الحزم الشرعي ..!بقلم: هيثم الفضل

 


 

هيثم الفضل
11 January, 2023

 

صحيفة الجريدة
سفينة بَوْح -
للذين لا يعلمون وأظنهم قِلة بالنسبة إلى المستوى السامي لوعي الشعب السوداني ، أن جريمة التمرُّد على الدولة وجيشها ومنظومتها الأمنية ونسيجها الإجتماعي ومصالحها الإستراتيجية الوطنية العُظمى ، هي في الواقع من أكثر الوقائع التي (يجوز) للحكومات حسمها بأسرع وقتٍ ممكن وبأقصى أنواع الردع التي تتيح إخمادها ، حمايةً لمصالح البلاد والعباد وتحصيلاً للمصلحة الوطنية العامة وتفادياً لما يُتبَّع إستشراء مثل تلك الوقائع من مخاطر وتداعيات داخلية وإقليمية وأحياناً دولية ، لكن علينا أيضاً أن نعلم أن (شرعية) تدخُّل الحكومات عبر الإماكنيات العسكرية والأمنية (مشروط) ، بأن تكون الحكومة ذاتها (شرعية) إما بالإنتخاب عبر نظام ديموقراطي قائم ومتوافق عليه أو عبر (إجراءات) الإعداد لإنشاء وإقامة نظام ديموقراطي كما هو حال السودان الآن فيما يخُص وجودهُ في مرحلة (إنتقالية) تديرها حكومة متوافق حولها من أغلبية الفاعلين السياسيين وشريحة مُقدَّرة من مُرتادي الشارع الثوري ، وتنحصر مهامها في (حماية) الإنتقال الديموقراطي أولاً ، وتسيير دفة الحُكم في البلاد إلى حين إستلام حكومة منتخبة ثانياً ، أما ثالث مهامها فهو إعداد وتهيئة الأجواء السياسية والإمكانيات الفنية واللوجستية التي تسمح بإجراء إنتخابات حُره ونزيهة.
فالتمرُّد على الدولة الديموقراطية أو الساعية نحو تحقيق مسارها الديموقراطي ، لا يُنظر إليه من الناحية الشرعية على المستوى الدولي والأُممي على أنهُ حركة من حركات التحرُّر التي تستحق الدعم أو التعاطُف ، وهو بالنسبة إلى أغلب الدول شأن داخلي يخص مُقتضيات إستتباب الأمن الداخلي للبلد المعني ، أما في حالة الحكومات الشمولية والإستبدادية كما كان حال الإنقاذ البائدة ، فإن حركات الإحتجاج والتمرَّد العسكري التي تنشأ في غضون عهدها ، تُعتبر بالنسبة للمجتمع الدولي والمُنظَّمات الأممية المتخصِّصة في حقوق الإنسان وغيرها من القيِّم والمباديء الدولية ، حركات ثورية مشروعة تستهدف التحرُّر والإنعتاق من حُكم شمولي غير ديموقراطي ، ذلك لأن النظام الديموقراطي يُتيح أوجُهاً عديدة ومفتوحة بلا حدود للمُعارضين والمُحتجين والمُطالبين بالحقوق التي كفلها الدستور، وترعاها الحكومات المُحتج عليها نفسها ، بالقدر الذي لا يجعل (المُتعقِّلين) قادرين على إستيعاب فكرة إقتلاع الحقوق والحصول على المطالب بحد السلاح وباب العدالة الديموقراطية مفتوحٌ على مصراعية ، بدءأً بالإتساع غير المحدود لحق التعبير عن الرأي بكافة السُبل السلمية التي حدَّدها الدستور ، ونهايةً بمثول القضاء المُستقل الذي يمكن أن يمثُل أمامهُ كل مغتصب للحقوق ولو كان رئيس الدولة ، عبر إجراءات يُحدِّدها القانون في مُقدمتها رفع الحصانة عن الدستوريين عبر البرلمان المُنتخب.
من وجهة نظري أن (قداسة) وأهمية الفترة الإنتقالية بالنسبة إلى مستقبل الأمة والبلاد ، تستمد سمَّوها من قداسة المُستهدف نفسه وهو (إقامة نظام ديموقراطي مُستدام في السودان) ، وبالتالي وجب على القائمين على وضع الميثاق الدستوري الجديد الذي سيحكُم إستئناف المسار الديموقراطي بعد الإتفاق الإطاري ، أن لا يغفل (مُعاملة) الحكومة الإنتقالية كحكومة ديموقراطية مُستنده على دعم جماهيري وثوري يُمثِّل الأغلبية ، فضلاً عن إنبثاقها من توافق غالبية سياسية جامعة ، بالقدر الذي يتيح لها التعامل (بحزم) و(غلظة) مع كل إرهاصات التمرُّد والتهديد بتكوين الجيوش وإنفصال الإقاليم وقطع الطرق الحيوية والإستراتيجية أو مُحاصرة المنشآت ذات الأهمية الخاصة والإستراتيجية ، وأن يتم عبر الميثاق الدستوري الجديد إرسال رسالة واضحة المعالم والصياغة مفادها : أن كل من يتجاوز حدود التعبير السلمي والدستوري عن إحتجاجاته ومطالبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرها سوف يقع تحت طائلة اللاشرعية وإمكانية التصدي له بالقوة التي تتناسب وحجم التهديد الذي يواجه المصلحة العامة وِفقاً للقانون ، وعلى كُل المُحتجين إتباع الطرق المُتعارف عليها في دساتير الأنظمة الديموقراطية والمُتاحة حالياً في غضون الإنتقال الديموقراطي ، بغير ذلك لن يوضع كل شيء في مكانه الصحيح.

haythamalfadl@gmail.com

 

آراء