الصادق المهدي وجرّ الشوك في جسد الوطن

 


 

 

 

{ أنا أعشق المصعد، لا أستعمله بدافع الكسل، وإنما من أجل التأمل، تضع إصبعك على الذر دون أي جهد، تصعد إلى الأعلى أو تنزل إلى الأسفل، قد يتعطل وأنت قابع فيه، إنه كالحياة تماما لا يخلو من العطب، تارة أنت في الأعلى وتارة أنت في الأسفل}

حكمة

(1)
لكل حادث مقال، تتلوّن الآراء في السياسة عند المهدي حسب الظروف، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، ويستطيع أن يغير رأيه 360 درجة بين حدث وآخر، يحاول أن يحاكي المولى حين يقول في كتابه العزيز { كل يوم هو في شان}، ولن يبلغ شأن المولى لأنه أعجز. ويجاهر المهدي بالضد، ويراه أنه الخيار الأفضل، ولم يزل البعض يردد خلفه: ( الله أكبر ولله الحمد)! . كتب عنه الأستاذ شوقي بدري أكثر مما كتب مالك في الخمر. عندما يرغب أن يكون متصالحا مع الحركة الإسلامية ودولتها التي أتت بانقلاب البشير عام 1989 لتنزعه عن الملك، فإنه ضد تسليم البشير للمحكمة الجنائية!:
نقلت الأخبار عنه:
{ وأوضح المهدي موقفه هذا، رغم معارضته الشرسة لنظام البشير، بأن هناك حاجة لمواءمة العدالة الجزائية والعدالة الإصلاحية وعدم التضحية بالاستقرار في المستقبل. الصادق المهدى رئيس الوزراء السوداني الاسبق وزعيم حزب ( الأمة ) المعارض رفضه تسليم الرئيس السوداني عمر البشير أو اعتقاله، محذرا من أن حدوث مثل ذلك الامر" من شأنه أن يؤدى إلى مواجهات واضطرابات في البلاد وفتح أبواب جهنم في السودان!}"
ثم بعد ثورة الشعب التي انتصرت في خلع البشير في 10 أبريل 2019، يغيّر المهدي رأيه فهو مع تسليم البشير للجنائية:
{ طالب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، بتسليم الرئيس المعزول عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة كل من انتهك وسرق مال الشعب السوداني. ووعد المهدي لدى مخاطبته اللقاء الجماهيري الحاشد بنيالا، بالعمل على رد الحقوق كاملة لكل الناس وللنازحين واللاجئين، إلى جانب العمل على تقويم الاقتصاد ونزع السلاح، وعمل مصالحات قبلية كاملة، وقال الصادق نضع قاعدة تعطي كل ذي حق حقه، وأضاف كل من يقف ضد السلام العادل سيتم تصنيفه إرهابياً ومخرباً.}
دون أن يحس بالتناقض فهو يرى نفسه منسجما مع نفسه في الحالتين، ولم يتغير شيء في دار فور فالقتلى باقون قتلى، بل زادوا في نيرتتي والجنينة، والمشردون كذلك، ولن يحييهم تقلّب المهدي، بين التقيّة في الموقف الأول، ونزع التقيّة بعد أن زال حكم البشير. إن لم تكن الوطنية وازع المهدي، فإن لنسب جدته الدارفورية عليه حق.

(2)
لم أزل أذكر لقاءه في المجمع الثقافي بأبوظبي عام 2000، وكان يحرسه في المنصة أنصاريان، يرتديان جُبة الأنصار ويحملان حربتين. كان يدعو أنصاره بضرورة العودة للوطن، فقد هلّت في نظره بشائر الديمقراطية، وآن للمعاضة أن تذهب للوطن، وقام حينها بحل جيش الأنصار الذي لا يزيد عن ألف شخص، وفي الوطن تشاجر العائدون مع الأمين العام في موضوع الثمن!. ثم شهدنا اجتماع الجلابيب في السودان ينفضّ ويجتمع والحصيلة لا شيء، رغم مرور السنوات!. لماذا لا يتخذ الإخوان المسلمين سبيلهم عند أبو الكلام، فحضروا الاجتماعات حضور من يصبرون على محاضراته المطوّلة عن الديمقراطية، دون أن ينتظر هو نتيجة.
اصطلاحا تعني السياسة رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتُعرّف إجرائيا بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا (المصادر المحدودة) متى وكيف. أي دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة. وعرّفها الاشتراكيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعُرفت السياسة بأنها فن الممكن، أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيًا وليس الخطأ الشائع، وهو( أن فن الممكن هو الخضوع للواقع السياسي وعدم تغييره بناء على حسابات القوة والمصلحة.)، وهذا ما يراه المهدي قائدا لبصيرته المنجّمة بسقوط الحكم.
لم يزل الصادق المهدي يراوح مكانه، رغم تنازله عدة مرات عن رئاسة حزبه، فإنه لم يزل رئيسا فعليا للحزب. والناطق الرسمي باسمه!. لم يتنازل عن السياسة أو رئاسة حزبه، ويريد أن يردد الناس أخباره كل يوم وكل ليلة. لقد بقي رئيسا للحزب منذ القرن الماضي!.
تماما كما أشعر أبو الطيب المتنبي:
سيعلمُ الجمعُ ممَّن ضمَّ مجلسُنا.. بأنَّني خيرُ من تسعَى به قدمُ
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي .. وأسمعَت كلماتِي من بهِ صممُ
أنامُ ملء جفوني عن شواردها .. ويسهرُ الخلقُ جرَّاها ويختصمُ

(3)

لا ندري متى ننفك من المهدي وصحوته الإسلامية وسيرة تصريحاته، لم يزل يصرّح ويناقض تصريحه بآخر، كأننا لا نفهم ولا نعي وضع هذا الشيخ المأساوي. إن صدّقنا بأن جده المباشر صاحب المهدية الجديدة، وهو التي منحته السلطة الاستعمارية 4500 جنيه سوداني عام 1926 ( التي صيرته مليونيرا في عشية وضحاها)، حتى صار بقدرة قادر ( بطل الاستقلال)!
*
أما ابنه عبد الرحمن الذي دخل الكلية الحربية الأردنية. تنازل عن حزب الأمة وبقي على أنصاريته، وقصّ رقبته مع البشير الراقص، بدل البيعة على قصّ الرقبة كما هو في تراث الأنصار. تم إرجاعه للقوات المسلحة، وحده دون غيره ولحق بدفعته لواء في القوات المسلحة. وصار بقدرة قادر مستشارا للرئيس المخلوع حتى سقوطه!. اعتذر ولم تُقبل أعذاره، بل تساءل المهدي كيف لا تٌقبل توبة ابنه!. فهو ابن الصادق يتقصى خطو أبيه ( الحِجل في الرِجل) كما تقول الأغنية القديمة.
*
ألا يعود السيد الصادق للجلوس على( التبروقة)، ويقرأ الراتب، ويخلق صلة رفيعة بينه وبين ربه، بدلا عن تسويق نفسه رئيسا للوزراء القادم، ويسمم العلاقة بينه وبين الناس. فقد فشل في السياسة فشلا مبينا، لدى أي عاقل يعقل.
لم أزل أبحث عن تصريحه ( البشير جلدنا ما نجرّ فيهو الشوك!!).
*
بقي من حديث المهدي ( المهديّة والتقيّة):
التقيّة في دين هؤلاء هي أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن تديّنا؛ فينسبون الكذب والخداع لدين الله ظلما وعدونا .وليست التقيّة من عقيدة أهل السنة في شيء؛ فالكذب عند أهل السنة من صفات المنافقين، ولا يزال الإنسان يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا، وهؤلاء يكذبون ويتحرون الكذب في كل شيء، ثم يجعلون من ذلك اعتقادا ودينا !!
*
يَرْوى عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ قَالَ: التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، و " التَّقِيَّةُ " هِيَ شِعَارُ النِّفَاقِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَهَذَا حَقِيقَةُ النِّفَاقِ " .

عبدالله الشقليني
12يوليو 2020

alshiglini@gmail.com

 

آراء