بسم الله الرحمن الرحيم
الحركة الإسلامية السودانية: مطالعة فى سجلها كثورة (1/2) .. بقلم: إسماعيل إدريس نواي
بدأت ثورة الإنقاذ الوطنى ثورة وطنية حقآ … وأعنى بذلك قرارها الصائب والرشيد بالإستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية من حكومة الإئتلاف الطائفى بقيادة الصادق المهدى … وذلك من أجل تجنيب البلاد من الإنهيار الأمنى والسياسى فى موآجهة حركة العقيد قرنق … ولم يكن قرار الإستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية فى 30 يونيو 1989 صائبآ فقط … بل كان قرارآ شجاعآ وحكيمآ فى آن وآحد … ذلك لأنه إستبق إنقلآبات أخرى كانت تُعد وتُطبخ فى الخفاء, هى أشّر وأسوأ من الإنقاذ!!
وهكذا فقد أنقذت “ثورة الإنقاذ” الشعب السوداني من عجز الطائفية ودجلها وعمالتها – الميرغني عميل مصر تاريخيآ منذ والده السيد على, والمهدى عميل ليبيا – فالقذافى هو الذى أمّده بالأموال التى كسب بها إنتخابات 1986, بعد أن صرفت بريطانيا العظمى النظر عن السودان وعن آل المهدى!!!
ولكن عند هذا الحدّ فقط توقفت الإنقاذ كثورة !! وتراجعت إلى الوراء تتناسخ من نظام بدأ وطنيآ … من سىىْ إلى أسوأ. فمن البديهيات الثورية: أن تصفى النظام الذى ثرت عليه !! وان تقتلعه من جذوره إقتلاعآ … وهى أولوية ملحّة ومقدمة علي غيرها من الأولويات. ولكن الحركة الإسلامية السودانية بدلآ من أن تنفذ هذه المهمة الثورية العاجلة وبالتالى تؤمن بقاء نظامها وإستمراره … هى نفسها … كتنظيم ثورى سياسي ومؤسسة شورية ديمقراطية تم تجميدها وتعليقها – وإستأنفت شرذمة قليلون من قياداتها إدارة السلطة السياسية وإستبدت هذه الشرذمة بعملية صنع القرار السياسي ورسم السياسات … ولأن هذه الشرذمة القليلين هم تقليديون حتى النخاع … وإن لبسوا مسوح الثورة وتزيوا بزيها!! فقد تركوا غريمهم الموتور الذى إنتزعوا منه السلطة حيآ موفور الصحة والعافية حرآ طليقآ يمارس كل نشاطاته … وهكذا بالجملة فقد أخفقت الحركة الإسلامية فى إدراك أن تصفية الطائفية السياسية هى مهمة ثورية عاجلة وملحّة … وإن أى تهاون مع الأحزاب التقليدية وتركها طليقة تمارس نشاطها السياسي … سيؤدى بالضرورة إلى عرقلة البرنامج الثوري للحركة الإسلامية … وربما هزيمتها فى نهاية المطاف … وإجهاض الثورة من الأساس!! وهذا ما حدث بالفعل فبعد ثورة الإنقاذ الوطنى بقليل … خرج محمد عثمان الميرغنى ومبارك المهدى وكوّنوا التجمع الوطنى الديمقراطي وتحالفوا مع حركة العقيد قرنق وسوّقوا العقيد قرنق إلى الوطن العربي بإعتباره قائدآ ثوريآ وحدويآ … فغدت القاهرة وطرابلس الغرب محطات ثابته في تجوال قرنق ونشاطاته … وحصل قرنق علي السلاح والدعم المادى من القذافي … كما حصل الميرغني ومبارك المهدى على الدعم المادي أيضآ … وصار إعلام القاهرة النافذ فى صالح قرنق والتجمع الوطنى الديمقراطي … وإشتُهر محمد عثمان الميرغنى وتألق نجمه إقليميآ ودوليآ وهو بالمعارضة بأكثر مما كان وهو فى الحكومة!!! كما حصل مبارك المهدى بإعتباره الأمين العام للتجمع الوطني على أموال هائلة ما كان سيحصل عليها لو كان في الحكم!!
وعرّف لينين قائد الثورة الروسية البلشيفية الثائر الحقيقي بأنه “تكنشن” فى فن الثورة!! بمعنى إنه شخص مدرب ماهر في إلتقاط السلطة السياسية عندما تتهاوى الأنظمة السياسية المتهالكة!!!
أنظر إلى الخليفة عبدالله التعايشي – دينمو الثورة المهدية وقلبها النابض – يعشق النشاط الحربي وتكتيكات القتال وهو غلام لم يبلغ الحلم … وزهد في تعلم القرآن ودروس الفقه… فيلومه وآلده – الذى كان يشرف ويدير “المسيد” ثم يعنفّه … ثم يؤدبه بالضرب … وعندما رأى جده ذلك نهى وآلده عن ضربه وتعنيفه … وامره أن يترك الغلام حرآ وشأن نفسه … ثم تنبأ له جده – والذى كان وليآ عارفآ بالله – بأن ممارساته العملية هذه ستفيده يومآ وتفيد المجتمع من حوله!!
قال الله تعالى عن الحالة العقلية والنفسية للثوار الذين نصروا النبي محمد (صلعم) “لا تجد قومآ يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله, ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم, أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدّهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون”.
وحقآ كما تقول الحكمة العربية “الحكم مضمار الرجال” أي السلطة والملك هي ميدان السباق الحقيقي للرجال … يتبين عند ممارستها القادر من العاجز والصالح من الطالح!!
لكن الترابي تذبذب وتردد بين أن يكون فقط ملهمآ ومرشدآ للثورة … وبين أن يكون تنفيذيآ يصرِّف الأمور بنفسه!! فهو لم يحدد ويحسم دوره في الثورة!!! فكيف به يوزّع ويقسم الأدوار للآخرين؟؟
إسماعيل إدريس نوّاي
لا توجد تعليقات
