اموال الحركة.. مافيها بركة

بقلم/ الريح الريح علي الريح
للاسف، لا اكتب عن حادثة سطو او عن مسلحين يقتحمون منزل بحي أركويت شرق الخرطوم ليلا، بغرض سرقة سيارة وبعد إنكشاف أمرهم هددوا أصحاب المنزل! لا ليست حادثة سطو ليلي او اختلاس من بنك او خيانة امانة في شركة كبرى, إنما عن اموال سودانية “سايبة”
نجد في إسطنبول والدوحة والقاهرة ودبي وبورتسودان ونيالا وفي كثير من العواصم الاوربية والعربية، يجلس عدد من قيادات جماعة الحركة الاسلامية الإرهابية فى شقق فاخرة وفنادق فارهة والحديث بينهم لايكون إلا عن جهدهم في استمرار الحرب وجمع المال لذلك فهم لاهم، إلا لغة الموت والارهاب وجمع الأموال. هكذا هم متسولين في العواصم ويفعلون جهاد الفنادق لا عمل لهم ولا شاغل الا الكيد للبلاد.
لا لم تكفيهم الأموال التي نهبت من البلاد ومن غيرها بحجة الاسلام والتي صُرفت فى مشروعات تخدم التنظيم الارهابي؟ اموالهم لاتجمع للمحتاجين والملهوفين ولا تصرف الا على الارهاب، ليس من ضمنها اموال نفط السودان، والتي تقدر كأقل تقدير بمبلغ 140 مليار دولار هي الثروة التي التهمها الفساد في عهد الفلول. وهي حقوق لاجيال االسودان السابقة واللاحقة هذه الاموال لايستطيعون الوصول اليها حاليا.
نجد اموال البترول ظلت مثار جدل ونقاش وحديث العامة والخاصة ️منذ اللحظة الأولى لتصدير النفط السوداني عام 1999، حيث أصرتّ قيادة المؤتمر الوطني على أن تظل عقود واتفاقيات النفط سرية بالكامل لا يطلع عليها احد ايا كان. ولم تُعرض هذه العقود على البرلمان، ولم يشملها المراجع العام، ولم تخضع لأي جهاز رقابي مستقل او حتى مراجعة داخلية على اقل تقدير.وهكذا تكون الاموال في عقيدتهم حيث نجدهم ما أن ظهرت اموال البترول، حتى انقسموا في عام 1999م يعني صراعهم مالي واول ما اختلفوا تحدثوا عن اموال طريق الغرب وخلوها مستورة. وظهر الكتاب الاسود. وبعد ان أفسدوا في الارض وبدأت بينهم العداوة والبغض، سريعا عادوا اخوة متحابين ضد إرادة الشعب السوداني في 2019 والآن بعد ان تقطعت بهم السبل قائمة بينهم واحدة من أعنف الحروب التى شهدتها البلاد منذ دخول المستعمر في العام 1899.

نجد خلف الصورة التقليدية التى طالما قدمت الجماعة نفسها من خلالها كحركة احتجاجية تحت راية حسن الترابي تعتمد في تمويلها على الاشتراكات والهبات والتبرعات والمنظمات المشبوهة، ولكن بعد المصالحة مع النميري اصبحت تمتلك شبكة مالية معقدة تبدا من بنك فيصل ولا تنتهي في دانفوديو، وتمتد من الشرق الأوسط وافريقيت وشبكة من الشركات والاستثمارات والمؤسسات التى تعمل أحيانًا فى العلن، وأحيانًا كثيرة فى الظل. ثم بهذا الشكل، تحولت موارد النفط إلى “منطقة محرّمة” في الحسابات القومية مثلها مثل جمعية القرآن الكريم ومنظمة الشهيد ومنظمة الدعوة الاسلامية، وود إستثمارات الجيش والأمن وغيرها من مؤسسات الفلول، حيث لا يعرف الشعب السوداني حجم الإنتاج الحقيقي ولا أين ذهبت عائداته.
اليوم، تبدو الحركة الاسلامية «الإرهابية» أمام مفترق طرق حيث الانقسامات الداخلية أضعفت التنظيم، بينما بجانب آخر نجد تضييق الرقابة الدولية والمحكمة الجنائية على شبكاته المالية، فى الوقت نفسه، ما زالت الجماعة تمتلك خبرة طويلة فى إدارة الأموال عبر الحدود، وهو ما يستوجب حصره وتفكيكه واعادة الاموال المنهوبة الى البلاد.
ومن المفاتيح المهمة في ذلك عوض الجاز وزير النفط ووزير المال الحقيقي الذي لم تشمله قرارات وزعيق ونهيق لجنة تفكيك التمكين التي انشئها البرهان واختار لها ياسر العطا رئيسا ومعه اخرين، طبعا تم تجاهله لأسباب عدة، علما انه احتكر ملف النفط بقراراته المنفردة، وجعل الصادر والوارد وأرقام الإنتاج سرًا لا يطّلع عليه إلا الدائرة الضيقة من قيادات النظام البائد.
نعم ️بقرارات الجاز كانت المليارات تُهرَّب إلى الخارج عبر حسابات معقدة مرتبطة مباشرة بتنظيم الحركة الإسلامية، مصير هذه الأموال ظل مجهولًا: هل في بنوك سويسرا؟ أم ماليزيا؟ أم تركيا ام جزر المالديف؟!

السؤال الذى يجب طرحه الآن هو: هل تستطيع هذه الشبكة المالية البقاء رغم الضغوط؟ أم أن الصراعات الداخلية والرقابة الدولية ستؤدى فى النهاية إلى تفكيكها؟ الإجابة ربما لن تظهر قريبًا.. لكن المؤكد أن قصة المال داخل الحركة الاسلامية لم يعد سرًا كما كانت فى الماضي.. فالكثير من الوثائق والتسريبات والتحقيقات سوف تتكشف تدريجيًا، وربما نكتشف واحدة من أكثر الشبكات المالية إثارة للجدل فى العالم.
المهم تفكيك نظام الإنقاذ في كافة هياكله السياسية والاقتصادية والقانونية، واسترداد هذه الأموال المنهوبة يتطلب ذلك فتح ملفات العقود السرية وكشفها للرأي العام، بما في ذلك عقود الامتياز مع الشركات الأجنبية والمحلية والعمولات والرشاوي التي كانت تدفع للاعوان والمسهلين. ويجب ️تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (ما لم يفعله حمدوك) لتتبع الحسابات الخارجية،ولابد من مطابقة أرقام الإنتاج والصادر بين الحكومة والشركات الأجنبية (كما كشفت منظمة قلوبال ويتنس عن الفروقات الضخمة في 2005 و2007 و2008) وحتى قيام الحرب، ولابد من ارادة شعبية و إرادة سياسية جادة لاعتبار هذه الأموال جزءًا من حقوق الاجيال، وليست ملكًا لحزب أو فئة.

بحسب التقديرات، فإن أكثر من 140 مليار دولار من عائدات النفط خلال عقدين لم تنعكس على التنمية، بل تبخرت في فساد ممنهج وتحويلات سرية. المواطن السوداني لم يرَ من هذه الثروة سوى ارتفاع أسعار الخبز والوقود، وتدهور التعليم والصحة، والضرائب على القيمة المضافة وارتفاع الدولار الجمركي. في حين كان كبار مسؤولي الإنقاذ يشترون العقارات في الخارج ويفتحون الشركات في مختلف دول العالم.

ان الانقسام الذى ظهر داخل القيادة بين جناح احمد هارون وجناح ابراهيم محمود لم يكن مجرد خلاف تنظيمى عابر.. بل سوف يتحول إلى معركة مفتوحة حول السيطرة على موارد مالية ضخمة وشبكة شركات واستثمارات تراكمت عبر عقود.
كان النفط فرصة تاريخية للنهوض بالسودان، لكنه في عهد الإنقاذ تحول إلى لعنة قومية، بفضل سرية العقود وإقصاء المراجعة العامة، صار البترول أداة لتغذية شبكة الفساد والتمكين، لا لبناء المدارس والمستشفيات. المواطن الذي كان يأمل أن ينقله النفط إلى حياة أفضل وجد نفسه أمام خبز ناقص الوزن ومنفوخ ببروميد البوتاسيوم، ووقود متضاعف السعر، وغلاء في الدواء رغم تعدد المعامل والمصانع والشركات وجنيه منهار.

وفى قلب هذه المعركة برزت أسماء قيادات ومن ضمنهم عوض الجاز، الذي من يديه حولت موارد النفط إلى حسابات مظلمة في الخارج. واليوم، فإن كشف تلك العقود وملاحقة الأموال المنهوبة هو الطريق الوحيد لاستعادة سيادة السودان على ثرواته. إلى جانبه عدد من رجال الأعمال والكوادر التنظيمية التى لعبت أدوارًا أساسية فى بناء وإدارة ما يسميه بعض الاقتصاديين «الاقتصاد الموازي» للحركة.
رسم خريطة تلك الشبكة المالية، ورصد الصراع الذى يدور حولها، من القاهرة إلى إسطنبول، ومن لندن إلى أمريكا اللاتينية.. بات ضرورة ملحة لمعرفة مستقبل تنظيم ينهار بسرعة الصاروخ.

وتجدر الاشارة إلى أن الشبكة الاقتصادية المرتبطة بالحركة الاسلامية ممتدة ولاتقف عند اموال البترول تمتد عبر عدة قطاعات..أولها «العقارات» فقد بنت الجماعة استثمارات عقارية كبيرة في السودان وخارج السودان.

وثانى هذه الأنشطة.. شركات تعمل فى الاستيراد والتصدير، خصوصًا فى مجالات المواد الغذائية والمنتجات وتصدير اللحوم وغيرها وقد سهلت عليهم قوانيينهم وجهاز الامن الاقتصادي احتكار كل شيئ.

والثالث هو التعليم الخاص من خلال إنشاء مدارس وجامعات خاصة فى السودان ممكن ان نقول ان جميع القطاع الخاص في التعليم منذ رياض الاطفال وحتى الجامعات تتبع لإتباع الحركة الاسلامية.

والرابع الإعلام، فقد أنشأت الجماعة قنوات فضائية وشركات إنتاج إعلامى كثيرة جدا وتمتلك مواقع الكترونية عديدة.

والخامس هو الخدمات المالية والمصرفية ومن خلال مؤسسات استثمارية وشركات إدارة أصول.. هذا التنوع جعل من الصعب تتبع الشبكة المالية بشكل كامل.
هذا غير المطاحن وشركات الدواء ومجمعات المواد الغذائية وشركات النقل وشركات البترول وممكن نعد للصباح.

وبعد ثورة عام 2019، والتى انتهت بعزل البشير وجماعته شعبيًا ورسميًا.. تحولت مدينة إسطنبول إلى مركز رئيسى لقيادة الجماعة فى الخارج.. هناك ظهرت شبكات إعلامية وشركات إنتاج ومؤسسات تجارية مرتبطة بقيادات التنظيم وشيخهم عبدالحي يوسف والطاهر حسن التوم وحسن اسماعيل وسناء حمد وغيرهم.
أيضًا ربما يتم استخدام شركات الأوف شور كإحدى الأدوات الأكثر استخدامًا وهى شركات يتم تسجيلها فى دول توفر سرية مالية كبيرة مثل جزر الكاريبى بعض الجزر فى المحيط الهادئ..وميزة هذه الشركات أنها تسمح بنقل الأموال دون الكشف الكامل عن المالك الحقيقي.. وبالتالى يصبح من الصعب تتبع الشبكة المالية.

واليوم، بينما تتزايد الضغوط الدولية وتستمر الخلافات داخل القيادة، يبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع هذه الإمبراطورية المالية الاستمرار؟ أم أن الصراعات الداخلية والرقابة الدولية ستقود فى النهاية إلى تفكيكها؟
فعلى مدى عقود، كان المال أحد أهم أسرار قوة جماعة الإخوان.. شبكة واسعة من التبرعات والشركات والاستثمارات مكّنت التنظيم من الاستمرار رغم الضربات السياسية والأمنية.. لكن ربما تحدث المفارقة ويتحول هذا المال نفسه يصبح أحد أكبر مصادر الأزمة داخل الحركة.. فالانقسامات الداخلية من جهة، والضغوط الدولية المتزايدة من جهة أخرى، تضع الشبكة الاقتصادية للتنظيم أمام اختبار صعب.

elryahali@gmail.com

عن الريح علي الريح علي

الريح علي الريح علي

شاهد أيضاً

مع الغد ومع المستقبل

ذكرى يوم 6 ابريل المجيدة تمثل يوم تاريخي للشعب السوداني حيث كانت الملاحم والتوحد في …