المطلوب هزيمة روسيا ودحرها

 


 

 

رئيس الوزراء البريطاني يدعو قادة (G7) لاسْتِعراض عضلاتهم أمام بوتين
واشنطن تثير المجموعة ضد بكين وترْصُد مئات المليارات لعرْقلة طريق الحرير
د. عصام محجوب الماحي

قمّة مجموعة السبع (G7) التي عُقِدت بألمانيا في الفترة 27 - 28 يونيو 2022 سبقتها قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل يومي 24 و25 من نفس الشهر، حيث وافق قادته على توصية المفوضية الأوربية لمنح أوكرانيا ومعها جمهورية مولدوفا وضعية دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد، وعُقِدت بعدها قمّة حلف شمال الأطلسي في مدريد يومي 29 و30 يونيو 2022 التي وافقت على ضمِّ فنلندا والسويد للناتو، وقررت تعزيز وجوده العسكري في أوروبا، واعتمدت المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف الذي اعتبر "روسيا أكبر تهديد مباشر للحلفاء والأمن والاستقرار في المنطقة الاوربية الاطلسية، وأنشطة الصين تقوِّض النظام العالمي".
فما هي أجندة قمة الـ 7 وما هو أهمّ ما توصلت إليه؟ وكيف ولماذا أثارت الولايات المتحدة حلفائها في المجموعة ضد الصين؟ وهل أصبحت الصين بُعْبُعاً أمْ فزاعة بعد ما فعلت روسيا ما فعلت وتفعل في أوكرانيا؟
دعونا نبدأ بروسيا ثم ننتقل لنختِم بالصين.. فالنفط والغاز والذهب الروسي تعادله استثمارات الصين الواسعة في كل أنحاء العالم وفي طريق الحرير الذي تريد بكين أنْ تعْبُر به نحو المستقبل.

* حصار النفط لخنق الاقتصاد الروسي:
لا شكّ أنّ الضغط الاقتصادي المُتزايد على روسيا والإفراج عن مساعدات جديدة لأوكرانيا كانا الموضوعين الرئيسين لاجتماع هذا العام لمجموعة السبع. ولتحقيق ذلك كانت أهم بنود القمة إيجاد آلية للحد من السعر العالمي للنفط الروسي، ورفع الرسوم الجمركية على الواردات الروسية، وفرض عقوبات جديدة على موسكو والمسؤولين فيها، وتقديم دعم عسكري إضافي لأوكرانيا.
ولذلك، سعى قادة الدول السبع الصناعية الكبرى - الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان - جنباً إلى جنب مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، إلى اتخاذ تدابير جديدة لخنق الاقتصاد الروسي وإنهاء الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا في أقصر مُدّة.
ووِفقاً لتقريرين كتبهما شيربان ميهاييلا وزميله دان كونستانتين لصحيفة (جورنالول ناتسيونال) الرومانية واسِعة الانتشار، ناقشت دول مجموعة السبع يوم الاثنين الماضي آلية تحديد سقف الأسعار العالمية للنفط الروسي. وبحسب ما نقلته وكالة (فرانس برس) عن مسؤول كبير في البيت الأبيض، إنّ قادة المجموعة "قريبون جِدّاً من النقطة التي سيقررون فيها مطالبة وزرائهم بوضع آليات عاجلة للحدِّ من السِعر العالمي للنفط الروسي". وقال المسؤول الأمريكي الذي طلب عدم الكشف عن هويته إنّ مثل هذه الآلية ستستهدف "الخدمات" المرتبطة بصادرات النفط الروسية.
ولا ريب أنّ مصطلح "الخدمات" يشير، على وجه الخصوص، إلى عقود الشحن والتأمين لشحنات النفط الروسية. وحتماً سيضع وزراء مالية مجموعة السبع في الأسابيع المقبلة تفاصيل كيفية عمل مثل هذه الآلية، وكذلك تقييم تأثيرها على الاقتصاد الروسي.
وأضاف المسؤول في البيت الأبيض "الهدف هو قطع شريان المصدر الرئيسي الذي يغذي روسيا بالأموال الجديدة"، وأردف موضحاً "إنّ دول مجموعة السبع ستواصل أيضاً تقييد وصول روسيا إلى الموارد الصناعية الحيوية، لا سيما في قطاع الدفاع الذي تستهدفه واشنطن بقوة من خلال العقوبات المفروضة على المؤسسات العامة الروسية الكبيرة". وهذا بالطبع يعني أنّ تلك الشركات لنْ تكون قادِرة بعد الآن على استيراد المنتجات الأمريكية، وخاصة المكونات التكنولوجية.

