الصغيرة رهام .. تأليف : لمياء هاشم أحمد حميده
7 مايو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
انطلقتْ صافرة العربة فأسرعتْ رقية خارجة بخطى سريعة تحتمل شنطة أكبر منها تمتلئ بالكراسات والدفاتر الخاصة بالطلبة ، رقيّة معلمة تعمل في مدرسةالشيخ مصطفى اﻷمين الثانوية للبنات ، في مدينة بورتسودان ، كانت رقيّة ممتلئة الجسد ، تميلُ للقصر ضيقة العينين ، شديدة سمار البشرة ، تلهث كلما تحركت من فصلٍ لآخر ، وكانت المدرسة التي تعمل فيها شاسعة اﻷطراف ممتدة ، تصطف اﻷشجار في مسيرة طولية مبهرة ، وتكتسي الجدران باللونين اﻷخضر الفاتح والبرتقالي في تناغم وانسجامٍ مع اﻷشجار ، يومها يبدأ عندما تسمع صافرة الترحيل الجماعي الذي تكفلتْ إدارة المدرسة النموذجية بتوفيره للطالبات ،عند السابعة صباحاً ، فتصبّح على السائق أحمد وتركب في أحد المقعدين اﻷماميين ، هو رجل في منتصف العمر كثير الحياء ، مهذّب مُلوّح البشرة بالسمار وخط الشيب مفرقه ، يتحدث بكلماتٍ قليلة وصوتٍ خفيض ، له ابناء صغار ، يمتلك عربة الترحيل التي ينقل بها الطالبات ، يبدأ صباحه مع أذان الفجر حيث يصلي ثم يخرج لرزقه ، وعندما يحين موعد ترحيل الطالبات يأتي للمعلمة رقية والتي تحفظ جميع طالباتها ، وأحياناً تنتهر طالبة علا صوتها- باسمها – دون أنْ تلتفتُ إليها ، وبعد مسيرة ربع ساعة تكون السيارة قد احتملت فوق طاقتها ! حيث تُحشر الطالبات حشراً في المقاعد ، وبعد أنْ تشتكي المقاعد وتئن تقف بعض الطالبات على أرجلهنّ ، ويتمايلن ذات اليمين وذات الشمال مع انحناءات الشارع وانبساط الحفر كأنّها قدر ليس منه مفر ! ، قريب وصولهن للمدرسة تمر العربة بالمقابر وهنا تتمتم رقية بدعاء المقابر وهي ترنو بخوف : السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين أنتم السابقون ونحن اللاحقون بكم إنْ شاء الله ، أسأل الله ليّ ولكم العافية ، وبعدها تعبر العربة الى عدة شوارع حتى تصل للحي الذي فيه المدرسة ، فتنزل الطالبات واحدة بعد اﻷخرى والمعلمة تقف تراقب خروجهن ثم تلوح بيدها للسائق الذي يهز رأسه باسماً وينطلق راجعاً للسوق .
يوم اﻷربعاء3/5/2017 كان يوماً عادياً ﻻ يميزه شيء ، بعد الحصة السابعة ركبت الطالبات تراحيلهن ، وبدأت بعض الحافلات بالإنطلاق ، غير أنّ حافلة أحد اﻷحياء البعيدة صعدتْ على متنها طالبة صغيرة الحجم والعمر لم يمضي على حضورها للمدرسة أسبوع ، كانت في الصف اﻷول ، شعرتْ بدوار فسقطعت فطلبت المعلمة إنزالها في أحد المقاعد الأرضية الطويلة في حوش المدرسة تحت ظل شجرة ، وأبلغوا الوكيلة الاستاذة سيدة فأتتْ مهرولةً كعادتها رافعة ثوبها عالياً حتى لا يعيق حركتها ، وهي امرأة متوسطة الطول في منتصف العمر تنتمي لقبائل غرب السودان كثيرة الحركة ، هادئة الصوتْ ، والتي قامت بالإتصال بوالدة الطالبة ، فطلبتْ منهم الإسراع بها الى المشفى وسوف تلحق بهم هناك ، وبالفعل ركبوا في عربة صغيرة تتبع لحي سلالاب طارت العربة تحمل عدد من المعلمات والطالبات ، والطالبة ممددة في مقعد طويل ورأسها على فخذ المعلمة هدى عوض أستاذة القرآن الكريم والتي خفضت رأسها بجوار أذن الطالبة وهمست ببعض آي الذكر الحكيم .
وصلوا لمستشفى الموانئ البحرية ، واجتازوا البوابة حتى الباب الداخلي وهناك طلبوا نقّالة فلم يجدوا ! ، كل النقالات في العمليات ، كان هذا هو الجواب ، فإحتضنت احدى المعلمات الطالبة وكانت خفيفة الوزن ضئيلة الحجم ، كأنّها طفلة لا تتجاوز العاشرة مع أنّ عمرها في الثالثة عشر ، وسارت بها حتى وجدتْ كرسي متحرك وضعتْ فيه الصغيرة فترنح رأسها الى الخلف وارتمتْ أطرافها على الجانبين ، فأخذت المعلمات يلملمن أطرافها ، ودفعن الكرسي حتى باب غرفة الطوارئ ومن هنا تمّ منعهنّ من الدّخول ، ودخلتْ ثلاث طبيبات صغيرات السن اليها ، ولم يطلْ الوقتْ وأطلّتْ احداهنّ برأسها فإشرأبتْ اﻷعناق اليها متسآئلة فقالتْ ببساطة : دي ميتة ! ، ولم تكدْ تنهي جملتها تلك حتى أطلقتْ المعلمات والطالبات صراخ يقطّع نياط القلوب ، وجلست المعلمة عبير على اﻷرض فاغرة الفاه في صياح هستيري ، كانت عروس جديدة في شهور الحمل اﻷولى ، والمعلمة هدى كمبال تشتكي من ألم بالساقين وأستاذة آسيا تشتكي من الكلية ، ولكن اﻵن في هذا الموقف الرهيب في حضور الموت جاثماً بينهنّ لم تشتكِ احداهنّ ولم تتذكر إحداهنّ مرضها وﻻ حالتها ، فقط موتُ رهام ، بعد قليل جاءتْ والدتها تسأل عن الطالبة التي أتوا بها ، وهي ترتدي ملابس طويلة وتتوشح بالنقاب ، واعلموها بموت ابنتها فصبرتْ واحتسبتْ وبكت دون كلام تقطّعت وهي تنظر بذهول يعجز عنه المقام لابنتها مسجاة بملابس المدرسة الجديدة ، و قد أخذوا طرفاً من الطرحة لتغطية الوجه ، ماتت الصغيرة بعد دخولها الثانوي بإسبوع ، ما يؤلم حقّاً
أكثر من الموت هو إغتراب والد رهام قبل ميلادها فما رأها وﻻ دفنها ! ما فائدة الإغتراب إذن ؟
تمت
تأليف : لمياء هاشم أحمد حميده
6/5/2017 الساعة 01،42 صباحاً
lamhash64@gmail.com