تخريمات وتبريمات في الجنون  … بقلم: فيصل بسمة

بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
يوصم الشخص بالجنون إذا ما مارس أفعالاً و أقوالاً مفارقة و منافية للمألوف و العرف و العادات و بما لا يتفق مع العقل و المنطق ، و معلوم أن لتلك الممارسات من الأفعال و الأقوال مردودات غير حميدة و ربما ضآرة…
و المفردة جنون جذرها الفعل جَنَّ الذي يعني الستر ، و يقال جَنَّ الليل عندما يحل و يستر الكون بظلامه ، و من معاني جَنَّ زوال العقل أو فساده…
و قد عُرِّفَ الجنون لغوياً و فقهياً و طبياً و قانونياً على التوالي على أنه:
– (فقدان المقدرة على السيطرة على العقل)…
– (إختلال القوة المميزة بين الأشيآء الحسنة و القبيحة المدركة للعواقب)…
– (مرض العقل و إختلال في وظآئفه تضييع معه المقدرة على التمييز و الإدراك)…
– (حالة قانونية تحجب المسئولية الجزآئية عن المصاب بها بسبب فقدان المقدرة على التمييز و الإدراك)…
و قد وصفت أهل السودان الشخص المجنون بعدة أوصاف تبسيطاً مثل:
تَرَلَلِّيِّ
إِتلَحَس
مِفَلسِح
مِذَهلِل
مِفُوِّت
فَكَّت منو
سُلُوكُو ضَارَبَة
و هذه التعبيرات أصبحت من كثرة إستخدامها معروفة و من صميم عامية أهل بلاد السودان ، و يتم توظيف هذه المفردات للدلالة على أن الشخص المعنى (المجنون) قد فقد قواه العقلية مؤقتاً أو بصورة دآئمة…
و يقال أن (التَّرَلَلِّيّ) من أنواع الجنون ، و لما لم تسفر مراجعة المعاجم و الشبكة العنكبوتية عن أي تفسير للمفردة (تَرَلَلِّيّ) فقد أعمل صاحبنا خياله في المفردة (تَرَلَلِّيّ) ، و بقية المفردات ، تخريماً و تبريماً عسى و لعل أن يخرج بتفسيرات معقولة و مهضومة و مقبولة…
و عند تفكيك و تشريح المفردة (تَرَلَلِّيّ) تبدو و كأنها مكونة من جزئين هما:
ترآءىَٰ…
و
لِيّ…
و يبدوا أن هاتين المفردتين قد ضمتا و جمعتا معاً ثم نطقتا إستسهالاً (تَرَلَلِّيّ) ، و ذلك بعد إسقاط الهمزة و المد و إعمال الإقلاب و الإدغام…
و ما يؤيد هذا التفسير أن الفعل ترآءىَٰ جذره الفعل رأى و الذي يعني المشاهدة و النظر ، و من تصريفات الفعل رأى الرؤية و تفيد الإبصار ، و كذلك الرأي و يعني النظر و التأمل و الإعتقاد ، و لكل هذه التصريفات و المعاني علاقة بالعقل و الفكر و البصيرة و التمييز و الإدراك ، و معلومة العلاقة الوثيقة بين العقل و التمييز حتى أن الناس قالت:
صاحبُ العقلِ يُمَيِّزُ…
و قد يكون النظر بالعين أو العقل أو القلب ، و بسبب المعنين الاخيرين يأتي إستخدام العبارة (ترآءىَٰ لِي) أحياناً في مواقف تتراوح ما بين الإعتقاد و الشك و الظن و اليقين ، و هذه المرواحة أكثر ما تكون وضوحاً في حالات الجنون ، و معلومٌ أن المجانين تتراوح مواقفهم و ربما تَرُوحُ (تذهب) بعيداً عن المعقول و المألوف ، و الشآئع أن المجانين (تترآءى لهم) وحدهم الأشيآء المفارقة للمعقول و المألوف ، يبصرونها في عقولهم و قلوبهم و يعتقدون في صوابها و من ثم ينجرون و ينساقون ورآءها ، و هكذا يصبحون (تَرَلَلِّيين)…
و لحس المخ يعني ذهاب العقل و الفهم ، و اللحس يعني اللعق باللسان أو الأصبع ، و يكون اللحس (اللعق) على السطح ، و هذا يوحي بأن مراكز العقل و الفهم و الذاكرة توجد على سطح المخ ، و أن هذه الملكات تضيع و تذهب بمجرد اللحس على السطح!!!…
و ذهاب هذه المراكز المهمة يسوق الشخص (المَلحُوس) الذي خلا ذهنه إلى أفعال و ممارسات غير موزونة لا يقرها الدين أو العقل أو المنطق…
و الفعل فَلسَحَ في معجم أهل السودان يعني مفارقة المعقول…
و تفكيك الكلمة (فلسح) يكشف عن إحتوآءها على كلمة فلس ، والفلس من الإفلاس و الذي يعني ذهاب الثروات ، و التعسر و العجز المادي ، و عدم المقدرة على الإيفآء بالإلتزامات المالية…
و قد يكون الإفلاس عقلياً ، و عندها تأتي الممارسات و الأفعال مفارقة للمعقول و المألوف ، و هذا ما تعكسه حالة (الفَلسَحَة) حيث يفلس المجنون عقلياً و يعجز عن الإيفآء بإلتزامات و ممارسات و تفاعلات الشخص العاقل…
و أصل الكلمة مذهلل من الذهول ، و في الذهول تشتيتٌ للعقل و تبديدٌ لمقدرة المرء التمييزية و كذلك عدم المقدرة على التركيز و الإدراك ، مما يعني عملياً أن العقل ليس في أفضل حالته و ربما في حالة غياب و عجز تآم أو جزئي أو مؤقت أو مزمن ، و ربما تقود حالة الذهللة الشخص المذهلل إلى الشلل الذهني و العجز عن إتخاذ القرارات السليمة مما يقود المذهلل إلى مراتب ينعدم فيها التوازن و يعم فيها الشرود و خلط الأشيآء و من ثم عدم القدرة على التجاوب المنطقي و التفاعل السليم…
و التَّفوِيت أصلها في الفعل فات و الذي يعني ذهب و مضى ، و الفوت كما جآء في معجم المعاني هي الفرجة بين الأصبعين ، و في المفردتين دلالات على التمرير و التسريب…
و في عالم الميكانيكا و تصليح السيارات يقال:
المكنة فَوَتَت… أو المكنة مِفَوِتَة…
بمعنى أن ماكينة السيارة معطوبة و أصبحت لا تعمل بكفآءة و تسرب الزيت (تاكل زيت) ، و تعجز عن دفع السيارة…
و لكن في سياق الملكات العقلية و لغة أهل السودان فإن تفويت العقل يعني عطب العقل و إتساع المسافة ما بين العقل و اللاعقل ، و في هذه الحالة تتسرب المقدرة على التمييز و الإدراك و من ثم التقدير ، و تسود أفعال و تصدر ممارسات تصنف في خانة الجنون ، و هذا يؤكد أن التفويت يعني أيضاً ذهاب العقل و فقدان الكفآءة على إتخاذ القرارات السليمة ، و معلوم أن المجنون المِفُوِّت فاقد للأهلية و المقدرة على التمييز و إتخاذ القرار…
و العبارات (فَكَّت منو) و (فَاكَّه منو) ، و الجذر هو فَكَّ ، و تصريفه يَفِكُّ فَكّاً ، و يكون معنى فَكَّ حسب السياق و الإستخدام ، فقد يعني الفعل الإسترخآء و الضعف و الإنكسار ، و قد يعني رياضياً إيجاد الجذر ، و الفَكُّ في الرقاب هو الفدآء و التحرير و العتق ، أما في عالم الميكانيكا فإن الفَكَّ هو فصل الماكينة و تفريق أجزآءها…
