اليسار … وفن الخدمة المجانية

 


 

 

 

لعل أبرز المحطات التي شهدناها في القرن المنصرم هي أفول نجم الاتحاد السوفيتي الدولة الشيوعية الأولى في العالم، وقد ظن الكثيرون أن سقوط قلعة من قلاع الالحاد، كما تصفها الجماعات الإسلامية، هو في حد ذاته انتصاراً كبيراً، لكن تسلسل الأحداث أثبت فيما بعد أن وجود هذه القلعة الإلحادية كان (نعمة) وليس نقمة، فما هي إلا سنوات حتى بدأ الحصاد المر وظهرت ثمار غياب القلعة للعيان، إذ دخلت عدة دول في فوضى تامة بسبب ازدياد شراسة الإمبريالية الأميركية والقوى الغربية الأخرى، وقد خلا لها الجو تماما فباضت وغردت. 

غزيت دولتا افغانستان والعراق، وسادت الفوضى الصومال، وارتكبت المجازر في رواندا والبوسنة والهرسك وغزة، واضمحلت القضية الفلسطينية وسقطت في قاع الخلافات التي تزكيها الأيادي الغربية، وتحول مجلس الأمن إلى أداة لتمرير القرارات التي تخدم أجندة الدول الكبرى، وأضيفت إليه أدوات أخرى مثل المحكمة الجنائية الدولية، لتعمل جميعها جنبا إلى جنب مع أدوات السيطرة القديمة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

انتهجت القوى الغربية سياسة نشر الفوضى والتي ابتدعوا لها اسما هو (الفوضى الخلاقة)، فهي فوضي تدمر وتهدم اسس المجتمعات المعادية ثم تعيد خلقها وفقا للمعايير الغربية، أما أدوات الفوضى الخلاقة فهي الخيار العسكري مع إثارة النعرات العرقية والمذهبية في بلدان العالم الثالث، وتشجيع المجموعات المتمردة على التمرد، واختلاق الكثير من المشاكل الحدودية بين عدة دول وإفهام كل طرف أن منطقة النزاع بينهما هي منطقة استراتيجية مليئة بالغاز والنفط والذهب، ففي السودان على سبيل المثال ظلت اذاعة بي بي سي تبشرنا على الدوام أن مثلث حلايب غني بالنفط ، ولا يعني خلوه من النفط الطعن في سيادة البلاد عليه، وكذلك كان ديدنهم في النزاع على منطقة ابيي.
الهدف الواضح من كل ذلك هو تكريس الهيمنة الغربية عسكرياً، واقتصادياً، وثقافياً، وهي هيمنة تهدف في الأساس لخدمة رفاهية الإنسان الغربي على حساب مواطني بقية العالم. وذلك حتى يضمن المواطن الغربي استمرار تدفق النفط والمعادن والماس والذهب والمواد الخام وغيرها مما يحتاجه بأرخص الأثمان، بينما يقوم بتصدير ما ينتجه من هذه المواد للشعوب الفقيرة بباهظ الأثمان.
هذا المشروع الغربي ليس جديداً، كل ما في الأمر أنه حين تبلى شعاراته التي يستظل بها وتنكشف سوءاتها يقوم بتغييرها بصورة ثعبانية من حين لآخر، وعنصر الذكاء فيه مستمد من غباء الآخرين. فالشعارات المرفوعة الآن هي الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية ومكافحة الإرهاب، بينما كان الشعار في الماضي هو (عبء الرجل الابيض)، ذلك الكائن الأسطوري الذي بذل جهداً ضخماً لنقل البشرية المتخلفة في افريقيا وآسيا الى الحضارة، وما نال مقابل ذلك سوى قليل من الماس والقطن والشاي والمطاط وغيرها من ثروات؛ ما كانت لترى النور ابداً لو أنها تركت لأولئك الهمج المتخلفين من الأفارقة والآسيويين.
وفيما ما مضي وقبل ان يستيقظ ضميره – هذا بافتراض أن ذلك قد حدث – قام الرجل الأبيض بشحن ملايين قليلة من الأفارقة لمزارع القطن والقصب في العالم الجديد، مع الوضع في الاعتبار أن كونهم عبيداً وما لاقوه من معاناة، لا يعتبر شيئاً يستحق الذكر مقابل الخير العميم الذي أصابهم، فقد وجدت أرواحهم الخلاص على يد يسوع بعد أن كانوا في ضلال مبين، كما أن ذريتهم ترتع الآن في بحبوحة من العيش في كنف أبناء اسيادهم البيض مستظلة بالديمقراطية، وأصاب هذه الذرية من الرخاء ما جعل عضلات الذكور تنفتل وأرداف الاناث تكتنز، بينما بقى أقرانهم في أفريقيا، من لم يسعفهم الحظ بنعمة العبودية، ضحايا للملاريا والفقر والجهل والتخلف والحروب وعظام أضلاعهم يمكن حسابها على بعد كيلومتر.
حين سقط هذا المشروع الامبريالي التوسعي، أو هكذا يبدو لنا، بفضل حركات التحرر و المقاومة في أفريقيا وآسيا، خرج المستعمر الأبيض ظاهرياً من مستعمراته، لكنه خلف وراءه جنوداً يعرفهم قام بتربيتهم على يده، وخلف أيضا جنوداً لا يعرفهم وما قام بتربية واحد منهم، كانوا بالأمس ألد أعدائه وهم يخدمونه اليوم مجاناً، ولا يرجون منه أن تكون الحسنة بعشرة امثالها، ويعبدون شعاراته الماكرة مثل دعم الديمقراطية، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، ومكافحة الارهاب، إلى آخر تلك الشعارات التي ثبت أنها تمارس بانتقائية وانتهازية لخدمة المصلحة الغربية أولا وأخيرا وليس لخدمة المبدأ السامي الذي يمثله هذا الشعار أو ذاك.
هذه المقدمة الطويلة لابد منها لمحاولة فهم مواقف اليسار عامة، وفي السودان خاصة، من الشعارات الغربية التي يستخدمها الغرب ساتراً لصرف الأنظار عن أهدافه الحقيقية.
لقد استفادت القوى الإمبريالية من التناقض الجذري بين القوى الإسلامية - وهي خليط بين التطرف والاعتدال - وبين القوى اليسارية وتنطبق عليها أيضا وصفة التطرف الاعتدال، فقد تمكنت الامبريالية من تفتيت الدولة الشيوعية الكبرى الاتحاد السوفيتي، مستعينة في سبيل ذلك وتحديدا في افغانستان بجماعات إسلامية.
كان مدخل الإمبريالية لقلوب تلك القوى الإسلامية هو موضوع إلغاء الأنظمة للشيوعية للدين، وصورت لهم أن الصراع يدور بين أهل الكتب المقدسة من جهة، وبين ملحدين من جهة اخرى، ولم تُقصر في نشر صور المصاحف يُلقى بها في المراحيض أو تُدنس بشتى الصور، فكانت هزيمة الإتحاد السوفيتي عسكرياً على يد تلك الجماعات في افغانستان، وكانت هزيمة نكراء عجلت بسقوطه.
لما انهت القوى الإمبريالية مهمة تفكيك الاتحاد السوفيتي، عاد الغرب ليكبح جماح القوى الاسلامية الصاعدة المنتشية بالنصر، ثم أخذ في تجميع شراذم اليسار وإقناعها بأن المعركة الجديدة ستكون بين جماعات ظلامية متطرفة متخلفة، منغلقة الذهن تهين المرأة ولا تقيم وزناً لحقوق الإنسان وترفس الديمقراطية، وتدمر آثار الحضارة الإنسانية كما فعل المتطرفون في افغانستان، وبين فكر مستنير متحرر يعلي من شأن العقل والفنون ويحترم المرأة ويساوي بين البشر في الحقوق والواجبات، وغير ذلك مما يغازلون به العقل اليساري.
كان أكثر ما يثير الدهشة هو أن القوى اليسارية بوعي أو بدون وعي، بقصد أو بدون قصد، ابتلعت هذا الطعم الجذاب، وأخذت تخدم خدمات مجانية للمشروع الإمبريالي ولشعاراته بصورة لم يحلم بها أكثر منظريه تفاؤلاً، وأخذت تساعده في إكمال عمليات الاحتيال والنصب والتفتيت والتجزئة للشعوب، ولم يعد اليسار هو اليسار الذي عهدناه في خمسينات وستينات القرن الماضي، داعيا إلى التحرر من التسلط والهيمنة وعدوا لدوداً للإمبريالية، بل اصبحنا نرى أفراده مجرد (شيالين) في الكورس الامبريالي ويؤدون مقطوعاته بحماس يحسدون عليه.
وحتى نكون أكثر تحديداً سنستعين هنا بفقرة جاءت في مشروع برنامج الجزب الشيوعي السوداني الخامس يستدل منها أن إدراك قوى اليسار في السودان لهذه الحقائق أمر قائم، لكن ما يحير هو أن التعامل معها يحدث بأسلوب انتهازي يطوع المبادئ التي اعتنقوها لسلطان القوة المادية الغاشمة التي يمثلها الغرب.
جاء في الفقرة المشار إليها ما يلي:
(انفردت الولايات المتحدة بموقع الدولة العظمى، باستراتيجيتها المتمثلة في مواصلة هيمنتها على مصادر الطاقة وعلى حلف شمال الأطلسي وتفوقها العسكري على القارة الأوروبية والعدوان على الشعوب تحت سيف محاربة الإرهاب وشعار " من ليس معنا فهو ضدنا ".)
ونلاحظ في هذه الفقرة وعياً وفهما لأبجديات اللعبة، بل أن الفقرة التالية تذهب إلى مدى أبعد فهي تبشرنا بنجاعة التحليلات الماركسية لمواجهة هذا السطو على خيرات الشعوب وحرية أفرادها، تقول الفقرة:
(ويتأكد يوماً بعد آخر أن ما حققته الرأسمالية من طفرة في تثوير القوى المنتجة وفي إنتاجية العمل، لا يلغي جوهر الرأسمالية في الاستغلال الطبقي، ونهب خيرات الشعوب وتهديد السلام العالمي، ولا يلغي استنتاجات الماركسية الأساسية، بل يؤكد جدوى الماركسية وفاعلية منهجها ومقولاتها(
لكن الواقع يمد لسانه ساخراً لجدوى الماركسية وفاعلية منهجها ومقولاتها ويحول كل ذلك إلى حبر على ورق وترف فكري مكانه بطون الكتب، إذ أن الوقائع الماثلة تشير إلى أن التعاون مع الامبريالية من قبل يساري السودان قد ذهب مذهباً بعيداً واصبحت بعض مراكز أبحاثهم وأشهرها لا ترى حرجاً في القبض بالدولار من الخزينة الأمريكية لتمويل أعمالها وأبحاثها. والمعروف أن من يمول لا يمول لوجه الله، وأنه لا يخدم أجندة متلقي التمويل بل يخدم أجندته هو، وما متلقي التمويل عنده إلا مغفلاً نافعاً. إذ لا (تكية) في الفكر الإمبريالي. فالتكايا لدى المتصوفة.
وقبل أن تتحول مراكز أبحاث أهل اليسار إلى يتيم على مائدة لئيم، كان واحد من كبار رموزهم وقتها وهو جون قرنق، يركل كل أطروحاته اليسارية وييمم صوب الغرب طالبا الدعم المادي والمعنوي لمواجهة ما اسماه بالأسلمة والتعريب والتهميش، فوجد نصراء له من قبل مجلس الكنائس العالمي والبارونة كوكس ومادلين اولبرايت، وتعامى جمعهم عن قميصه الأحمر، وغفروا له صداقته القديمة مع الماركسي منقستو هيلا ماريام حليف الإتحاد السوفيتي الأول في أفريقيا، والذي منحه القواعد والمأوى.
كان قرنق براغماتيا من الطراز الأول يُغّلب منطق دفتر الحساب على منطق كراسة الأشعار، وعمودي الدائن والمدين افضل لديه من قصيدة عمودية، فسرعان ما خلع قميصه الأحمر ووضع كتاب رأس المال على الرف ونفض الغبار عن الإنجيل، لذا آزرته تلك الفرقة ولمعته، وكان هذا بنفس القدر الذي لم يقصر فيه يساريو السودان في مساندته ومعاونته، وجرت تلك المساندة والمعاونة في صورة نادرة من التناغم الهارموني بين اقصى اليسار واقصى اليمين، واصطفافهم في جبهة واحدة لدعم قضية من القضايا.
سنقدم هنا نماذج أخرى للتعامل اليساري مع بعض القضايا السودانية، يتضح فيها الانسجام الكامل بين اليسار و القوى الامبريالية وأن الامبريالية تستخدمه كمخلب قط لخدمة أهدافها، ومن ذلك:
- قضية البترول في السودان
- قضية تفتيت النسيج الاجتماعي السوداني،
ونبدأ بالبترول، فقد حاولت القوى الغربية ومعها المعارضة الداخلية القائمة حينئذ ضد نظام الإنقاذ - وفي مقدمتها اليسار - وأد استخراج البترول السوداني، وسنستعين هنا بما خطه الباحث د. جعفر كرار أحمد في بحثه القيم التعاون الصيني – السوداني في قطاع النفط، النشأة والتطور.. الفرص والتحديات، دراسة تحليلية، وهو باحث متخصص في الشئون الصينية العربية، يقول الباحث:
(وفي الواقع كانت القوى الداخلية والخارجية تستهين بشكل كبير بقدرة حكومة الخرطوم على استخراج النفط حيث اعتبرت المعارضة الداخلية في السودان أن حديث الحكومة عن استعدادها لاستخراج النفط هو من باب الدعاية السياسية فقط بينما كانت الشركات الغربية الكبرى مثل شيفرون ترى من الصعب أن تنجح حكومة الخرطوم في استخراج النفط في ظل ظروف الحرب في الجنوب والحصار الدولي المفروض على الحكومة.
وعندما أدرك الجميع أن الحكومة السودانية تتجه حقيقة لاستخراج النفط بدأت عدة جهات دولية وإقليمية ومحلية حملة إعلامية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية لعرقلة جهود الحكومة لاستخراج النفط أو وقف تدفقه وقد افتتحت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحملة وذلك عندما أجاز الكنغرس الأمريكي في 3/نوفمبر 1997 قانون سلام السودان حيث حرم الأمر التنفيذي رقم 13067 الشركات والأفراد الأمريكيين من تقديم معاملات أو تسهيلات مالية تساعد السودان على بناء البنية الأساسية الخاصة باستغلال النفط مثل تمويل أو مد أنابيب النفط.
وقد سبق هذا القانون حملة بدأها في عام 1996 عدد من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المسيحية مثل العون المسيحي Christian Aid والبعثة الإنجيلية الأمريكية، ضد صناعة النفط السودانية ومارست ضغوطا على شركات النفط العاملة في السودان للخروج من السودان. حيث تحولت كجزء من هذه الحملة شركة أراكس الكندية التي كانت تعمل آنذاك في السودان إلى موضوع رئيسي في الإعلام الكندي). انتهى الاقتباس.
دارت بعد ذلك عجلة الآلة الإعلامية الغربية لتوجيه الأكاذيب ويستطرد الباحث في هذا الصدد:
(أشارت تقارير أمريكية وغربية أخرى إلى أن هناك أكثر من 40 ألف جندي صيني يقاتلون قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، ونقلت صحيفة الشرق القطرية عن صحيفة الديلي تلغراف قولها" أن الخرطوم أصبحت بوابة الجيش الأحمر للقارة السمراء وأن ما يحدث هناك هو اتفاق بين الشيوعية والتطرف الديني".
وفي سياق آخر من البحث جاء فيه:
(ومع تصاعد الحملة الغربية ضد الاستثمارات النفطية في السودان خصصت صحيفة انترناشوينال هيرالد تربيون الصادرة في 17-18 مارس 2001 افتتاحيتها للاستثمارات النفطية في السودان وذكّرت افتتاحية الصحيفة هذه الشركات "بحرق القرى في جنوب السودان لفتح الطريق أمام الشركات، مشيرة إلى إزالة قرية Chotyiel من الوجود بعد أن تم قصفها بطائرات الهيلوكوبتر المزودة برشاشات". ودعت الصحيفة إلى منع الشركات التي تعمل في السودان من تسجيل أصولها في البورصة الأمريكية) انتهى الاقتباس. .
هذه بعض المواقف الامبريالية من قضية النفط في السودان، وهنا يفترض من القوى اليسارية التي تدعو إلى التحرر من الهيمنة الغربية؛ أن يكون لها موقف مختلف عن الموقف الإمبريالي الذي يسعى لخدمة مصالحه، موقف توازن فيه هذه القوى التحررية بين عدائها للجماعات الاسلامية من جهة، ومواقفها المبدئية الرافضة للهيمنة الغربية وحق الشعوب في التحرر والاستفادة من ثرواتها من جهة أخرى، لكن هذا التوازن لم يحدث.
يقول الباحث:
( إلا أن موقف المعارضة السودانية بشقيها الشمالي والجنوبي لم يكن مختلفا عن الموقف المصري آنذاك، فالمعارضة الشمالية وعلى رأسها التجمع الوطني الديمقراطي التي وما أن أدركت أن حديث الحكومة حول استخراج النفط ليس للدعاية السياسية، وأن زمان تصدير النفط قد اقترب حتى بدأت حملة إعلامية ودبلوماسية واسعة ضد الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع فأصدر التجمع في يونيو 1997 ومارس 1998 على التوالي عددا من التحذيرات ضد الدول والشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط معتبرها أهدافاً عسكرية مشروعه. كما اعتبر الدول التي تدعم حكومة الخرطوم ماليا وعسكريا شريكة في الحرب على شعب السودان وذلك في إشارة واضحة للصين. بل ذهب التجمع أكثر ليعلن أنه " لن يعترف بالاتفاقيات التي تبرمها هذه الدول والشركات مع النظام الحالي.
وقد حاول فاروق أبو عيسى أحد قيادات التجمع أن يقدم تفسيراً لموقف التجمع من الاستثمارات الدولية في قطاع النفط فأشار في حديث لمجلة المجلة إلى " أن من الطبيعي أن يسعى التجمع لإعاقة مشاريع نظام الجبهة الإسلامية لأن هذه المشاريع تهدف بالدرجة الأولى لتثبيت أركان النظام وتقوية آلياته وأجهزته القمعية لقهر الشعب. هذا وقد اتبع التجمع أقواله بالفعل في سبتمبر 1999 عندما أعلن عبد الرحمن سعيد المتحدث باسم القيادة العسكرية للتجمع أن قوات تابعة للتجمع قد فجرت خط أنابيب النفط بالقرب من مدينة عطبرة في شمال السودان. وقد استمر التجمع ينتقد وإلى وقت قريب دور الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط..
الحركة الشعبية لتحرير السودان اعتبرت هي الأخرى آبار ومنشآت النفط أهدافاً عسكرية بل اعتبرت أن وقف إنتاج النفط من أهم شروط وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات بينها والحكومة للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع وبالفعل دارت عدة معارك في مناطق بالقرب من منشآت النفط. وكان المتحدث باسم الحركة الشعبية ياسر عرمان قد أعلن في يونيو 2000 أن اندلاع المعارك أرغم الحكومة على إغلاق ستة آبار نفط في منطقة هجليج " وقال بيان الحركة آنذاك" إن إغلاق هذه الآبار يشكل بداية النهاية لأكبر عملية تبذير للموارد لأصولها في البورصات الأجنبية وبيع أسهمها لمساهمين في الولايات. ( انتهى الاقتباس.
عند صدور العقوبات الأمريكية على السودان في 2007 اصدرت سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بيانا بتاريخ 4 يونيو 2007 جاء فيه:
( الأثر السلبي لهذه العقوبات ستتسع دائرته في حالة نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في إقناع الاتحاد الأوروبي للانضمام إليها. وسيكون هذا الأثر أكثر اتساعاً في حالة تبني مجلس الأمن لهذه العقوبات. ويصبح الحصول على التكنولوجيا المتطورة من المصادر الأمريكية والأوروبية متعذراً ومن ثم توجه البلاد للاعتماد على التكنولوجيا الأقل تطوراً كالتكنولوجيا الصينية فيتضرر كل الاقتصاد الوطني وعلى وجه خاص قطاع النفط. ظاهرة النضوب السريع لبعض آبار البترول هي من أحد جوانبها ناتجة من استخدام التكنولوجيا الصينية غير المتطورة تعمل على تخريب آبار النفط وتهدد مستقبل تطور هذا القطاع(.
من الطريف في هذا البيان ملاحظة أن الحزب الشيوعي السوداني اصبح من المروجين للتكنولوجيا الرأسمالية وينصح بضرورة استخدامها، وفي نفس الوقت يقلل من قدر التكنولوجيا الواردة من دولة شيوعية، والسؤال هو: طالما أن التكنولوجيا الرأسمالية بهذا الجمال والكفاءة وفي المقابل تبدو التكنولوجيا الشيوعية رديئة، لماذا الإصرار على السير في طريق الشيوعية ونبذ طريق التطور الرأسمالي؟
قدمنا فيما سبق قصة النفط نموذجاً لاختلال موازين اليسار، أما نموذج الاختلال الثاني فهو ركوب القوى اليسارية موجات تمزيق النسيج الاجتماعي في السودان، ويشمل ذلك كل ما يوصف في أدبيات اليسار (بالمسكوت عنه)، ويجرى النبش في هذه الأمور على مستويات عدة:
المستوى الاجتماعي:
ويهدف النبش هنا إلى ضرب العلاقات الانسانية بين افراد المجتمع وفتق ما التأم من جراحها، ومن احب الميادين إليهم في هذا الشأن (ميدان) قضية (الرق)، ومن اشهر الكتب التي نشرت بخصوصه كتابين هما: (مذبحة الضعين – الرق في السودان ومؤلفاه هما سليمان بلدو وعشاري أحمد محمود، والكتاب الآخر هو علاقات الرق في المجتمع السوداني ومؤلفه محمد إبراهيم نقد.
المستوى الجغرافي:
ويجري إدارة هذا المستوى بإثارة قضية المركز ضد الهامش وإخراجها عن سياقها وجعلها قضية عرقية من خلال الزعم بان المركز خاضع لسيطرة اعراق معينة تستنزف انسان الهامش وتجعله مجرد اداة لخدمة مصالحها، وعمدة اليسار الأساس في هذا الشأن كتاب السودان / حروب الموارد والهوية ومؤلفه هو د. محمد سليمان محمد دار كامبردج للنشر - المملكة المتحدة. و هنا تلخيص الأستاذ محمد الحافظ حامد عبد الله الوارد بموقع (اركماني) للكتاب وفيه:
(تطرق الكاتب في جوانب كثيرة لاختلالات الهيكلية بين المركز والهامش فيما يتعلق بتوزيع السلطة والثروة والظلامات التاريخية لأهل الهامش وفقاً للمحاور التالية:
أ - الخلل الهيكلي في توزيع الثروة والسلطة.
ب - انعدام التنمية الشاملة والخدمات في هذه المناطق.
ج - هيمنة نخب المركز على مقدرات وموارد السودان.
د - الأخطاء التاريخية ومحاولة نخب المركز فرض ثقافة أحادية لمناطق تمايز ثقافي.
ه - غياب طرح حلول دائمة قائمة على أسس العدالة والحرية والديمقراطية).
المستوى الثقافي:
ويجري النبش هنا بإثارة قضية الهوية العربية كنقيض للهوية الأفريقية، وفي هذا السياق تُستخدم شماعة التخويف من الأسلمة والتعريب لإثارة هواجس المجموعات العرقية المختلفة؛ حيث يزعم اليسار أن الأسلمة والتعريب سيقضيان على ثقافة هذه المجموعات السكانية وحضارتها وتراثها .
فقد أورد خالد فضل في صحيفة أجراس الحرية بتاريخ الأحد 23-05-2010 بعنوان الاستفتاء.. تقرير المصير.. استقلال جنوب السودان: جدل الموارد والهوية ما يلي:
(يرد د. منصور خالد، المفكر والقيادي البارز في صفوف الحركة الشعبية بالقول: (والعنصرية هذه صفة يلصقها أهل الشمال بكل صاحب حق يناهض للمطالبة بحقه من عناصر السودان غير العربية وكلها إما حقوق سياسية أو اقتصادية لا شأن لها بالأصل العرقي أو المنبت. وفيما يبدو فإن العنجهية العرقية عند بعض أهل الشمال لم ينج منها حتى الذين ينتسبون منهم للصحوة الإسلامية، علماً بأن الإسلام دين لا يتفاضل عربه على عجمه إلا بالتقوى).
ويقول الكاتب خالد فضل في سياق آخر :
(بل في الواقع يكتشف أي مراقب عادي، أنّ مسألة الهوية السودانية لم يتم الوصول إلى صيغة توافقية حولها منذ مهد بناء الدولة الوطنية المستقلة في منتصف القرن الماضي، إذ بدأ بناء تلك الدولة على خلفية أن الهوية الوطنية هي الهوية ذات الملامح العربية الإسلامية دون أدنى اعتبار لحقيقة التكوين التعددي للمجموعات السودانية، وقد تجلى ذلك ضمن سياقات عديدة وعلى مرّ عهود الدولة الوطنية، خاصة في العهود ذات الطبيعة العسكرية والشمولية، فقد تم منع تداول اللغة النوبية بين الأطفال في المدارس في الشمال الأقصى، وتم إرغام الأطفال في بعض مناطق جنوب السودان على تغيير أسمائهم ودياناتهم حتى يتسنى لهم الالتحاق بالتعليم الحكومي النظامي).
علينا أن نلاحظ ما ذكره الكاتب عن مسألة منع تداول اللغة النوبية، ولا ندري متى حدث ذلك، وهي محاولة لإثارة النوبيين.
مستوى التضاد بين المصالح القومية والمصالح الخاصة:
يجرى العزف على وتر التضاد بين مصالح مجموعات سكانية معينة والمصلحة القومية الكبرى بصفة لا تخلو من تواتر بين مثقفي اليسار، بأسلوب تخويف هذه المجموعات من الآثار المترتبة على قيام بعض المشاريع القومية وتحريضها على مناهضة قيام تلك المشاريع. ومن ضمن ذلك حملة التشكيك التي قامت عند إنشاء سد مروى.
ونحن نختم هذا المقال لا شك لدينا بأن سعادة القوى الغربية بهذا العمل الدؤوب من قبل قوى اليسار لا توصف، فالإمبريالية تجني الثمار دون ان تفرز نقطة عرق واحدة، فخيول اليسار تجقلب والشكر لحماد، وكما قال معاوية بن ابي سفيان حين بلغه موت مالك بن الأشتر النخعي: (أن لله جنوداً من عسل) في اشارة لشبهة اغتيال، لذا فإن الإمبريالية تقول لنا اليوم ونحن نشاهد ثمار أفعال اليسار (إن لليمين جنوداً من يسار) ولله درهم من جنود.

nakhla@hotmail.com

 

آراء