* رسوم جمركية جديدة وعقوبات لاذِعة:
لمْ تخْف مجموعة السبع أنّها تريد أيضاً "التنسيق لاستخدام الرسوم الجمركية على المنتجات الروسية"، وفي الواقع، وفقاً لبيان صادر عن إدارة بايدن، إن الولايات المتحدة "ستفرِض ضريبة أعلى على أكثر من 570 فئة من المُنتجات الروسية، يبلغ مجموعها حوالي 2.3 مليار دولار". وأخيراً وليس آخراً، قال البيت الأبيض إنّ دول المجموعة ستفرض عقوبات "على المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك جرائم الحرب". وستستهدف الولايات المتحدة، على سبيل المثال، "الشركات العسكرية الروسية الخاصة العاملة في أوكرانيا، والوحدات العسكرية الروسية أو المسؤولين الذين تدفع بهم روسيا للمناطق التي تحتلها أو تسيطر عليها القوات الروسية في أوكرانيا، بما في ذلك الوزراء ورؤساء البلديات".

* أنظمة دفاعية حديثة لكييف:
بالإضافة إلى ذلك، تستعِد الولايات المتحدة للإعلان عن شرائها لأوكرانيا نظام دفاع صاروخي أرض - جو مُتقدِّم. ويوفر نظام NASAMS النرويجي دفاعاً صاروخياً متوسِّط وطويل المدى وهو نفس النظام الذي تستخدمه الولايات المتحدة لحماية المجال الجوي حول البيت الأبيض في العاصمة واشنطن.
إنّ الإعلان عن الاستحواذ على NASAMS سيرُدّ على أحد أهمّ طلبات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي ظلّ يحذِّر من أنّ المدن الرئيسية في أوكرانيا لا تملك ما تدافع به لصدِّ الهجمات الصاروخية الروسية.
الشاهد أنّه يوم الأحد الماضي، وعشية اجتماع مجموعة الدول السبع الكبرى في ألمانيا، قصفت موسكو العاصمة الأوكرانية كييف بالصواريخ. ومع ذلك، يبدو أنّ ما قامت به روسيا كان له تأثير معاكس تماماً بين القادة الغربيين، الذين وعدوا بزيادة المساعدات العسكرية للأوكرانيين، وتشمل المزيد من الذخيرة للمدفعية، والرادارات المضادة للبطاريات الصاروخية، لدعم جهود كييف لمقاومة الهجوم الروسي على دونباس، حسبما نُقِل عن مسؤول أمريكي آخر طلب عدم الكشف عن هويته.
وفوق ذلك، سيعلن بايدن عن تعهد جديد بقيمة 7.5 مليار دولار لمساعدة الحكومة الأوكرانية على تلبية إنفاقها كجزء من حزمة الدعم العسكري والاقتصادي البالغة 40 مليار دولار التي كشف عنها الشهر الماضي.

* زيلينسكي يريد المزيد من الضغط:
وإلى ذلك، دعا زيلينسكي زعماء المجموعة المجتمعين في بافاريا خلال حديثه معهم يوم الاثنين الماضي بالفيديو، إلى "بذل قصارى جهدهم" لإنهاء الحرب في بلاده بنهاية هذا العام. وشدّد على الحاجة إلى تشديد الإجراءات العِقابية المفروضة على روسيا. وحثّ القادة الغربيين على عدم تخفيف الضغط ومواصلة فرض عقوبات واسِعة النِطاق على روسيا. وطلب منهم أنظمة دفاع جوي وضمانات أمنية. وفي الوقت نفسه، دعاهم أيضاً إلى وضع استراتيجية ضد الحصار الروسي لصادرات القمح الأوكراني والمساعدة في إعادة إعمار بلاده.