و إذا أعملنا و طبقنا هذه المفردات و المعاني على الملكات العقلية فإن الفَكَّ يعني إسترخآء و ضعف العقل و إنكساره أمام مصاعب الحياة و قساواتها مما يفقد العقل القدرة على التعامل مع المعطيات رياضياً و بما يناسب المنطق و المعقول ، و عند إسترخآء العقل و إنفكاكه يختلط الأمر فيفسد العقل و يعجز عن إدراك و تمييز المحرم عن الحلال و المحظور عن المسموح و الممنوع عن المأذون و المكروه عن المستحب…
و عند (الفَكِّ) يسقط عن ذلك الشخص (الفاكه منو) التكليف فيتحرر و ينعتق و ينطلق في عالم الجنون فيفصل و ينفصل تماماً عن الواقع ، و الشخص في تلك الحالة يلتمس عليه الأمر مما يجعله يفرق في الأمور و يحكم في الأشيآء و المواقف بما يترآءىَٰ له (تَرَلَلِّيّاً) غير آبهاً بالآخرين مما يجعله (فَآكّاً) و غير ملتزم بالمعقول و المألوف و العرف و العادات…
و تقول أهل السودان على المجنون:
سُلُوكُو ضَارَبَة… و سُلُوكُو ضَرَبَت…
أو
سُلُوكُو عاملة تُوتش…
و السلوك في لسان أهل السودان هي الأسلاك عند الناطقين بها ، و ضربت يعني بها تضاربت ، أما تُوتش فهي إستعارة مباشرة و بِضُبَانَتَهَا (بذبابتها) من الكلمة الإنقليزية Touch ، و المعنى أن وسآئل الإتصال (الأسلاك) عند الشخص المعنى قد تلامست و تضاربت حتى إختلط الإتصال و الإرسال و تشابكا ، و في هذه الحالة يصعب الإتصال و التواصل مع (ضارب السلوك) ، و عموماً يكون الحال هكذا (كذلك) عند التعامل مع المجانين (الضاربة سلوكهم)…
و عند إسقاط هذه المفردات و المعاني على السياسة و أمور الحكم و إتخاذ القرارات في بلاد السودان و خصوصاً على أقوال و أفعال و ممارسات البرهان/حميدتي و رهطهم يجد المرء البرهان/حميدتي و رهطهم:
– (تَرَلَلِّيينَ) تترآءىَٰ لهم الأشيآء الغير منظورة لمن حولهم من أهل الحكم و السياسة و بقية جموع الشعوب السودانية ، يبصرونها في عقولهم فينجرون و ينساقون ورآءها و يتخذون على أساسها القرارات (العجيبة) المفارقة للعقل و المألوف و الأعراف و العادات…
– (مَلحُوسِينَ) و قد ذهبت عقولهم و اختلط عليهم الفهم فصاروا يأتون بغير المألوف و اللامعقول من القرارات…
– (مُفَلسِحِينَ) و قد أفلسوا عقلياً فعجزوا عن القيام بواجباتهم كجنود في خدمة بلادهم ، بل جنحوا إلى أقوال و أفعال و ممارسات تفصح عن فقدانهم المهنية و الإحترافية و الأهلية و بقية الصفات التي تؤهلهم ليكونوا جنوداً أو قادة مسئولين ، و قد إنعكست تلك الفلسحة على قيام البرهان/حميدتي و رهطهم بأفعال و ممارسات لا يقدم عليها صاحب عقل أو فهم و رأي (طفل ما يعملهاش)…
– (مِذَهلِلِينَ) و تبدو الذهللة بوضوح في أحاديث و أفعال البرهان/حميدتي و رهطهم ، و التي تفصح عن تشتت الأذهان و خلوها من العقل ، و بالتالي عدم المقدرة على التركيز و التمييز و إتخاذ القرارات السليمة ، فكان أن أتت أحاديث البرهان/حميدتي و رهطهم و أفعالهم و قراراتهم كارثية و مما لا يجرؤ على القيام بها أو حتى التفكير فيها إلا من تذهلل و ذهب عقله و قصر فهمه عن الرأي السديد…
