التفكير في تفكيرنا: نحو تحرير الوعي وإطلاق الخيال الأخلاقي لتأليف الوطن بالمعاني الحسان

من قراءتي لكتاب التفكير الجانبي لـ إدوارد دي بونو، حيث عمد إلى بسط فكرة مركزية مفادها أن “العقل لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الأنماط”، تتكشف أمامنا إشكالية عميقة في بنية وعينا: أننا أسرى لما اعتدناه من طرائق التفكير، لا لما ينبغي أن نفكر فيه. فالعقل، بطبيعته، يميل إلى اختزال العالم في قوالب جاهزة، يعيد إنتاجها حتى وإن فقدت صلاحيتها.

ويضرب دي بونو استعارة لافتة: كمن يبحث عن مفاتيحه الضائعة تحت مصباح الشارع، لا لأنه فقدها هناك، بل لأنه المكان الوحيد المضاء. وهي استعارة لا تكشف فقط عن قصور في الفعل، بل عن خلل في منهج النظر ذاته.

وقد استثمر كاتب هذا المقال هذه الاستعارة في حواره مع مقاله السابق الموسوم: “حين يصمت الهتاف ويتكلم الوعي: من فخّ الصراع إلى سلامٍ من قريب”، ليقارب بها الحالة السودانية، حيث بدت مفاتيح الثورة وكأنها تُفتش في المكان الخطأ؛ في ضوء الهتاف، لا في عمق الوعي. فالنمط السائد—نمط “الوعي الثوري والهتاف”—لم يعد كافياً وحده لاستعادة ما فُقد، بل ربما صار جزءاً من إعادة إنتاج الفقد ذاته.

من هنا، تبرز ضرورة أن “يصمت الهتاف” قليلاً، لا انكساراً، بل إفساحاً للمجال أمام وعي جديد، يتحرر من أسر النمط، وينفتح على إمكانات التفكير من خارج الصندوق؛ حيث لا يكون السلام حلماً بعيداً، بل ممارسة قريبة، تتشكل من إعادة ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالواقع. وفي هذا الأفق، لا يبدو السلام مستحيلاً، بل ممكناً، “وما ذلك على الله بعزيز”.

في الأزمنة التي تتكاثف فيها الأزمات، لا يعود السؤال: ماذا نفعل؟ بل كيف نفكر؟ إذ إن جذور العطب لا تقيم في سطح الوقائع، وإنما في البنية العميقة التي تُنتج وعينا وتعيد إنتاجه. ومن هنا تنبع ضرورة المشروع النقدي الذي يدعونا إلى “التفكير في تفكيرنا”؛ لا بوصفه تمريناً ذهنياً مجرداً، بل فعلاً تحريرياً يستهدف تفكيك ما تراكم في وعينا من تشويهات وتحيزات، تسربت إلينا عبر مسارات الثقافة والسياسة والتاريخ، تحت هيمنة سرديات كلية للآخر، استبطناها دون وعي، حتى صارت تحكم رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

إن هذا المشروع، في جوهره، هو دعوة لاستعادة السيادة على الوعي؛ أي إعادة تأسيس القدرة على التفكير والفعل على قاعدة سليمة، قادرة على إنتاج المعنى، لا استهلاكه، وعلى ابتكار المستقبل، لا الارتهان لماضٍ مؤدلج أو حاضر مأزوم.

غير أن هذه الدعوة لا تنفصل عن سؤال البيئة التي يُنتج فيها هذا الوعي. وهنا تكتسب مداخلة البروفيسور عبد الله علي إبراهيم أهميتها النوعية، إذ يلفت النظر إلى أن تنازع السرديات في المجال السياسي ليس عيباً ينبغي الخشية منه، بل هو طبيعة هذا المجال ذاته. فكل فاعل يحمل سرديته: طبقية كانت أم دينية أم إثنية أم وطنية. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذا التعدد، بل في غياب الإطار الذي يُحسن إدارة هذا التنازع.

يضع البروفيسور إصبعه على موضع الداء حين يربط بين إدارة السرديات والديمقراطية، بوصفها الفضاء الوحيد القادر على تأليف رواية جامعة، لا عبر مواثيق فوقية جاهزة، بل من خلال عملية سياسية حية، يتجوهر فيها الوعي عبر التشريع والممارسة، لا عبر الإملاء والتلقين. بهذا المعنى، لا تكون الديمقراطية مجرد آلية حكم، بل بيئة معرفية وأخلاقية لإنتاج المعنى المشترك.

ومن هنا، يمكن قراءة مشروع “تأليف الوطن بالمعاني الحسان” بوصفه أفقاً أخلاقياً، لا يكتمل إلا إذا ارتبط بشرطه الإجرائي: الديمقراطية. فالسردية الجامعة لا تُصاغ في غرف صفوية مغلقة، بل تتخلق في فضاء مفتوح، تتفاعل فيه السرديات، وتتصارع، ثم تتصالح عبر قواعد عادلة، تضمن للجميع حق الحضور والمساهمة.

إن ما نحتاجه، إذن، ليس إلغاء السرديات، بل تحرير وعينا من أوهام “السردية الواحدة” التي تدّعي امتلاك الحقيقة، وتُقصي غيرها. فهذه الأوهام كانت، تاريخياً، مدخلاً لإنتاج أنظمة شمولية، حيث تتحول السردية إلى أداة هيمنة، لا إلى أفق تحرير.

