بسم الله الرحمن الرحيم
تأشيرة غياب …. عماد برَّاكة
سيميائية الهوى والهوية
abdelmoniem2@hotmail.com
أغنية بحار أمريكي
“كفي عن البكاء يا حبيبتي
أيتها الناظرة في دوَّار جاكسون
في نيو أورليانز المشمسة
في لويزيانا الجميلة
حبيبتي تظنني مدفونا في البحر
لم تعد تنتظر عودتي
إلي نيو أورليانز المشمسة
في لويزيانا الجميلة
لكني لست في قاع البحر
بل ممداً في سفينة الموت
لا شيء أنتظره
ضاع كل شيء
بعيدا عن نيو أورليانز المشمسة
في لويزيانا الجميلة”
رواية سفينة الموت لترافن (ترافن انتحر مع زوجته بعد كتابة الرواية)
تنبيه:
للاستفادة من هذه الدراسة ينبغي على القارئ أن يقرأ الرواية وأن يُلم بأبجديات علم السيمائيات أو اللسانيات في عمومها. استخدام المنهج السيمائي لدراسة نص من مائة صفحة يأخذ ما يقارب الألف صفحة لإكماله ولهذا ستكون هذه الدراسة بمثابة المقدِّمة التنويريَّة لا غير وعلى القارئ إذا أراد المزيد أن يدرس منهج سيمائيات الأهواء لغريماس ويطبِّقه على أجزاء من الرواية وسيجد فيه أو تجد فيه كنوزاً ذات بهجة.
مقدِّمة:
في ليلة ذات بهجة في مدينة نيوكاسل، احتفالاً باليوم العالمي للمسرح، نظَّمها المسرحي ذو الهمَّة أبوزيد الدقيل المشهور بأبي زيد الهلالي تقاطرت علينا كنوز الإبداع من أرجاء بلاد الملكة تحمل رايات المسرح والشعر والموسيقي والرواية والفكر، فحوَّلت برد الشتاء دفئاً، وجلت صدأ الروح، وزادت ترسانة دفاعنا أسلحة فتَّاكة تردُّ عنَّا هجمة الغربة وصقيعها الفتَّاك منهم عماد برَّاكة وأيوب مصطفي.
أسرني عنوان رواية معروضة اسمها: تأشيرة غياب، فاقتنيتها وأدركت لا حقاً أنَّ مؤلفها عماد برَّاكة هو الفنان الشامل الذي قدَّم فقرة مسرحية ألفها وأخرجها ومثَّلها أظهرت تمكُّناً واضحاً في كلِّ المجالات، فقدَّمت نفسي له وطلبت منه إهداءً فتلألأ البِشر على وجهه وكتب:
“هذه محاولة لرصد ما حدث لجيلنا أتمنى أن تنال إعجابك”.
تلخيص سريع للرواية:
تحكي عن أشرف الصافي، وهو مثقف مبدع لا منتمي تخرَّج من جامعة الخرطوم وضاقت به سبل العيش في سودان حكومة الإنقاذ فتركها مهاجراً بعد أن توسَّط له قريبه ليحصل على تأشيرة خروج لفرنسا تاركاً وراءه حبيبته رباب تاج السر فريسة لمجتمع لا يرحم ولم يترك لها غير وعد كاذب باللحاق به وهي التي أخلصت وُدَّها وكسرت قيود مجتمعها لصدق مشاعرها فأسلمته نفسها.
وقد كانت فريسة سهلة له وهو القنَّاص الماهر الذي يستخدم كلّ أسلحته؛ إن كان ذكاءً أو إبداعاً أو مساعدة أو صدراً حانياً لينال غرضه، وهو بطبعه إنسان شكوك وجبان وغادر لا يثق في أحد. وقد صبر على فريسته سنوات، وهو كما قال عن نفسه يخطِّط بهدوء، حتى اختفي غريمه عامر درويش الذي كانت تحبَّه عندما غادر السودان وشاع خبر غرقه مع صديقه سامي قنديل في قارب عبور لإيطاليا.
ولكنَّه بعد سنوات من الغربة في أوروبا يلتقي غريمه صدفة في هولندا، وهو في حالة انكسار وضياع، في محطَّة قطار مدينة صغيرة استحوذ عليها الأجانب وطردوا منها أهلها، فتلتهمه الذكريات قبل وبعد التعرُّف عليه، ويثور ضميره الذي أسكته بالتَّناسى والبعد والخمر فيلجأ لتشريح ذاته بلا تخدير إلا فعل زجاجة الخمر عندما لا يطيق الألم.
ومن خلال سيل الذكريات يأخذنا الراوي لثلاثة مسارات. أولها مسار حياته في الوطن وفي الغربة وثانيها مسار حياة غريمه المتمرد الفوضوي البوهيمي الذي كسر كلّ الأعراف داخل وخارج الوطن وديدنه الرفض يعوزه الذكاء العاطفي والأخلاقي والاجتماعي فصار كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقي متذبذباً بين هويَّة يسعي لها وتخاتله وهوية موروثة يلجأ لها عندما تضيق عليه السبل، وثالثها مسار أبناء الوطن في الغربة وذلك في سياق الزمان والمكان الوجودي الممتد من الماضي للحاضر والمشرف على المستقبل.
المتن:
هذه رواية آسرة ومدهشة وهي فلسفية في المقام الأوَّل تحكي عن شخصية المثقف السوداني المبدع واللامنتمي أعمي البصيرة الذي يظنُّ الآخرين عُمياناً، والذي كما قال الراوي في الرواية: “إنَّ أصحاب الروائح الكريهة لا يستنشقونها مطلقاً”.
ومثل هذا المثقف يُحسب على التَّقدُّميين، وذلك في سياقه التاريخي والحديث وتأثّره بواقعه وتأثيره فيه.
وهي ملحمة صراع المتناقضات المتمثلة في الهوى والعقل والفعل وبين تركة الثقافة الموروثة للمثقف، من خلال السياق الاجتماعي وبين الثقافة المُختارة حصيلة التجربة والوعي بالآفاق الأخرى، ويمثِّل نتاج تفاعلها الهوية الخاصَّة للمثقَّف ككائن له مساحة من الحرية للاختيار ولكن ليس له نفس مساحة الحريَّة في الممارسة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم