مسترشدين بها موقعين معها ، وثيقتها المسنونة المعلنة والمعنونة :
(الميثاق الثوري لتاسيس سلطة الشعب) .
والثورة مستمرة
والردة مستحيلة
والنصر .. آتِِ آتِ
حتى ولو طال السفر والمسير والمصير

omeralhiwaig441@gmail.com
///////////////////////////////

 

 

آراء