– (مِفُوِّتِينَ) و قد ذهبت عقولهم و تسربت و مضت بهم بعيداً عن دنيا التمييز و الإدراك ، فأحاديث و قرارات البرهان/حميدتي و رهطهم تدل على العطب المهني و الإحترافي و فقدان المقدرة على إتخاذ القرارات الصآئبة و إنعدام الكفآءة ، كما تدل على الفجوة العظيمة ما بين قرارات البرهان/حميدتي و رهطهم و فسادهم و الواقع الرافض لحكمهم و ما يقومون به من الفساد و القمع و العنف و التسلط و الهيمنة و التجبر…
– (فَآكَّة منهم) حتى إسترخت و ضعفت عقلوهم و فسدت و انكسرت أمام تحديات القيادة حتى عجزت تماماً عن التعامل السليم مع معطيات الواقع السياسي و بمسئولية و وطنية فأتت أحاديثهم و قراراتهم (فَآكَّة) و فاسدة لا تعرف المحظور و لا تحترم العهود و المواثيق و لا تأبه للأعراف و العادات و التقاليد ، و كانت مجافية تماماً للمنطق و مكارم الأخلاق ، و منفصلة إنفصالاً تآماً عن تطلعات و آمال الشعوب السودانية…
– (ضاربة سُلُوكُهم) و قد إختلط عليهم الأمر حتى صعب على الأطراف السياسية و الإجتماعية فهم مقاصدهم و من ثم التواصل معهم من أجل الوصول إلى حلول تؤدي إلى إنفراج في أزمة الحكم و الدولة في بلاد السودان…
و الأحوال قآئمة في وضعها الغير سوي هذا أقدم البرهان/حميدتي و رهطهم على عدة قرارات و خطوات خآطئة كانت نتآئجها وخيمة و كارثية مثل:
فض الإعتصام ، و الإنقلابات المتعددة على شركآء الحكم المدنيين ، و سب قوى الحرية و التغيير و الأحزاب السياسية و تخوينهم و وصمهم بالعجز ، و الزج بهم في غياهب السجون و المعتقلات ، و تعويق الإقتصاد بقفل مينآء بورتسودان ، و التعامل مع السياسة الخارجية و الإقتصاد بما لا يخدم مصالح البلاد و الشعوب السودانية ، و التآمر مع المعارضين من أعدآء الثورة من جماعة القصر و الموز و الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) ، و نقض العهود و تقويض المواثيق التي أبرموها مع قوى الحرية و التغيير ، هذا عدا القمع العنيف للمتظاهرين المدنيين العزل و قتلهم بأسلحة لا تستخدم إلا في حالات الحروب…
و على خلاف التعامل مع المجانين ”العاديين“ صحياً و فقهياً و قضآئياً فإن التعامل مع الجنون السياسي يكون ثقيلاً و حاسم…
ففي المجال الصحي توجد عدة مشافي و خيارات في علاج الذين يعانون من الجنون و الأمراض النفسية ، و في دوآئر الفقه و القضآء فإن المجانين و فاقدي الملكية العقلية يسقط عنهم التكليف و تعلق العقوبات…
و لكن ليس لمجانين و معتوهي عالم السياسة خيارات سوى أنواع العقوبات الصارمة التي تتراوح ما بين السجن و النفي و الإعدام…
أما في حالات البرهان/حميدتي و رهطهم فيبدوا أنه و إعتماداً على ما إرتكبوه من مخالفات خطيرة و جرآئم فظيعة ضد الإنسانية و مجازر غليظة في حق الشعوب السودانية فليس هنالك خيارات و علاجات سوى البتر…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
fbasama@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً