🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليس أوجع على الأوطان من أن تصاب ذاكرتها بالوهن، فتبصر العيون المأساة عيانًا ثم يتواطأ أصحابها على طمسها، وتسمع الآذان صليل الموت في أرجائها ثم تستدعى البلاغة الملتوية لتنسج للجريمة أعذارًا تبرئها في الوجدان قبل أن تبرئ فاعلها. وفي بلادنا، لم يعد الخلاف في الرؤى هو البلاء الأعظم، وإنما انكسار المعيار الأخلاقي الذي كان ينبغي أن يسمو فوق العصبيات والاصطفافات، حتى غدا القاتل يستثنى من مقتضيات العدالة لمجرد أنه يقف في الضفة التي نميل اليها، وصارت الحقيقة تقاس بموقع قائلها لا بثقل الوقائع، وتغسل الدماء بماء الانتماء، وتعاد هندسة الذاكرة وفق مقتضيات الهوى والمصلحة. وحين ينحني الضمير أمام سطوة الجهوية، يصبح الكذب صناعة، والنفاق مأوى، وتغدو المأساة مرآة لا تفضح فظاعة ما جرى فقط، بل تكشف مقدار ما انحسر من إنسانيتنا حين صرنا نزن الضحايا بميزان الولاء، ونمنح الحقيقة حصانة أو إدانة بحسب الجهة التي ترويها.
إن أفتك ما يخلفه النفاق في الروح العامة أنه لا يكتفي بتشويه وجه الحقيقة، بل يعبث بالبوصلة التي تهدي إليها، فيربك معايير الحكم حتى يصبح الباطل قابلًا للتبرير متى ماصدر عن الجهة التي نناصرها، ويصبح الحق موضع ريبة متى ماجاء من خصم نبغضه. فمن يستنكر سفك الدم حين يجري على يد خصمه، ثم يستنفر دهاء التبرير حين يرتكبه من يناصره، لا يكون حارسًا لمبدأ، وإنما يكون قد اتخذ من المبدأ ستارًا لانتماء أعمى، وأحال ضميره إلى أداة انتقائية لا تعمل إلا وفق مقتضى الهوى. وهكذا يختزل العدل في هوية الضحية، ويعاد تعريف الجريمة بحسب اسم مرتكبها، فيرثى قتيل ويستباح آخر بالصمت، ويستنكر الدم حين يجرح اصطفافًا، ثم يمنح حين يخدمه ما يشبه المشروعية المستترة. وليس هذا اختلافًا في السياسة ولا تباينًا في الاجتهاد، بل انحدار أخلاقي مريع، حين تفقد الحقيقة استقلالها، ويصبح الضمير أسيرًا للولاء، ويقاس الظلم لا بفظاعة ما اقترفته اليد، وإنما بالجهة التي تنتمي إليها تلك اليد.
ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن نختزل مشكلتنا في كتلة من الضمائر التي أفسدها النفاق، فما تزال هناك نفوس عزيزة تبقي للضمير حرمته، وللحقيقة جلالها، وتأبى أن تجعل من الانتماء ستارًا توارى خلفه الجريمة، أو ذريعة يستباح بها الحق. غير أن الفاجع أن طائفة واسعة آثرت مقام الالتباس، واستوطنت تلك المنطقة الرمادية التي لا يستنكر فيها الظلم إلا إذا حمل راية الخصم، ولا تستعاد فيها الحقيقة إلا بمقدار ما لا يوقظ وجع الجماعة ولا يهدد مصالحها. فمنهم من يعلم فيكابر، ومنهم من رأى فيجحد، ومنهم من أدرك الحقيقة ثم أعرض عنها، مستبدلًا بها رواية أكثر طواعية لنزوات الهوى وأحكام الاصطفاف. وهكذا لا يعود خراب الوطن من صنيع الرصاص وحده، إذ تتكاثر حوله ألسنة تبرر، وضمائر تصمت، وذاكرة تنتقي، حتى يصبح النفاق شريكًا خفيًا في الجريمة، فالسلاح يفتك بالأجساد، أما النفاق فيفتك بالمعنى، ويفرغ العدالة من جوهرها، ويترك الوطن قائمًا على خارطة الأرض، لكنه يتداعى في أعماق الضمير.
ولعل الوطن، في هذا المنعطف المظلم من تاريخه، لا يفتقر إلى شيء افتقاره إلى استرداد فضيلة الصدق، وإحياء ذلك المعنى النبيل الذي يجعل الوطن أوسع من القبيلة السياسية، وأرفع من رايات الاصطفاف، وأقدس من أن يختزل في ولاء عابر. فالدم لا يحمل هوية تبرر سفكه، والجريمة لا تتطهر من رجسها لأن يد مرتكبها تروق لنا، ولا تستحيل فضيلة لأن رايته توافق نزواتنا ومصالحنا. وإن أفدح ما يمكن أن نخلفه للأجيال ليس وطنًا أنهكته البنادق فقط، بل وطنًا مكسور الذاكرة، مشوه الحقيقة، مستباح الضمير، إذ إن خراب السلاح، مهما طال، قابل للانحسار، أما الخراب الذي يستوطن العقول ويستقر في الضمائر، فأخطر من أن يرى وأبقى من أن يدفن، لأنه يتناسل في الذاكرة، ويورث الكذب كما تورث الأوطان أسماءها. ومن أراد للسودان أن يخرج من عتمة هذا الانكسار، فعليه أن يبدأ بأشجع مواجهة، مواجهة الذات، وأن يستعيد شرف التسمية قبل شرف الموقف، فيسمي القاتل قاتلًا، والظلم ظلمًا، والكذب كذبًا، دون أن يستثني قريبًا لولائه أو يبرئ حليفًا لهواه. فالأوطان لا تنهض بضجيج الشعارات ولا بكثرة الرايات، وإنما تنهض حين يستعيد أبناؤها شجاعة الحقيقة، ويقفون في وجه الباطل لا حين يأتي من خصومهم، بل حين يتسلل إليهم متدثرًا براية الجهة التي يحبون.
