الصحفي د. إبراهيم الصديق كما عرفناه

خالد البلولة
كلما احتجتُ إلى فهم ما يدور في كواليس السياسة والإعلام،أو أردتُ أن أستعيد معنى الرصانة الصحفية،أهرع إلى صفحة أستاذنا د.إبراهيم الصديق؛هناك لا تجد مجرد خبر أو رأي،بل طريقة واسلوب في معالجة القضايا وميزانًا دقيقًا يزن به الكلمات والمواقف.
عرفتُه صحفيًا وإداريًا منذ التسعينيات،عبر تجاربه في صحف الأسبوع والسوداني والسودان الحديث،ثم إداريًا في مؤسسات تلفزيونية خلال تلك الفترة وبدايات الألفية ومع تعدد تجاربي لاحقًا مع أنماط إدارية مختلفة، ظل نموذجه حاضرًا للمقاربة : حزمٌ في القرار،ومرونة في التعامل، وقدرة على قيادة الأمور بهدوء، مع موازنة دقيقة بين المهنية وضرورات الواقع.
وقد يتساءل القارئ: لماذا عنه الكتابة الآن؟
لا شيء سوى المحبة.بدات قبل فترة كتابة مقالات بعنوان (كنوز محبة)تعبيرا وامتنانا لشخصيات في حياتي ..هذا المقال ياتي في سياقها.
(1)
عرفتُ د.إبراهيم الصديق لاول مرة إبان ادارته لتحرير صحيفة السودان الحديث في التسعينيات والمرة الثانية عندما تولى ادارة الاخبار والشئون السياسية بالتلفزيون.
كنا في السودان الحديث تحت رعايته متدربين ثم متعاونين .. حيث كان قريبًا من العاملين معه،حريصًا على الاستماع إليهم يتعامل معهم كفريق عمل،كان بابه مفتوحًا للحوار للنقاش حول الهمّ المهني المشترك.
عند ادارته للقناة القومية بالتلفزيون،كنا نشكو له من كثرة قرارات المدير العام وضغوطها،فكان يجيب بهدوء وثقة:عند اتخاذ اي قرار ،خلوني في الصورة حتى أستطيع أن أدافع عنكم امام الإدارة).
يفهم من تلك النصيحة أن القائد لا يترك فريقه في مواجهة الضغوط،بل يقف معهم،ويحميهم داخل المؤسسة وهو ما يُعرف في الفكر الإداري الحديث بالقيادة الداعمة،التي تخلق بيئة آمنة نفسيًا،وتعزز الثقة والانتماء، وتنعكس مباشرة على جودة الأداء.
(2)
هذه الروح القيادية امتدت إلى مواقفه الإنسانية. أذكر عند وفاة والدة أحد المتعاونين مع برنامج دنيا بولاية نهر النيل، في منطقة الرباطاب ،ذهبنا إليه لإبلاغه برغبتنا في تعزية الزميل فلم يتردد، بل بادر فورًا بتوفير سيارة،والموجب في موقف يعكس احترام المؤسسة لواجبها الإنساني قبل المهني.وكان لها أثرا كبيرا عنده واسرته .
وفي تجربة أخرى،بعد إنتاج الحلقة الأولى من برنامج دنيا، عُرضت على لجنة التقييم،فجاءت ملاحظاتها شكلية منها ،ان المذيع يتبع للبرامج السياسية،والفقرات طويلة ولا يوجد رابط بين موضوعاتها ونست اللحنة ان البرنامج مجلة تلفزيونية وبعد أن اطّلع د.إبراهيم الصديق على التقرير،حسم الأمر بعبارة موجزة:تُبث الحلقة…ويُحفظ التقرير.
بُثت الحلقة،وجاءت استجابة الجمهور إيجابية وواسعة،لتؤكد صواب الرهان.وبعد أربعة أشهر فقط،تُوّج البرنامج بالجائزة الثانية في مهرجان الإعلام العربي بالقاهرة عام 2008، في واحدة من أبرز المنصات العربية لتقييم الإنتاج التلفزيوني.
(3)
تكشف تجربة أخرى جانبًا مهمًا من رؤيته الإدارية،حين تدخّل لمنع نشر مقالٍ للأستاذ يس عمر الإمام (رحمه الله)،كان ينتقد فيه سياسة دولة عربية شقيقة بعد منعه من دخولها،وهو حينها رئيس مجلس إدارة صحيفة السودان الحديث.لم يكن ذلك القرار، في تقديره، تقييدًا للرأي،بل قراءة لمصلحة أوسع. ففي ذلك الوقت،كانت تلك الدولة تمثل منفذًا مهمًا لعلاج السودانيين في ظل ظروف ضاغطة، وكان يخشى أن يؤدي نشر المقال إلى أزمة دبلوماسية تمس مصالح المرضى مباشرة. ترتب على هذا القرار إنهاء علاقته بالصحيفة بطوع ارادته وأثار نقاشًا واسعًا داخل الوسط الصحفي حول حدود الرأي وموازنة المصلحة العامة.
(4)
ومن مواقفه اللافتة،أنه أوقف تقليدًا إداريًا كان سائدًا في التلفزيون يقضي بمرافقة مديري الإدارات للرئيس في زياراته ورحلاته الخارجية وبدلًا من ذلك،أعاد تنظيم المأموريات وفق نظام عادل،يقوم على التناوب بين المحررين والمصورين.
كان يقول:من يذهب إلى كبويتا أو الفاشر أو الدمازين أو ملكال له حق السفر إلى لندن أو جدة أو القاهرة أو مدريد. بهذا القرار، رسّخ مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص،وربط الامتياز بالجهد،لا بالموقع الوظيفي.
(5)
يبقى د.إبراهيم الصديق بشرًا يخطئ ويصيب،وفي أي تجربة قيادية لا بد من اختلاف في التقدير.هناك من يرى أنه أنصفه، وآخرون قد يرون غير ذلك، وهذه طبيعة أي بيئة عمل حية…لكن، بعيدًا عن التقييمات الفردية، يظل الأثر الأهم في تجربته أنه أتاح فرصًا واسعة للإعلاميين الشباب،مذيعين،ومنتجين، ومخرجين، وفتح المجال أمام طاقات جديدة لتأخذ مكانها على الشاشة. وساند أفكارًا مختلفة وأسهم في إنتاج برامج لامست الواقع واقتربت من الناس،مثل:شوارد، دنيا،كل الجمال،عزيزي المشاهد،وبيتنا وبرامج اخرى.
يمثل د. إبراهيم الصديق نموذجًا للقائد الحازم في قراره،و المرن في تعامله،والإنسان في مواقفه،وهي معادلة نادرة. لكنها حين تتحقق، تصنع مؤسسات أكثر استقرارًا، وأقدر على الاستمرار..

dr.khalidbalula@gmail.com

عن خالد البلولة

شاهد أيضاً

الإنسان بين العقل المسخّر وسلطان الآلة: من لدن سيدنا داود وسليمان إلى عصر الذكاء الاصطناعي

خالد البلولةيعتقد كثير من الناس أن التطور التقني المتسارع في عصرنا،وما يصاحبه من انتشار الذكاء …