وفي السياق السوداني، تتجلى هذه الإشكالية بأوضح صورها. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخلت البلاد في طور جديد من فخ الصراع، حيث لم يعد العنف مجرد وسيلة، بل صار بنية قائمة بذاتها، مدعومة باقتصاد حرب يعيد إنتاجه ويغذيه. وفي ظل هذا الواقع، تراجعت إمكانيات التفكير الحر، لصالح سرديات نزاعية، تسعى كل منها إلى تثبيت موقعها، لا إلى تجاوز الأزمة.

ولعل مثال اتفاقية جوبا، كما أشار البروفيسور، يكشف كيف يمكن لسردية السلام أن تتحول إلى سردية نزاع، حين تُصاغ في غياب بيئة ديمقراطية حقيقية، فتغدو أداة لتحسين المواقع التفاوضية، لا لبناء سلام مستدام.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي كنا نفكر بها. ليس فقط على مستوى النخب، بل على مستوى الوعي الجمعي. فالحرب التي نعيشها ليست فقط حرب بنادق، بل حرب معانٍ؛ وحسمها لا يكون فقط بوقف إطلاق النار، بل بإعادة بناء الأفق الذي نرى من خلاله أنفسنا ووطننا.

وهنا ينهض مفهوم “الخيال الأخلاقي” بوصفه أداة مركزية في هذا التحول. فالخيال الأخلاقي ليس ترفاً فكرياً، بل قدرة على تصور واقع بديل، يتجاوز منطق القوة إلى منطق القيمة، ومنطق الغلبة إلى منطق العدل. إنه القدرة على أن نرى في الآخر شريكاً محتملاً، لا عدواً حتمياً، وأن نعيد تخيل الوطن، لا كساحة صراع، بل كفضاء مشترك للحرية والسلام والعدالة.

إن تحرير الوعي، في هذا السياق، يعني تفكيك البُنى الذهنية التي تجعلنا أسرى لثنائيات قاتلة: نحن/هم، حق/باطل، مركز/هامش. ويعني، في المقابل، بناء وعي جديد، قادر على استيعاب التعقيد، والاعتراف بالتعدد، وإدارة الاختلاف، لا إنكاره.

وفي أفق هذا الوعي الجديد، يتجدد معنى “تأليف الوطن بالمعاني الحسان” بوصفه مشروعاً مفتوحاً، يتأسس على ثلاثية: الحرية، السلام، العدالة. غير أن هذه القيم لا تُستدعى كشعارات، بل تُبنى كممارسات، داخل فضاء ديمقراطي، يتيح لها أن تتجذر في الواقع.

وفي الخاتمة، فإن استشراف المستقبل في السودان لا يمكن أن يتم دون تطوير مفهوم “السلام من قريب” الذي سعينا إلى تأسيسه في مقاربات سابقة. فهذا السلام لا ينتظر تسويات كبرى من علٍ، بل يبدأ من إعادة بناء الثقة في المستويات القريبة: بين الأفراد، داخل المجتمعات المحلية، وفي الفضاءات اليومية التي يتشكل فيها الوعي. إنه سلام يتدرج، ويتكاثر، حتى يصير بنية عامة.

وبهذا المعنى، فإن التفكير في تفكيرنا ليس مجرد نقد للماضي، بل تأسيس لمستقبل مختلف؛ مستقبل يتحرر فيه الوعي، وينطلق فيه الخيال الأخلاقي، ليعيد تأليف الوطن، لا كسردية مفروضة، بل كحكاية مشتركة، يكتبها الجميع، في فضاء من الحرية، ويصونها السلام، وتحققها العدالة.

هامش (1): بسط المفاهيم المبتكرة (تطوير)

  1. تفكيك الوعي الموروث (الممتد):

عملية نقدية-تاريخية مركبة، لا تكتفي بكشف التحيزات الكامنة في الوعي، بل تعمل على تتبع أصولها الثقافية والسياسية، وإعادة تفكيكها ضمن سياقها الزمني، بما يسمح بإعادة تركيب وعي تحرري منتج، يتجاوز الاستبطان إلى الفعل.

  1. الخيال الأخلاقي المنتج (التحويلي):

ملكة مركبة تجمع بين الحس القيمي والقدرة الابتكارية، لا تكتفي بتخيل البدائل، بل تؤسس لإمكان تحققها عبر تحويل القيم إلى أنماط فعل اجتماعي وسياسي، بما يجعل الأخلاق قوة إنتاج للواقع لا مجرد معيار للحكم عليه.

هامش (2): المراجع والمصادر (تطوير بالزيادة)

إدوارد دي بونو، التفكير الجانبي – تأسيس منهجي لكسر الأنماط الذهنية.

دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء – تحليل البنية المزدوجة للتفكير والتحيزات.

جون بول ليدراخ، الخيال الأخلاقي – ربط الخيال ببناء السلام في المجتمعات المنقسمة.

ميشيل فوكو، أركيولوجيا المعرفة – تفكيك أنظمة المعرفة والسلطة.

باولو فريري، تعليم المقهورين – تأسيس الوعي النقدي كأداة تحرر.

بيير بورديو، العنف الرمزي – تحليل تسلل الهيمنة إلى البنى الذهنية.

إدغار موران، منهج التفكير المركب – الدعوة إلى تجاوز التفكير الاختزالي نحو التعقيد.

يورغن هابرماس، الفعل التواصلي – بناء المعنى عبر الفضاء التداولي والديمقراطي

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

مصالحة الظل وكتابة قصة السودان: من فخ الرصاص إلى المعنى

د. صلاح أحمد الحبو في الحروب الكبرى، لا تكون الطلقة الأولى هي البداية الحقيقية، بل …