تحقيق نظام الحكم في الراشد في السودان: نظرية الحاكم الآجير .. بقلم: (2-10) .. بقلم: الدكتور احمد صافي الدين
يعد الولاء للمبادئ الراسخة أمر في غاية الاهمية، فالهمم العالية وحدها هي التي يتمترس اصحابها ويستمسكون بالمبادئ. وأما غالب الناس، يملون الى البحث عن المصلحة العاجلة،والتي قد تخفى وراءها ضرراً لا يجبر. يمكن القول ان التعصب للمذاهب علة من علل احقاق الحق، وابطال الباطل.هنالك مقولة للإمام ابن القيم يشير فيها إلى أن من صفات المغضوب عليهم أنهم لا يقبلون الحقّ إلا من أهل مذهبهم. وتلك هي علة تعبر عن خلل في منهج الفّكر والنّظر لدى هؤلاء في التعامل. فعلى الرّغم من أن المؤمن هو أحق بالحكمة، وهي ينبغي أن تؤخذ، ولو من على أفواه المجانين، وتقبل وان جاء بها ملك رحيم، أو شّيطان رجيم، فان الصّراع بسبب الأفكار الدّخيلة التي غذتها المذهبيّة غير الحميدة، جعلت من قبول الحقّ أمراً بين الأخذ والرّد، وبين القبول والرّفض. فقد برز الصّراع واضحاً وسط تيارات المجتمع، التي كانت عبارة عن جسد واحد، إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمى والسّهر، واليوم، فان الأهواء والشّهوات قد اتخذت آلهة تعبد من دون الله. لقد غطّت الانتماءات والمذهبيّات على فضاءات الاستقلاليّة والموضوعيّة والحياديّة، ويكاد يكون باب الأمل قد سدّ في قبول الآخر، والنّظر إليه بموضوعيّة أضحى أمراً نادراً، وفقاً لما تقتضيه الأمور وطبيعة الأحوال، ولقد كانت النّتيجة المرجوة هي أنّ الصورة الذهنيّة قد تشكلت لدى كلّ فريق أو مذهب عن الآخر، ولم يعد من بدّ من العمل من أجل الانتماء؛ أياً كان هذا الانتماء. ومن ثمرة ذلك كله وغيره مشكلات جمة تعانيها الأمة، وتكاد تعصف باستقرار المجتمع قاطبة. وفي ظل واقع كهذا أُشربت النّفوس تجاه الآخر بصور ذهنية قاتمة وسالبة. إذ لم يعد هذا الآخر غير المنافس والخصم والعدو، ومن هنا فان آليات الصّراع قد تعددت، ولم يعد من بدّ لاغتنام أية فرصة في سبيل الإيقاع بهذا الآخر، سواء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. فغذاء العقل في الوقت الراهن بالفّكر المذهبيّ الذي افتقر إلى الموضوعية و المرونة، كانت نتيجته أمراً ينطوي على خطر جسيم. ولم يعد بالإمكان قبول أفكار الآخر من غير إفراغ الفّكر المذهبيّ للمنتمي، ليحلّ فكر الآخر محلّه. لقد بلغ الأمر مبلغاً، جعل من المستحيل تعايش فكر مذهب وآخر، وقليل من النّاس من جبلوا على هذه الرّؤية. أمّا السّواد الأعظم، فهم على ما ذكر من موالاة للمذهب ومجافاة لغيره. فغلبة الأهواء وإتباع الشهوات له نتائج ضارة تحل بالمجتمع، وأفراده. يقول ابن القيم رحمه الله: “قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدّه”. فان الإناء إذا امتلأ بشيء فانه لا مجال فيه لقبول غيره، لا سيما إن كان الشّيء الآخر على نقيض من الأوّل. فالحقّ والباطل لا يجتمعان، والخير والشرّ بين طرفي نقيض، والكفر والإيمان كذلك، والصّدق والكذب لا يلتقيان. وتبقى قضية كل متمذهب في رؤية غيره على انه ضده، أو على غير هواه. والأمر قد يكون خلاف ذلك، ولكنّها آفات المذهبيّة عند غلوها في كلّ زمان. وبناء على هذا المنطق، فان التّشيع لرأي أو نحلة، أو مذهب يجعل من قبول ما هو ضده، أمراً ربّما يكون من عداد المستحيلات. والأمر يرجع في المقام الأوّل إلى ما عليه النّفس من جبلة.
ahmedsafidin@yahoo.com
لا توجد تعليقات