* لا صوت يعلو على الوحدة والاصطفاف:
هذا وقد حصلت دعوة زيلينسكي على ردٍّ سريع على تويتر من المستشار الألماني أولاف شولتز الذي استضاف القمة، وكتب "مِثل مجموعة السبع، نحن متّحِدون في مواقِفنا مع أوكرانيا وسنواصل دعمها. ولهذا، علينا اتِّخاذ قرارات صعبة ولكنها ضرورية. سنواصل زيادة الضغط على بوتين، وهذه الحرب يجِب أنْ تنتهي!".
في الواقع، في اليوم الثاني من الاجتماع، صرح شولز إنّ سياسات دول مجموعة السبع فيما يتعلق بأوكرانيا "تشهد اصطِفافاً ملحوظاً". ووفقاً للمستشار الألماني، على هذه الدول أنْ تكون صارِمة وحذِرة في نفس الوقت. وقال شولتز "إنّنا نتخِذ قرارات صعبة ونتوخى الحَذر أيضاً، وسنساعِد أوكرانيا قدر الإمكان وفي نفس الوقت نتجنّب حدوث نزاع كبير بين روسيا وحلف شمال الأطلسي".
وكان الرئيس جو بايدن قد صرح قبل يوم واحد فقط بأنّ زعيم الكرملين فلاديمير بوتين "كان مُعتمِداً، منذ البداية، على حقيقة أنّه، بطريقة ما، سينقسِم حلف الناتو ومجموعة السبع، لكننا لمْ ولنْ نفعل ذلك".
وفي هذا السياق، يأمل زعيم البيت الأبيض أنْ يستغِلّ رحلته إلى أوروبا لتعضيد وحدة التحالف الغربي ضد موسكو، في وقت تخشى فيه كل من واشنطن وكييف من أنّ التحالف سوف يستهلك نفسه بسبب طول الحرب واستمرار الآثار الاقتصادية السلبية على الصعيد العالمي.
وعلى ذات النسق سرد مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية تحدّث لوكالة (أسوشيتد برس) تفاصيل المحادثات الخاصة التي أجراها زعماء مجموعة السبع، وقال طالباً عدم الكشف عن هويته "إنّ الولايات المتحدة وأوروبا متوائمتان مع أهداف إنهاء تفاوضي للصراع، على الرغم من أنّ أدوارهما تبدو مختلفة في بعض الأحيان".
وفي الذاكرة أنّ المستشار الألماني شولتز والرئيس الفرنسي ماكرون سعيا من جهتهما لتسهيل ذلك في محادثات نشِطة مع الرئيسين الروسي بوتين والأوكراني زيلينسكي، مع إعلان عزمها توفير أسلحة لأوكرانيا. وفي الوقت نفسه، أوقفت الولايات المتحدة إلى حد كبير المحادثات المُهِمّة مع روسيا وتسعى إلى تعزيز قدرة أوكرانيا في ساحة المعركة قدر الإمكان، بحيث يصبح موقف كييف المحتمل على طاولة المفاوضات أقوى.
ويرى مراقبون، أنّ استمرار العقوبات القاسية المفروضة على روسيا تعتمِد في نهاية المطاف على قُدرة مجموعة السبع والقادة الحفاء الآخرين على تحديد طُرق للتخفيف من مشاكل إمدادات الطاقة لبلادهم ووقف اندفاع تصاعد الأسعار ثم خفضها مع اقتراب فصل الشتاء في ظلّ الانفصال عن مصادر الطاقة الروسية.

* برلين تطرح "خطة مارشال" لأوكرانيا:
وفي إشارة إلى الخطة التي رعتها الولايات المتحدة لإنعاش الاقتصادات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، قال المستشار شولتز الأسبوع الماضي إنّه يريد أنْ يناقش مع نظرائه في مجموعة السبع خطوطاً عريضة عن "خطة مارشال لأوكرانيا".
وفي السياق الذي لا تزال فيه الحرب مستمرة والدمار يتزايد يوماً بعد يوم، فمن غير المرجح أنْ يتِمّ تفصيل مثل هذه الخطة في هذه المرحلة، وقد صرح شولتز أن "إعادة إعمار أوكرانيا ستكون من مهام أجيال".
وبالفعل تعهدت مجموعة السبع بالمساعدة في تمويل احتياجات أوكرانيا العاجلة، وفي الشهر الماضي وافق وزراء مالية المجموعة على تقديم 19.8 مليار دولار لمساعدة كييف في الحفاظ على تشغيل الخدمات الأساسية، دون أنْ تضطر السُلطات الأوكرانية إلى استِخدام مبالغ من أموال الدفاع.

* مدافع G7 من جبال الألب على موسكو:
لا يختلف المراقبون في أنّ زعماء أغنى دول العالم في مجموعة السبع، الذين اجتمعوا في قلعة في جبال الألب البافارية، صعّدوا العقوبات ضد نظام بوتين، معلنين أيضاً فرض حظر على واردات الذهب من روسيا.
وسيحرم هذا الإجراء موسكو من عائد سنوي قدره 19 مليار دولار، مِمّا قد يقلِّل بشكل كبير من القوة التمويلية لآلة الحرب المُنْخَرِطة في العدوان على أوكرانيا. الجدير بالذكر أنّ القرار الذي روجت له الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا العظمى واليابان خلال مجموعة الـ 7، والذي كان متوقعاً قبل أيام قليلة، قد تسبب بالفعل يوم الجمعة 24 يونيو الجاري، في زيادة أسعار الذهب 3.5%، ووصلت الأوقية (31.1 جراماً) إلى 1826.5 دولار، واستمرّ السِعر في الارتفاع، ووصل إلى 1841.2 دولار للأوقية. ووسط الركود العالمي الناجم عن جائحة كوفيد وارتفاع التضخم، من المتوقع أن يصل الذهب إلى الرقم القياسي التاريخي لسعره في 3 أغسطس 2020، حينما بلغت قيمة الأوقية 2033 دولاراً.
وبهذا يتِمّ إضفاء طابع رسمي على موجة جديدة من العقوبات ضد روسيا استجابة لدعوة رئيس الوزراء البريطاني للقادة الآخرين المجتمعين على طاولة الأثرياء "لاستعراض عضلات صدورهم" أمام بوتين، وجرى الاتفاق على الإجراء الذي يحظر استيراد الذهب الروسي.
وفي تقدير الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الولايات المتحدة تسببت في تكاليف غير مسبوقة لروسيا للحدِّ من الإيرادات التي تحتاجها لتمويل الحرب ضد أوكرانيا. ويقدِّر بوريس جونسون أن الحظر المفروض على واردات الذهب "سيضرّ مباشرة بحُكم الاولغارشية الروسية ويهاجم قلب آلة بوتين الحربية". وينظُر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين إلى العقوبة الجديدة على أنّها ستحرِم إيرادات روسيا من 19 مليار دولار. فمن أين لرئيس الدبلوماسية الأمريكية هذا الرقم؟

* 2000 طن احتياطي روسيا من الذهب:
يتوافق الرقم الذي أعلنه أنتوني بلينكين مع صادرات الذهب الروسية في عام 2020، علماً بأنّ 90% منها تمّت عبر سوق لندن، المركز العالمي لتجارة المعدن الأصفر. وفي السنوات الأخيرة، جلبت عائدات بيع الذهب في السوق الدولية لروسيا ما بين 10 و20 مليار دولار سنوياً، وفي العام الماضي بلغت الصادرات 15 مليار يورو. ومع ذلك يمثل الذهب 5% فقط من جُملة الصادرات الروسية، أي أقل بكثير من النفط والغاز وهما المنتجان الرئيسيان اللذان يوفران الجزء الأكبر من عائدات التجارة الخارجية لروسيا الاتحادية. ويحجم بنك روسيا عن البيع من احتياطي الذهب، مِمّا يضمن استقرار الروبل ويزيد من ثقة السكان في العملة الوطنية، حتّى لو تمّ الحفاظ على سعر الصرف بجهد كبير. وعلينا ألّا ننسى أنّه بعد الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، عزّز البنك المركزي الروسي استمرار سياسة تنويع الاحتياطيات، من خلال "التخلص من الدولار" لصالح الذهب.

* سرّية مخزون الذهب لمقابلة العقوبات:
في بداية عام 2022، كان الذهب يمثل 21.5% من الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي الروسي، أي ضِعف تلك الموجودة بالعملة الأمريكية التي مثّلت 10.9%. ووفقاً لمجلس الذهب العالمي (WGC)، يمتلك البنك المركزي الروسي أكثر من 2000 طن من الذهب، أي ما يعادل 140 مليار دولار، مِمّا يجعله يحْتلّ المرتبة الخامسة في العالم من حيث الاحتياطيات. وللمقارنة، يبلغ احتياطي البنك الوطني الروماني من الذهب 103.6 طن، أي ما يعادل 5.741 مليار يورو، بأسعار السوق الدولية نهاية مايو الماضي، علماً بأنّ الاحتياطيات الدولية لرومانيا - العملات الأجنبية بالإضافة إلى الذهب - تبلغ 46.661 مليار يورو فقط.
هذا وانتقلت روسيا إلى فرض قيود على البيانات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي في المجالات الاستراتيجية. ومُنذ مايو الماضي قرّرت وزارة الطاقة منع الوصول إلى المعلومات الخاصة بالإنتاج الشهري للنفط والغاز، ومُنِعت العديد من الشركات الكبرى من نشر بياناتها المالية. وفي الآونة الأخيرة، جرى وضع المعلومات حول الاحتياطيات الدولية من العملات الأجنبية والذهب، والتي ينشرها بنك روسيا الوطني أسبوعياً، تحت فئة أسرار الدولة.
سمح تنويع الموارد المالية لروسيا ومخزون الاحتياطيات بالحدِّ من تأثير العقوبات، كما أنّ استمرار إمداد الاقتصاد بعائدات تصدير النفط والغاز لمْ يجبر روسيا على بيع احتياطياتها من الذهب، ومع ذلك قد يتغيّر الوضع حيث تشكِّل العقوبات كُتلة حرِجة للاقتصاد الروسي.
في عام 2021، كانت روسيا ثاني أكبر مُنْتِج للذهب في العالم بعد الصين وقبل أستراليا، حيث استخرجت 331 طناً. ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة البريطانية "إنّ الشركات الروسية لاعب رئيسي في سوق الذهب في لندن ومنع وصولها إلى العمليات التجارية في هذا المركز المالي المُهِم، سيكون له تأثير كبير على قدرة بوتين على جمع الموارد، وبالتالي يضيّق أيضاً على النُخب الروسية التي استخدمت الذهب للتحايل على العقوبات الغربية عليها".
الجدير بالملاحظة أنّ الصحيفة الاقتصادية الفرنسية "لا تريبيون" تؤكد أنّ إجراءات حظر واردات الذهب من روسيا، التي أعلنتها مجموعة السبع، لا تستهدف الذهب المشمول بالعقود قبل فرض الحظر، وإنّما المعدن المستخرج حديثًاً فقط، فهل ستكون آثار الحظر محدودة؟
على الصعيد العالمي، لا يزال فرض حظر صارِم على الذهب الروسي أمراً غير مؤكد جدواه أو حتّى حدوثه برغم إعلانه. في عام 2021، كانت سويسرا أكبر مستورِد للذهب في العالم، بقيمة 92 مليار دولار، حيث جذبت ربع الكمية العالمية المتداولة. الدول المستوردة الرئيسية الأخرى هي الهند، بمبلغ 55.8 والمملكة المتحدة 53.7 والصين 43.7 مليار دولار، وتشرح الحالة السويسرية موقف المستوردين الرئيسيين، حيث تلقت 3 أطنان من الذهب من روسيا في مايو الماضي. وقال المكتب الفدرالي للجمارك وأمن الحدود إنّ "واردات الذهب من روسيا ليست محظورة بموجب المرسوم الذي تم وضعه كتدابير تتعلق بالوضع في أوكرانيا. ولا يتمّ حظر سوى صادرات الذهب لروسيا بموجب نظام العقوبات القائم، ويمكن تداول مخزون الذهب الروسي التاريخي في ودائع البنوك السويسرية، ولا تخضع للحظر غير السبائك الجديدة المُصفاة بعد 7 مارس 2022".

* واشنطن تفتح ملف الصين داخل المجموعة:
وبعيداً عمّا استعرضناه أعلاه من عقوبات على روسيا، هل قرّر قادة مجموعة السبع إعلان حرب اقتصادية على الصين بالتوازي مع مساعيهم لهزيمة روسيا ودحرها؟ وهل ستتحرّك موسكو وبكين وتنفذان ما اتفق عليه فلادمير بوتين وشي جينبينغ في لقائهما الأخير ومحادثاتهما الهاتفية المُعلنة والسرّية ورسائلهما التي تبادلاها مكتوبة أو منقولة شفوية؟
أثبتت التطورات الإقليمية والدولية أنّ واشنطن جذبت موسكو لمستنقع أوكرانيا فدخلته بحسابات الدفاع والتاريخ، فأين ستعارِك بكين؟ هل في تايوان أمْ في محطة ما في طريق الحرير الذي تعبِّده الصين وهي تحسب احتياجات ومستقبل شعب المليار نسمة؟
في غضون خمس سنوات قادمة، ستستثمِر مجموعة السبع 600 مليار دولار، ورُبّما سيتضاعف المبلغ، لمواجهة مشروع طريق الحرير الذي تعبِّده بكين بصبر بالِغ. الشاهد إنّ الكثير من الدول النامية والاقتصادات الناشئة لديها أموال دخلت بها في أعمال تجارية ومشاريع إنتاجية مع الصين الشيوعية - الرأسمالية بطريقتها ومفهومها، وهي حقيقة ثابتة تبني عليها الصين طموحاتها يوماً بعد الآخر، ولذلك لا يمكن أنْ يوافق عليها ويقبلها ويتعايش معها محور واشنطن - لندن وحلفائهما في مجموعة السبع والناتو والشركاء الاستراتيجيين للعاصمتين بين دول الاتحاد الأوربي فضلاً عن الحلفاء الإقليميين في الشرق الأقصى وفي أجزاء أخرى من أنحاء العالم.
وبحسب تقرير كتبه نيكولاس شيزار لصحيفة (ناتسيونال) الرومانية إنّ ما يصل إلى ألف مليار، أي تريليون دولار، ستلقي بها دول المجموعة في تلك اللعبة الجديدة، وفقاً لما ورد في تقارير صحف ووكالات أنباء غربية تناولت قِمّتها التي عُقدت في ألمانيا.

* أمريكا ستأتي بـ 200 مليار:
يدور المشروع الصيني الجديد حول الاستثمار في البلدان النامية، ولكن أيضاً في شركات قوية وكبيرة في الغرب. وتريد مجموعة الـ 7 حظر الصين وحصارها، وفي نفس الوقت عليها أنْ تلتفِت إلى الاحتياجات المحلية، أي طلبات الشركات المدعوة للمشاركة في المشروع الصيني.
كان الرئيس الأمريكي جو بايدن أول مَن تحدّث في اجتماع المجموعة الذي استضافته قلعة شلوس إلماو بجنوب ألمانيا. وكشف بايدن أن الولايات المتحدة ستقدِّم على مدى خمس سنوات 200 مليار دولار في شكل منح وأموال اتحادية واستثمارات خاصة لدعم المشاريع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل التي تساعِد في مكافحة تغير المناخ وتحسين الصحة العالمية والمساواة بين الجنسين والبنية التحتية الرقمية.
بعبارة أخرى، لا تستثمر الولايات المتحدة في تطوير البنية التحتية الحيوية لتلك البلدان، ولكن في المنظمات غير الحكومية التي تمارس ضغط على المجتمعات المحلية والإقليمية للترويج لقيمها، وفي الشركات التي تروج للتغيير الاقتصادي الجذري بسبب تغير المناخ، وفي قطاع تكنولوجيا المعلومات، وحتماً ستصل تلك الأموال إلى الشركات الأمريكية، لأنّها تتعامل مع مثل تلك الأشياء!
وسيأتي مبلغ الـ 200 مليار دولار أمريكي من بنوك التنمية متعدِّدة الأطراف، والمؤسسات المالية التنموية وصناديق الثروة السيادية، وحتّى تكون الرسالة واضحة، أصرّ الرئيس بايدن على أنّه "استثمار سيحقِّق الكثير من العوائد وللجميع"، وشدّد قائلاً "أريد أنْ يكون الأمر واضحاً، فهذه ليست مُساعدة أو صدقة!".

* الأوروبيون مع واشنطن يتنمّرون على طريق الحرير:
طالما قرّر الأمريكيون وضع 200 مليار في اللعبة الجديدة لكسر الصين، لنْ يسمح الأوروبيون لأنفسهم بأنْ يكونوا أقلّ منهم، وعليه مُستعدون لاستثمار 300 مليار. ولا يعرف حتى تشارلز ميشيل رئيس المجلس الأوروبي الذي شارك في الاجتماع، كيف وماذا يقول، فيما أزمة الطاقة وحدها، ناهيك عن الأزمات الأخرى، "كشفت" بأنّ الاتحاد الأوروبي جالس في كل المحافل بالملابس الداخلية، كما كتبت صحيفة أوربية عريقة.
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين أن أوروبا ستعبئ أكثر من 300 مليار يورو لإحداث التوازن المطلوب مع المشروع الضخم "الحزام والطريق" الذي طورته الصين منذ عام 2013، مع تِكرار التذكير بأنّ "طريق الحرير" مُخطّط استثماري تشارك بكين من خلاله في تطوير أكثر من 100 دولة ويهدف لإنشاء نُسخة حديثة لطريق التجارة القديم من آسيا إلى أوروبا.

* هل أصبحت الصين محض فزّاعة؟:
مُستفيدة من حقيقة أنّ بكين أصبحت فزّاعة، تسعى العديد من الدول إلى تسييل هذا التهديد الذي تشكله الصين، والأمر يشبه إلى حدِّ كبير الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يتم استخدام ذريعة الصِراع المُحتمل مع الصين لزيادة ميزانية البنتاغون. ومن خزينة وزارة الدفاع يتدفّق المال إلى حسابات الصِناعة العسكرية الأمريكية القوية! ومن حيث معدلات التضخم المتغيّرة، فإنّ الإنفاق الدفاعي الأمريكي أعلى اليوم مِمّا كان عليه في أي وقت خلال الحرب الباردة، وأعلى مِمّا كان عليه في عام 1969 عندما كان للولايات المتحدة نصف مليون جندي في فيتنام!
ومع ذلك، صناعة الأسلحة لا تزال غير سعيدة، وتسعى جاهِدة للحصول على المزيد من الأموال. وتستنِد مطالب زيادة الإنفاق العسكري إلى حدِّ كبير على الخطر الذي تمثله الصين والحاجة إلى الاستثمار في وقف الهيمنة الصينية العالمية.

isammahgoub@gmail.com
////////////////////////

 

آراء