دكتور محمد عبدالله
تعرف المجتمعات التي خبرت الحروب أن أصعب ما فيها ليس سنوات القتال وحدها، بل ما يجيء بعدها. فالحرب لا تغادر تماماً حين تسكت البنادق، ولا تنتهي بالضرورة عندما يتوقف الرصاص. ثمة حروب أخرى تبقى كامنة في الذاكرة والعلاقات اليومية ونظرة الناس إلى بعضهم بعضاً.
في السودان، ومع دخول الحرب عامها الرابع ، انشغل الجميع بعدّ الضحايا والنازحين والبيوت المهدمة والمستشفيات التي خرجت من الخدمة. وهذه خسائر فادحة تكفي وحدها لوصف حجم الكارثة. لكن ثمة جانباً آخر من المأساة لا تظهره الإحصاءات، لأنه أصاب شيئاً أكثر هشاشة وأهمية: المجتمع نفسه.
عرف السودان، منذ الاستقلال، اضطرابات سياسية متلاحقة وحروباً طويلة في أطرافه. ومع ذلك ظل المجتمع محتفظاً بقدر من التماسك جعل كثيرين يعتقدون أن الروابط الاجتماعية أقوى من أن تكسرها السياسة. كانت الخلافات حادة أحياناً، لكن الحياة اليومية كانت تستمر، والعلاقات بين الناس كانت تجد دائماً طريقاً للتغلب على الاستقطاب.
غير أن الحرب الأخيرة تركت أثراً مختلفاً.
حين تتحول المدن إلى ساحات قتال، لا يعود الجار مجرد جار. يدخل الشك إلى العلاقات التي كانت تبدو مستقرة، ويصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. وحين يُجبر الملايين على مغادرة بيوتهم، فإنهم لا يفقدون ممتلكاتهم فحسب، بل يفقدون أيضاً شعوراً تراكم عبر السنين بالاستقرار والانتماء إلى المكان.
ومع اتساع دائرة العنف، برزت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة. فالحروب تدفع الناس، في كثير من الأحيان، إلى النظر إلى بعضهم من خلال الهويات الكبرى. تصبح القبيلة أو الجهة أو الانتماء الجغرافي وسيلة للتعريف والتصنيف، وتتراجع المساحات المشتركة التي كانت تجمع الأفراد. والحرب لا تخلق هذه الانقسامات من العدم، لكنها تمنحها فرصة للنمو وتوفر لها بيئة مناسبة للانتشار.
ولعل أحد أكثر التحولات عمقاً ما أصاب علاقة المواطن بالدولة. فالدولة ليست مفهوماً مجرداً بالنسبة إلى الناس، بل هي المدرسة والمستشفى والمحكمة والشرطة والخدمات الأساسية التي تمنح الحياة قدراً من الانتظام. وعندما تتعطل هذه المؤسسات أو تغيب، يبحث الناس عن بدائل أقرب وأكثر قدرة على الحماية. فيعودون إلى الأسرة الممتدة أو القبيلة أو الجماعة المحلية. وهو أمر مفهوم في أوقات الأزمات، لكنه يترك أسئلة صعبة حول شكل المجتمع والدولة بعد انتهاء الحرب.
أما الخسارة الأكبر، فربما تتجسد في جيل كامل وجد نفسه يواجه واقعاً لم يختره. أطفال كان يفترض أن تنشغل ذاكرتهم بالمدرسة وألعاب الطفولة، فإذا بها تمتلئ بصور النزوح والخوف والفقدان. وشباب كانوا يرسمون ملامح مستقبلهم فإذا بهم يواجهون مستقبلاً غامضاً لا يملكون تجاهه إلا الانتظار.
هذه الجراح النفسية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها من أكثر آثار الحروب بقاءً. فإعادة بناء الجسور والمباني قد تستغرق سنوات، أما إعادة بناء الشعور بالأمان والثقة فقد تستغرق زمناً أطول بكثير.
ومع ذلك، فإن الحرب كشفت أيضاً عن وجه آخر للسودانيين. ففي لحظات الانهيار برزت مبادرات التكافل الأهلي، وفتحت أسر كثيرة أبوابها للنازحين، ونشأت شبكات تطوعية لتوفير الغذاء والدواء والمساعدة. وكأن المجتمع كان يحاول، بوسائله المحدودة، أن يعوض بعض ما غاب من دور المؤسسات.
غير أن التعويل على هذه الروح وحدها لا يكفي. فالمجتمعات لا تتعافى من الحروب بالكرم والتضامن فقط، بل بالمصارحة أيضاً. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو التعامل مع الحرب باعتبارها حادثاً عابراً ينبغي نسيانه سريعاً. فالحروب التي لا تُفهم أسبابها، ولا تُراجع أخطاؤها، ولا يُنصف ضحاياها، تبقى حاضرة حتى بعد أن تختفي من العناوين الرئيسية.
سيحتاج السودان، عندما تضع الحرب أوزارها، إلى إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس. لكنه سيحتاج، قبل ذلك كله، إلى إعادة بناء الثقة بين أبنائه. وسيكون عليه أن يواجه أسئلة مؤلمة عن العنف والانقسام والخذلان، لا من أجل الانتقام، بل من أجل ألا يصبح ما جرى مقدمة لما هو أسوأ.
عندها فقط يمكن القول إن الحرب انتهت حقاً.
أما السؤال الذي سيبقى مطروحاً على السودانيين، فلن يكون من انتصر ومن انهزم، بل كيف يمكن استعادة مجتمع أنهكته الحرب، ومنع المأساة من التحول إلى قدر يتكرر مع كل جيل.
muhammedbabiker@aol.co.uk
