جمال محمد ابراهيم
دارتْ رُحِى الحربِ في الدّنيا على عَجَلِ
تَجــرَّع الـنَّاسُ صَــابَ الـيُـتـْمِ وَالـثكـلِ
لَـمْ يخلُ في الأرضِ منها موضعٌ قـبلي
بِشـرِّها الغَربُ حتى الـشَّرقُ غير خَـلي
أضـحَـى وَمِن هَـوْلـها أهـلـوهُ في شُـغُلِ
أسعد خليل داغـر
(1)
فيما يظلّ ملفُ الأزمةِ السودانية يَتأرجح بين ظروفٍ خارجية وأخرى داخلية، يبقى حال السُّودانيين المغلوبين على أمرهم، موزّعـاً بين أمـرين. أولهما نزوحٌ خارجي معلَّق بينَ السّماء والأرض، وثانيهما جوعٌ ورصاصٌ ومرضٌ أهلك الباقين داخل وطنهم. يتابع المجتمعُ الدولي وَبعضُ حادبين منه، حرب السُّودان التي طحنتْ سُكان البلاد منذ عام 2023 وحتى الساعة، طحن من لن تكتب له نجاة . وإنْ كانت تلك الحرب مندلعة في السُّودان، قبلَ كلِّ الحروب التي لم تكـفّ جهود ذلك المجتمع الدَّولي من محاولات إيقاف نزيفها ، إلّا أنَّ أزمة حرب السودان بقيتْ تدور في مكـانها، نزفاً وقـتـلاً ودمارا .
إنَّ حربَ إسرائيل ضدَّ الفاسطينيين في قطاع غزة (اكتوبر 2023) ، وحربَ روسيا لتحقيق مطامعها في استعادة حقوق تاريخية وجغرافية من أوكرانيا (فبراير2022)، وحربَ الشيطانين الأكبر ”أمريكا“، والأصغر ”إسرائيل“ ضدَّ إيـران (فبراير 2026)، هي حروب محدَّدة المعالم ، واضحة التخاصم ، علنية المطامع، إلّا حـرب السُّودان فهي مختلفة كلّ الاختلاف، لأنها بدتْ حرب بلدٍ مع نفسه.
هيَ حربٌ لها أبعادها التاريخية والجغرافية، ولكنها الحرب التي اختلطت فيها المطامع الخارجية والداخلية، لشياطين تعدَّدتْ أحجام شرورهم ، كباراً وصغاراً ، وتنوَّعتْ أنواع أسلحتهم بينَ مدَى وخناجر، وصواريخ ومُسيّرات، وتلوّنتْ سحنات جنودها مرتزقة مقاتلين قدموا من أمريكا اللاتينية ومستعربين من الغرب الأفريقي، وما تركوا للسُّودانيين سِوى مصائر موتٍ ودمارٍ وخراب .
(2)
بعد تلك الحروب التي أهلكت البشرَ والحجَر في بعض أنحاء في العالم ولم تعُد المعمورة هي المعمورة، وقد جئنا على ذكرها أعلاه، فإنَّ أكثرها وقد هدأتْ أحوالها الآن ، وبعضها لا زال يراوح بين مدٍّ وجزر. غير أنَّ حال السودان هو حال عجزٍ واهمال، فلا الحرب الدائرة – وقد عصفتْ ببشرها وحجرها وعمارتها – أمكن لضحاياها التوصل لحلول لها، ولا الطامعين من ورائها ملكوا أقدارها وانفضوا عنها. ثمَّ لا يرى الناسُ مِن جديَّة لجهود دولية تصدر من منظماتٍ دولية أو إقليمية، أو من أطرافٍ حانية مُتعاطفة من هنا أوهناك،بل تُركَ السُّودانيون في أزمتهم الطاحنة، بسياسييهم ومدنييهم، وعسكرهم ومليشياتهم، ونخبهم وبسطائهم، ومتعلميهم في حضرهم ومنسييهم في بواديهم، يغرقون جميعاً في موج أزمتهم العمياء.
لقد مَلّ المجتمع الدولي من حلقات مفرغة لمؤتمرات تعقد وتنفض، وسجالات تدار في عواصم ومدن شرقية وغربية ، ثم لا تسفر جلّ هذه الجهود إلّاَ عن جعجعةٍ بلا طحن وصوتٍ بلا فعل. أما السُّودانيون ، أهل الوجع والهلاك ، فهُم ملَّـوا – ليس من الحياة- بل ملُّوا مِن الموت نفسه وقد كاد أن يفقد معناه كما الحياة . في ظلال أزمة طالتْ وتطاولت ، يقف مثقفو السودان في جدالات ومغالطات ، ولا يكفّون عن تدبيج مقالاتٍ تحلِّل ، ودراسات تسبر أغـوار الحرب الدائرة بلا نهايات، واستنشاء صراعات فكرية تلـفّ وتدور حـــول تصنيف مفاهيم ، وتدوير مصطلحات أكاديمية تُعلق على مشاجب أزمــة تاريخ البـلاد وجغرافيتها. لقد كلَّتْ الأقــلام في الكتــابة واحـتشـدتْ مواقــع التواصل الاجتماعي للسُّــودانيين، بالحقـيقي وبالزائــف، بصــائب الـقــول وبخطله ، بثميـنه وَغَـثـِّه، فلم ينتهِ كلُّ ذلك إلّا إلى فـراغٍ عـريض، وإلى خـواءٍ مُفـزع.
(3)
ينظر السُّــودانيون فلا أفـق لحلولٍ تلوح، والهــلاك يطول والحـرب تتعقَّـد والصراع يتناسل. لم تعـد ثمَّة مقــابر وجـبَّـانات لدفـن المـوتى مِـن ضحــايا لا يعرفـون مـن أزهَــق أرواحهــم، إذ انَّ أرض البــلاد بكــامل مساحتها، صــارت مقـبـرة وجـبّـانة يُدفِّـن بعضــهـم بعضـاً ، وَيمشـــي أواخــرهُـم علـى هـامِ الأوائـل، علـى قـــول الشاعر المتنبي.
إنَّ مطحنة الموت لا تكُفّ عن الدّوران ، فيما توقـّف دورانها لحـيـنٍ في غزة وفي إيران، وربما في أوكرانيا، بل وفي ”كاراكاس“ التي هــدأتْ ورئيسها حبيس مرتاحٌ هو أو قلقٌ في ســجون ترامب. ثمَّـة حـروب في أمكنـة اســتجدَّ أوارها وكان أهلها نياماً حين اشتعلت حرب السودان، ثمَّ هدأت أحوالــها، وجياع السُّــودان في جوعـهم وحيــاراهم في حيــرتهــم، وجـثاميــن قتــلاهــم لا مدافـن لها في أرض كان اسـمها أرض المليـون ميل مربع ذات زمان.
(4)
سيبقى السُّودانيون- أو مَن بقيَ منهم حيَّاً -في انتظار هُدنة بين أمريكا وإيران يمكن أن تعيد الانتباه إلى حرب طاحنة في بلادهم، لا ترصــدهـا الأقمــار الاصطناعية ، تلك التي تحصي أنفاس من تصطادهم وهُــم فـي غرف مناماتهم. السُّودانيون هم أشباح أناس ، يسمع الناس عنهم ، فكأنهــم مصنوعون من خيــال كاتــب روائـي مثل ”هـ.ج. ويـلـــز“ ، صـــاحـب ”الرّجـل الخـفــي“، أو شخصيات خرافية من ابتداع الكاتبة ”رولـيـنج“ في مسلسلاتهـا عـــن ”هـاري بوتـر“.
إذا لم يتخلَّص ”ترامب“ من كابوسه في إيران ، فلن يفلح بن سـلمان في لفت انتباهه مجدَّداً لأزمة طاحنة أهلكتْ بشــراً ودمّـرتْ حجــراً في السُّودان، وَ”دونالد ترامب“ هو الذي طرح نفسه وبغطرسـة غير منكـرة، بديـلاً ًعـن الأمــم المتحــدة لبســط السَّــلام في أنحــاء المعمـورة، وهــو الذي أحــالـها مُدمَّـرة مدمورة“.. تـرى أيّ تعاســةٍ كُتبتْ على السُّودانيين، تلك جعلتهـم يتشـبَّثون بخيالِ مـآتة اسْــمه ”دونالد ترامب“..؟
إذا كانت بعض البلــدان عُرضة لتغيـيـر خرائطـهـا، إثر حـروبٍ ومقـاتل وصـرعات، فإنَّ السُّـودان – فيما يبـدو- هـو من البلـدان التي لــن تجــد لها مكاناً في أيِّ خـارطة تُرسـم مـن جـديد لإقليم الشرق الأوســط وشمال أفريقيا.
(5)
إنَّ البشرية تحيا الآن في حقبة احتشدتْ بغطارسِ متطاولين، وكَــذبةٍ لم يُسمع منهم نطقاً بالصدق. يقول الإعلام الذي تنقله الفضائيات، أوصافاً لا تُسمّي الوقائع بمسمَّياتها. في إيران حرب أمريكية إســرائيل، ولكنهـم لا يحدِّثونك عن عدوان أمريكي على إيران. يقولون عن استهداف صـواريخ إيران على بلدان الخليج، ولكن لا يحدثونك بلسانِ صِدقٍ عــن اســتهداف إيران لقواعد أمريكية في بلــدان الخليج المسـلمة، تنطلق منها المدمِّـرات التي تقتل شعباً مُسلماً في إيران.
ثم يحدِّثونك عن السُّـودان الذي يدمِّره بنـوهُ، وهُـم يرون أيّ عـلامات مطبوعة على صناديق الذخـائر وحـاويات المُسيّرات وَحـزم الصواريخ،
مكـتوباً عليها اســم مَـن صنعها ومـن أرســلها لصـناعـة الخـراب في بلاد السُّودانيين، ثم قبض أثمانها مضاعفة، والسُّودانيون محضُ أشباحٍ أوأناس مخفيّـون من صـناعـة هـ.ج. ويلــز. . أمَّا لـو أمعـنَّـا النَّـظــر بأقـمارهـم الاصطناعـيـة، لرأينـا السّــماسـرة ”الأبريـاء“ يُعتقلـون في المـطــارات الأمريكيـة ويرســلون إلى محابس رموا فـيها بعض رؤســاء صـارعـوا غـطـارس الأرض وطغاتها فما أفلحوا ، وَلم تفلح الأمــم المتحــدة – هـي الأخرى- في التذكير باحترام رؤسـاء دولٍ لهم حصانة دُبِّجتْ في المواثيق الدولية. .
أقـول لك في خـاتمة ما كتبـت: إنّ أشـباحَ السُّـودان قـد كُتـبَ علـيهـم الانتظــار إلى أنْ يحيــن خلاصهـم : هُمُ والأمـم المتحـــدة والمظلـومون المعــذّبون في الأرض، من شــبحيّتهم المتوهَّـمة. .
26/4/2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم