تأثير جائحة (كورونا) على عقود العمل .. بقلم: د. مصعب عوض الكريم علي ادريس
6 مايو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
28 زيارة
لا شك أن فيروس كورونا المستجد لم يستثني دولة أو رقعة جغرافية في العالم، لسرعة انتشاره وتمدده في أرجاء البسيطة بسرعة البرق، جراء ذلك قامت أغلب الدول باتخاذ إجراءات احترازية بناء على توصية منظمة الصحة العالمية والمنظمات الاقليمية ذات الصلة، تمثلت هذه الإجراءات في حظر التجول، وتقييد الحركة، واغلاق المحال التجارية، ومنع حركة المرور داخل وخارج المدن. هذه الإجراءات نتج عنها توقف جميع الأعمال في المؤسسات العامة والخاصة ما عدا المؤسسات الصحية وغيرها من الجهات التي يتطلب عملها ان تعمل في هذه الظروف، واصدرت الدولة قراراً بفرض حالة الطوارئ الصحية في جميع انحاء البلاد، وفقاً لأمر الطواري الصادر بهذا الخصوص.
بناء على هذه الاجراءات برزت العديد من الاسئلة الى السطح دون وجود اجابات. من هذه الاسئلة: ما مدى تأثير هذه الجائحة على الالتزامات التعاقدية والتي من بينها (عقود العمل) التي ينظمها قانون العمل لسنة 1997م. وهل تناول قانون العمل لسنة 1997م نظرية الظروف الطارئة؟ وهل تعتبر جائحة كورونا (قوة قاهرة) يحق لصاحب العمل انهاء خدمة العامل بناءعليها؟. بالنظر الى قانون العمل نجد أن المشرع السوداني لم ينص على القوة القاهرة كسبب من الاسباب التي تبيح انهاء العلاقة التعاقدية. وكذلك الحال برزت هذه المشكلة في انظمة قانونية أخرى، وبعض الأنظمة القانونية في بعض الدول، تناولت موضوع القوة القاهرة في قوانين العمل لكن بشكل عرضي دون شرح تفصيلي للظروف التي تعتبر قوة قاهرة .
في هذه الحالة يجب أن تتدخل الدولة باجراء تعديلات على قانون العمل ذلك باضافة مادة او اصدار لائحة تنظيمية لمعالجة هذه الاشكالية، لانه من غير المستحسن أن تظل الدولة مكتوفة الايدي وصامتة عن مثل هذه الامور، لان هذه الظروف تنعكس على جملة الحراك الاقتصادي وتؤثر على التنمية في البلاد، وتؤدي الى عدم استقرار المؤسسات الاقتصادية الخاصة مما ينعكس سلباً على اقتصاد الدولة. هذا غير الدعاوى والقضايا التي ستكون نتاجاً لهذه الازمة واشغال المحاكم بقضايا كثيرة، لو قامت الدولة بمعالجات وقتية تتماشى مع هذه المرحلة لجنبت الجميع هذه المخاطر.
وفقاً للقواعد العامة لنظرية العقد، في العقود الملزمة للطرفين يجوز لأحد الأطراف في حالة استحالة تنفيذ العقد بسبب القوة القاهرة أن يقوم بانهاء العقد، وبالتالي تنقضي التزامات الطرف الآخر تبعا لذلك، حيث أن القوة القاهرة هي كل حادث لا يمكن توقعه ويؤدي في النهاية الى استحالة مطلقة ودائمة لتنفيذ الالتزامات. والحالة الماثلة الان والتي تتمثل في جائحة فايروس كورونا لا تعتبر استحالة دائمة ومطلقة، وانما تؤدي الى صعوبة في تنفيذ الالتزام التعاقدي بين صاحب العمل والعامل وقد تنتهي هذه الظروف في أجل قريب غير محدد.
من المعالجات الوقتية التي يجب على الدولة متمثلة في وزير العمل اصدار قرار وزاري يقضي بتنظيم العلاقة التعاقدية بين صاحب العمل والعامل لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية وفقاً لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وان (الضرر يزال). وبما أن المادة (50) من قانون العمل لم تتناول القوة القاهرة كسبب من الاسباب التي تبيح انهاء عقد العمل، وبما أن الاجر يكون مقابل العمل يجوز باتفاق صاحب العمل والعامل تخفيض الراتب وفقاً لساعات العمل التي يؤديها العامل لدى صاحب العمل- في الحالات التي يكون حظر التجول جزئياً – وفي حال استمر العمل بحظر التجوال كلياً، يجوز ان يتفق صاحب العمل مع العامل على ان يتمتع العامل باجازته السنوية او استخدام رصيد الاجازات المستحقة مدفوعة الاجر. وبما أن قانون العمل لسنة 1997م لم يتناول موضوع (الاجازة بدون أجر)، يجوز أن يتفق صاحب العمل مع العامل على أن تعتبر القترة التي تلي الاجازة السنوية (اجازة مرضية) وفقاً لما هو منصوص عليه المادة (47) من قانون العمل.
هذه الاجراءات المذكورة ليس بالضرورة أن تقوم الدولة بتنفيذها كما وردت، لكن بالضرورة ان تتخذ اجراءات تكون من شأنها تخفيف وطأة الظروف الاستئنائية الطارئة بما يتناسب مع رؤيتها للامور والاستعانة بخبراء القانون وأصحاب العمل، ويجب أن لا تجعل الخيارات مفتوحة امام اطراف العلاقة العمالية، لان في ذلك تهديد لاستقرار المؤسسات الاقتصادية. على ان تنظر الدولة في تعديل قانون العمل لسنة 1997م حتى يكون مواكباً للتطورات والظروف التي تستجد مستقبلاً، ذلك بادراج نص في القانون يتضمن القوة القاهرة والظروف الطارئة والاستثنائية.
///////////////