تشخيص حالة – لبعض مكونات الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة بالسودان .. بقلم: د. سيد حلالي موسي
12 مايو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
97 زيارة
12/5/2011 – 18 رمضان 1441
مقدمة: أولا لا بد من الإشارة الي الآتي:
* التشخيص الدقيق لأي حالة أو ظاهرة يحتاج الي منهج علمي واضح يبدأ بخطة منهجية ذات أهداف محددة وواضحة يتبعها جمع للبيانات أو المعلومات باستخدام أدوات بحثية محددة ومن ثم تحليل البيانات والوصول الي نتائج علمية تتبعها توصيات الدراسة. وهذا لم يحدث في ظل الظرف العصيب الذي تمر به بلادنا وهو الوباء جراء جائحة كورونا. اعتمد هذا التشخيص علي ملاحظات وقراءات واتصالات ومشاهدات من خلال تجربة عملية بوزارة الصحة بالولايات. وهذا التشخيص استهدف ثلاثة مواقع في الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة وهي تحديدا منصب وكيل وزارة الصحة الاتحادي ومنصب مدير عام وزارة الصحة الولائي (او الإقليمي اذا تم الرجوع اليه وهو الأفضل) ومنصب المدير العام للمستشفى في فترة الثلاثين عاما الماضية من يونيو1989 الي يونيو 2020 ، وهي المناصب التنفيذية الرئيسة المفتاحية والمعنية بتنفيذ سياسة الدولة الصحية كل حسب التسلسل الهيكلي للوزارة. ولهذه الأهمية تم استهدافها من النظام البائد لتنفيذ سياسات التمكين المدمرة البغيضة التي أوصلتنا لما نحن فيه الآن. لذلك ندعو شباب الأطباء الباحثين في مرحلة الجزء الثانى للماجستير أو الدكتوراة في طب المجتمع وهي مرحلة البحث واعداد الرسالة أن يطرقوا هذا الباب لتشخيص حالة القطاع الصحي خلال ثلاثين عاما وما قبلها لأن المعالجة والإصلاح تبدآ بالتشخيص العلمي السليم. وتشمل الدعوة بالتأكيد البحث في هذه الجائحة (كورونا) واستجابة وزارة الصحة والدولة والشركاء والمجتمع لمجابهتها والتقليل من مخاطرها. وما قمت به هنا هو مجرد رمي حجر علي بركة يبدو سطحها راكدا ولكن أعماقها تغلي.
* ما حدث من دمار وانهيار للقطاع الصحي لا ينفصل عما حدث في القطاعات الأخرى بالدولة، الزراعية والصناعية والخدمية (خدمة مدنية، تعليم ومصارف وسكة حديد وخطوط جوية وبحرية ونقل نهري والنقل الميكانيكي) وكان لذلك أثرا سالبا وبالغا بكل مناحي الحياة في السودان ألاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية وفوق ذلك كله فقد الناس الحرية والسلام والعدالة والنتيجة البائنة والصارخة انه انهيار شامل كامل ولعل ذلك يجعل من الإصلاح عملا صعبا وشائكا ولكن لا مستحيل تحت الشمس اذا تضافرت الجهود ونبذت الفرقة والشتات وحددت الأهداف وسعي الجميع لتحقيقها وفق خطط وبرامج واضحة وبشفافية تامة كل في مجاله وبتنسيق وتكامل تامين بين القطاعات المختلفة.
* أقدم اعتذاري للخروج بعض المرات خارج صياغ الموضوع المستهدف ولكني أري أنه خروج لايخل به ففيه راحة للنفس وتهدئة لما يغلي في داخلها كما هو حال البركة التي أشرت اليها سابقا.
* في نهاية الأمر سأعرج بعض الشئ بملاحظات بسيطة عن وزارة الصحة في الفترة القصيرة التي مضت من الفترة الانتقالية (بعد تشكيل الحكومة) مرتبطة بالموضوع وأخري عن جائحة كورونا (الموضوع الساخن الآن).
هيروشيما وناجازاكي: لقد دمرت الولايات المتحدة الأمريكية اليابان قبل تدمير مدينتي هيروشيما وناجازاكي بقنبلتين ذريتين متتاليتين في يومي 6 و9 من شهر أغسطس عام 1945م في نهاية الحرب العالمية الثانية. والهدف كان هو كسر عناد الجندي الياباني فقد وجد ان استسلام الجندي الياباني يكلف كثيرا لذالك تم استخدام القنابل الذرية واستسلمت اليابان سريعا. أما في السودان فقد استخدم بعض أبنائه ! قنابل ذرية صغيرة الحجم علي مدي ثلاثين عاما كان اجمالي قوتها التدميرية أقوي وأكثر رعبا وهولا من القنبلتين اللتين دمرتا مدينتي هيروشيما وناجازاكي. وللعلم فان القنبلة الذرية علي هيروشيما قتلت أكثر من 80 ألف شخص والقنبلة الذرية علي ناجازاكي قتلت أكثر من 70 ألف شخص. الفرق هنا ان القنابل علي اليابان كانت من عدو خارجي ولكن القنابل التي ضربنا بها هنا في السودان كانت من بني جلدتنا ! أتذكرون سؤال أديبنا الجليل العظيم الطيب صالح عليه رحمة الله (من أين أتي هؤلاء؟). وكان هذا السؤال الكبير في بداية عهدهم عندما تساقطت علينا بضع قنابل ذرية صغيرة ! تخيل ماذا يكون نوع السؤال وشكله اذا مد الله في عمره وحضر الدمار الشامل! المفارقة أنهم حاولوا إزاحة هذا السؤال ومسحه باستيكة من ذاكرة الشعب السوداني العظيم وذلك بتسمية جائزة تحمل اسمه ! ولكن السؤال الكبير ظل في مكانه كأبي الهول! فرق آخر بين قنبلتي هيروشيما وناجازاكى في اليابان وتلك علي السودان هو ان اليابان استسلمت للغزاة الأمريكان ولكن الشعب السوداني العنيد (شفاتة وكنداكات) انتصر علي من دمر حياته وذلك باستخدام قنبلة ذرية نوعية أكثر فتكا وتدميرا (تسقط بس). العبرة والعظة أن الشعب الياباني العظيم حافظ علي وحدته وحول الدمار الشامل الي نهضة سريعة وشاملة حيث رفع شعار (التعليم أولا) ونفذه حيث كان التلاميذ يجلسون تحت الشمس بدون فصول دراسية فقد تحطم كل شيء. نأمل أن نستفيد من هذه التجربة في بناء السودان اللذى نريد، شكرا شعب اليابان.
وزارة الصحة: ان وزارة الصحة بكل مكوناتها ومؤسساتها الاتحادية والولائية كغيرها من مؤسسات الدولة الأخرى تعرضت لدمار ممنهج خلال الثلاثين عاما الماضية. ولعل الخراب والدمار في وزارة الصحة كان أولوية قصوي للنظام البائد ولعل أحد الأسباب في ذلك هو الدور الرائد والعظيم الذي يقوم به الأطباء والكوادر الصحية في مناطحة الدكتاتوريات والأنظمة الشمولية الفاسدة منذ الاستقلال وتتويج ثورات الشعب السوداني المعلم العظيم بالنصر المجيد. وللمفارقة فان بعض الأطباء في العهد البائد كانوا في دفة القيادة ومن المؤسف له أن بعضا منهم جاء محمولا علي أكتاف زملائهم في النقابات وعندما انقلبوا علي السلطة الديمقراطية انقلبوا علي النقابات ذاتها وجاءوا بطبيب علي رأس نقابات عمال السودان ليتمو (المقصر). وهنا لا يفوتني أن أحي ثورة ديسمبر المجيدة واحي شهدائها الأبرار واللذين كان الأطباء كعادتهم في مقدمتهم رحمهم الله رحمة واسعة والهم ذويهم الصبر الجميل ، ونتمني الشفاء لمن أصيبوا والعودة لمن اختفوا الي أهليهم.
منصب الوكيل: حدثني أستاذي وزميلي د. عباس بشير(الله يرحمه) الرجل الخلوق استشاري طب المجتمع وخبير الوبائيات عندما كنت أعمل معه وتحت ادارته في مكتب واحد بإدارة الأمراض المعدية بالوكالة المساعدة للطب الوقائي برئاسة وزارة الصحة بالمملكة العربية السعودية (بالمناسبة كنا خمسة أطباء في المكتب وجميعنا سودانيون متخصصون) ، حدثني وقال لي: كنت رئيسا للطب الوقائي ومسئولا عن الوبائيات في أقليم كردفان (ولمن لا يعلم فان إقليم كردفان قسم في أوائل العهد البائد (1994) الي ثلاث ولايات هي شمال كردفان وعاصمتها مدينة الأبيض وغرب كردفان وعاصمتها الفولة وجنوب كردفان وعاصمتها كادوقلي)، قال لي د عباس بشير : اتصل بي د عباس مختار الوقور (رحمة الله عليه) وكيل وزارة الصحة في ذلك الوقت في مكتبي ولم يجدني وكنت خارج وزارة الصحة الإقليمية في الأبيض وعندما حضرت اتصل مرة أخري وقلت له مشيت الفطور وهنا قال لي: يا د عباس يعني لازم أعرف فطورك في كردفان الساعة كم ! وفطور د فلان في الفاشر(إقليم دارفور) الساعة كم ! وفطور د فلان في مدني (الإقليم الأوسط) الساعة كم ! قال اعتذرت له ولم أفطر بعدها خارج المكتب.
منصب السيد وكيل وزارة الصحة الاتحادية تعرض لدمار ممنهج. كان وكيل وزارة الصحة كما حكي لنا ومن القليل الذي شهدنا وعاصرنا، كان قبل أن يكون وكيلا لوزارة الصحة الاتحادية بالخرطوم عليه أن يعمل بكل أقاليم السودان (الستة) أو معظمها وكان للخرطوم وضع خاص بحكم انها العاصمة القومية. وكان الإقليم السادس بالطبع الإقليم الجنوبى وعاصمته مدينة جوبا. ويا حليل الجنوب فقد فلقوا دماغنا وقالوا ان الجنوب عالة علي الشمال ولما انفصل الجنوب وانهار الاقتصاد فلقوا دماغنا مرة أخري وقالوا السبب لأن البترول ذهب جنوبا! وطبعا الكل يعرف ان الأموال المكتنزة تحولت الي عمارات وأرصدة داخلية وخارجية. وفهمنا من كان عالة علي الاخر! ذكرنا ان السيد وكيل وزارة الصحة الاتحادية عليه ان يمر بكل أو معظم أقاليم السودان وهو متخصص في طب المجتمع أي يهتم بصحة المجتمعات ووقايتها من الأمراض(الطب الوقائي) قبل الفأس ما تقع في الرأس وخاصة الأمراض الوبائية (كورونا مثالا) وهذا التخصص مكمل ولا ينفصل عن الطب العلاجي والذي يهتم بعلاج الأفراد بعد الإصابة بالمرض أي بعد الفأس ما تقع في الرأس. والوكيل بحكم عمله في مختلف أرجاء السودان يتعرف علي جل المشاكل الصحية التي تعاني منها البلاد(القارة)، وتكون آخر محطة يعمل فيها مديرا عاما لوزارة الصحة بالأقاليم هي مدينة ود مدني (الإقليم الأوسط) يقفز بعدها مباشرة الي الخرطوم وكيلا بلا منافس لوزارة الصحة الاتحادية. فماذا حدث؟ في بداية العهد البائد استهدفت سياسة التمكين البغيض مكتب وكيل وزارة الصحة (وطبعا هذا حدث في جميع الوزارات) وتم قصدا تدميره فتم شغل وظيفة الوكيل بأطباء من تخصص الطب العلاجي والهدف المرفوع كان الإصلاح والإنقاذ. وبهذا تم ضرب المؤهل العلمي لشغل منصب الوكيل! وبعض هؤلاء الأطباء اساتذتنا نقدرهم ونحترمهم فقد تعلمنا منهم الكثير في مجال تخصصهم (الطب العلاجي) ولكن منصب وكيل وزارة الصحة تحديدا لا يملكون المؤهل العلمي لادارته. وتوالي علي منصب الوكيل أطباء حصلوا علي المؤهل العلمي وهم علي رأس الخدمة في رئاسة وزارة الصحة الاتحادية أو وزارة الصحة الولائية بولاية الخرطوم. وهؤلاء حين جاؤا الوزارة اكتمل التدمير وكان هائلا لا يوازيه الا دمار مدينتي هيروشيما وناجازاكي. وتم انشاء ما يسمي هيئة الإنقاذ الصحي في رئاسة الوزارة والولايات ورفع أحد الوكلاء شعار توطين العلاج بالداخل وتم تطبيقه بطريقة فيها شبهة واضحة وفساد وبالطبع استفاد من هذا الدمار الوكيل المعني ومسئولين كبارفي الوزارة وبعض المتسلقين والمنتفعين من حوله . وقبض الشعب الريح .والكل يذكر الشعارات الجوفاء (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) ، فلا أكلنا ولا لبسنا ولا تعالجنا!!
منصب مدير عام وزارة الصحة بالأقاليم سابقا (الولايات حاليا): كما تم استهداف وكيل وزارة الصحة بالمركز (الخرطوم) حدث ذات الشئ لمنصب مدير عام وزارة الصحة بالأقاليم (الولايات حاليا). ولنضرب مثال بأقليم واحد، ولنقل الأقليم الأوسط حيث كنت أعمل به وعاصمته مدينة ود مدني العريقة العتبة الكبرى نحو منصب الوكيل كما ذكرنا سابقا. وللعلم أيضا فان الاقليم الأوسط سابقا تم تقسيمه الي 4 ولايات : ولاية الجزيرة وعاصمتها مدني، ولاية سنار وعاصمتها سنجة، ولاية النيل الأبيض وعاصمتها ربك وولاية النيل الأزرق وعاصمتها الدمازين. ولمن لا يعلم فان هذا التقسيم جاء تطبيقا لنظام الحكم الفيدرالي اللامركزي الشائه أو المشوه ، وكان من ألأهداف السامية والمعلنة هدفين أساسيين تقصير الظل الإداري وحكم الناس لأنفسهم، ولكن يبدو ان الهدف الخفي والغير معلن كان ” قسم وأحكم”“Divide and rule” والمنسوبة الي فيليب الثاني حاكم مكدونيا ولذلك لم يتحقق أي من الهدفين المذكورين لانه لتحقيق ذلك هناك مطلوبات مستحقة وأولها الحكم الراشد وأين العهد البائد من الحكم الرلشد! وانتهي ذلك بالضربة القاضية عندما عدل الدستور(بواسطة ترزية الدساتير) مع الاعتذار للاخوة الترزية، ليصبح تعيين ولاة الولايات من صلاحيات رئيس الجمهورية والذي أدين في أول حكم قضائي صدر بالسجن عامان وأن يقضيها بالاصلاحية. كان يشغل منصب مدير عام وزارة الصحة بالاقليم الأوسط في مدني العريقة الدكتور الوقور ميرغني سليمان ارشين استشاري طب المجتمع (مد الله في أيامه) وكان قبل ذلك مديرا عاما لوزارة الصحة بإقليم كردفان (الأبيض) وكان من المفترض أن ينقل من مدني مترقيا وكيلا لوزارة الصحة ألاتحادية بالخرطوم ولكن تم نقله مديرا للمحاجر الصحية ببورتسودان. استلم مكانه في مدني مديرا عاما لوزارة الصحة أحد الأطباء العموميين وكانت تلك الخطوة كارثة في النظام الصحي بالأقاليم لان هذا كان أبغض أنواع التمكين اذ تم ضرب المؤهل العلمي والخبرة والأقدمية لشغل منصب المدير العام! كان هذا الطبيب العمومي مديرا لنا ! نحن مدراء الخدمات الصحية في مدني ، سنار ، الدمازين ، كوستي ، رفاعة والدويم وبالأخيرة هذه كنت مديرا للخدمات الصحية لشمال النيل الأبيض (محافظتي الدويم والقطينة في ذلك الوقت) وبعض منا اختصاصيون في طب المجتمع!
طبعا الدمار في الحقل الصحي لم يكن استثناء بل شمل دمار القنابل الذرية معظم مناحي الحياة وكل مؤسسات الدولة، بل ان بعضها ازيل من الوجود تماما ففي العاصمة الكبرى قل لي بربك أين النقل النهري وأين النقل الميكانيكي ! وأين الأشغال والمخازن والمهمات وأين من كان يعمل بها! ألوف ! ألا يذكرنا ذلك بألوف من البشر فقدوا في هيروشيما وناجازاكى ! الكثير من شبابنا الشفاتة وبناتنا الكنداكات لا يعرفونها ولا أين كانتّ ! قل لي أين قهوة أتني وقهوة الزبير وقهوة مارنجاي في الخرطوم أو قهوة يوسف الفكي وقهوة جورج مشرقي القهوة التي يجتمع فيها الفنانون والأدباء في أمدرمان! ألم أقل لكم دمار هيروشيما وناجازاكي!
كان النظام البائد يستخدم قنابل ذرية ذكية ! ألم تكن القنابل التي أصابت مشروع الجزيرة قنابل ذرية ذكية ؟ فقد دمرت المزارع ( بضم الميم ثم فتحها) والمحالج والمطاحن والري والسكة حديد الجزيرة ، والقنبلة التي ضربت السكة حديد الجزيرة الأكثر ذكاء (تحتاج تدرس في الكليات العسكرية !) ، تخيل قنبلة تضرب فتدمر وتوجه مقذوفاتها (أعمدة خطوط سكة حديد وفلنكات) الي مصانع محددة ليتم صهرها واستخدامها في منتجات صناعية أخري! يعني قنبلة ذرية ذكية مدمرة ومعمرة ! وقس علي ذلك القنابل التي ضربت السكة حديد عامة من وابورات وعربات نقل وركاب وخطوط وقبل ذلك القوة البشرية العظيمة الدينمو المحرك لها ونذكرهنا الدمار الهائل الذي أصاب الخطوط الجوية السودانية وخطوطها في السماء! (خط هيثرو) والخطوط البحرية والتي نسفت تماما !
منصب مدير عام المستشفى: في المستشفيات كان الدمار مذهلا ! إتدرون لماذا ؟ الإجابة بسيطة لانها كانت البؤر التي يعمل بها الأطباء والكوادر الصحية النيرة ويتجمعون فيها (نقابة الأطباء طبعا دمرت مبكرا) ويمكن ان تكون بؤرا للنضال والثورة (وقد حدث ذلك رغم القيود). لقد ظهر في العهد البائد من يمكن ان يسمي السيوبر طبيب أو الطبيب الخارق ، كيف؟ يمكن ان تشغل منصبين كبيرين في مكانين متباعدين، مثالا لذلك يمكنك أن تكون طبيبا وتعمل عميدا لكلية للطب في أحد الجامعات وفي ذات الوقت تكون مديرا لمستشفى الخرطوم التعليمي أو مديرا لمستشفى بحري التعليمى! والهدف تفكيك وتدمير المستشفيات واذلال الأطباء وقمعهم والتضييق عليهم فهاجر الكثيرون. وهنا تمت الإطاحة بلوائح المستشفيات في اختيار مدير عام المستشفى من الاستشاريين العاملين بالمستشفى المعني. وهذا يذكرني بقول كبيرهم في التسجيل المسرب في قناة العربية وهو قانوني ضليع! فيما يختص باختيار مدراء الجامعات، فقد قال: كنا نستخدم اللائحة لاختيار المدير فان شعرنا بأنها لا تأتي بمن نريد نعدل اللائحة ! وأعترف بأن ذلك جلب لهم ضررا كبيرا! بالله شوف! ومثال للتدمير في المستشفيات مستشفى الخرطوم، فقد تم استهدافه لانه المستشفى المرجعي الرائد والقائد (أبو المستشفيات في السودان)، وكان يستقبل المرضي المحولين من الخرطوم ومن كل أنحاء السودان. فأين المباني والمعاني في مستشفى الخرطوم ؟ أقصد بالمباني أين مجمع الطوارئ العريق وقسم النساء والتوليد وقسم الطب النفسي؟ (علمت ان هناك إصلاحات تتم بعد الثورة) وأين المشرحة والتي نقلت الي مستشفى بشائر لشئ في نفس يعقوب ! وأقصد بالمعاني الوحدات الطبية لكبار الأساتذة الأطباء من وزارة الصحة وجامعة الخرطوم والعمل اليومي الذي يجري علي مدار الساعة والذي تقوم به كل الكوادر الصحية في تناغم وانسجام تامين لخدمة المرضي .وأين التدريب؟ فقد خسرنا تواصل الأجيال ولم يعد لدينا أطباء كبارا أو صغارا !
أطباء المؤتمر الوطني المحلول والحراك الثوري: لا ينكر أحد الدور الكبير الذي قامت به الكوادر الطبية بمختلف تخصصاتهم، فقد تقدموا الصفوف واستشهد منهم الكثيرون من أجل نجاح الثورة وإزالة الظلم والطغيان. في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة العربية بعنوان ” الأسرار الكبرى” لتنظيم الأخوان الجزء الثالث وفيما يخص اضراب الأطباء اثناء الحراك الثوري ( كان الأطباء يقومون بتغطية الحالات الطارئة )، في الفيلم الوثائقي ظهر مسؤول الأمن الشعبي وأنقل هنا ما قاله بالحرف في التسجيل لاحتواء اضراب الأطباء (فيما يخص حركة الإضرابات قامت لجنة إدارة أزمة اضراب الأطباء بعمل بعض المعالجات المتمثلة في جمع أطباء المؤتمر الوطني لتنويرهم ودفعهم للانخراط في المستشفيات المضربة وقدمت حوالي 447 طبيبا منهم 415 من الخدمة الوطنية و25 من القوات المسلحة و7 من الجمعية الطبية …… كذلك ما تزال تداعيات الصراع التنظيمي والإداري في القطاع الصحي ..). هناك ملاحظتان: الأولي من آخر التقرير حيث قال ( وما تزال تداعيات الصراع التنظيمي والإداري في القطاع الصحي .. ) يقصد مستمرة ! يحدث هذا بعد ثلاثين عاما من الحكم للحزب الرائد مما ادي في نهاية الامر لانهيار القطاع الصحي نتيجة للسياسات القاتلة التي اتبعها النظام البائد والتي قاومها العاملون في القطاع الصحي وفي مقدمتهم فئة الأطباء. تذكروا هيروشيما وناجازاكي وبعد كل هذا الدمار كان هدفهم 2020 ليواصلوا استعباد العباد! ولمزيد من القنابل! لم يتبق شيء لتدميره!! الملاحظة الثانية (حشدت لجنة إدارة الأزمة 447 طبيبا لكسر اضراب الأطباء المناضلين) ، لاحظ ان 415 طبيبا منهم من الخدمة الوطنية وهم ابناؤنا الأطباء الأعزاء في العتبة الأولي لحياتهم المهنيه ومحكومون بقانون الخدمة الوطنية وهو قانون عسكري ، أري انه يحتاج الي مراجعة ( دور نقابة الأطباء الجديدة) ، فهم ملزمون بالعمل الي حيث يوجهون، وهناك 25 طبيبا من السلاح الطبي وهؤلاء أيضا محكومون بالقانون العسكري وتبقي 7 أطباء من الجمعية الطبية . السؤال: أين أطباء المؤتمر الوطني اللذين حشدتهم لجنة إدارة أزمة اضراب الأطباء ؟ مسئول الأمن الشعبى ذكر في مقدمة حديثه انه تم جمع أطباء المؤتمر الوطني لتنويرهم ودفعهم للانخراط في المستشفيات المضربة ولكن عند التفصيل ذكر أطباء ليس بينهم طبيب واحد من المؤتمر الوطنى ! مرة ثانية أين هم ؟ أين هم أطباء المؤتمر الوطني اللذين كان يعتمد عليهم الحزب في كسر وحدة الأطباء ، في اعتقالهم وقمعهم واذلالهم وافشال اضراباتهم وتحركاتهم نحو الإصلاح ؟ أين هم وقت حارتهم ؟ حينما اوشكت السفينة (التيتانك) علي الغرق قفز أطباء المؤتمر الوطني علي جميع قوارب النجاة الموجودة بها ولم يتركوا قاربا واحدا ورائهم ، وغادروا الي دول الخليج بعد أن نالوا الشهادات والخبرة وبني بعضهم العمارات ! هذا ليس بلاغا للجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد! وقد يكون هروبهم الخوف من تنفيذ السياسة العمرية والتي كان من المتوقع أن يقوم بها الرئيس المخلوع اذا فاز في انتخابات 2020 (والتي فلقوا بها دماغنا أيضا 2020!) والسياسة العمرية اقترحها أحد ألأعضاء في التسجيل الذي أشرت اليه سابقا حيث قال بالحرف ” نحنا فاكنها (لاتوجد محاسبة) ليه ما يفسدوا ! .. أنا أقترح علي هذا المجلس الموقر (!) أن نتبع السياسة العمرية.. أقول الرئيس يشاطر الجماعة.. العندو عمارتين يشيلو منه عمارة ويخلو ليه واحدة …والعندو عمارة بأربعة طوابق تتباع ويأخذ طابقين و …. والفساد دا عام “. وقال كبيرهم في التسجيل المسرب ( لا داع للخوف أو الرجفي … أن المظاهرات لن تسقط النظام .. حكاية سقوط النظام شيلوها من راسكم ان شاء الله ، الاَ ان شاء الله أمرا غير ذلك)!! ومشيئة الله هذه ما تمناها الشعب الثائر- معلم الشعوب – وقد تحققت والحمد ألله علي ذلك. طبعا الرجفي كانت واضحة جدا ! والا فلماذا عقد مجلس إدارة الأزمة أكثر من 38 اجتماعا منذ بدايتها ، ويأخذ الاجتماع الواحد أقل شيء 4 ساعات لمناقشة تقارير يومية لعدد 8 أو 9 أجهزة أمنية كما ذكر ذلك الفاتح عزالدين ومما قاله أيضا ” نصحي نصلي الصبح ونجي الاجتماع …. ومعنويات الناس كانت تصفر(تهبط) وترجع ثاني (عدة مرات)… ولما توفي الطبيب دا رجعنا للصفر”. ورغم ان الجماعة قرروا أن يتغدوا برأس النظام لإنقاذ أنفسهم ولكن بعدها حدث ما حدث ! فالقنبلة الذرية (تسقط بس) التي قذفهم بها شباب الثورة دمرتهم جميعا أذ فاجأتهم من حيث لم يحتسبوا !
فيما يخص المواقع التي تحدثت عنها في الهيكل التنظيمى لوزارة الصحة خلال الثلاثين عاما مقارنة بالوضع الآن في الفترة الانتقالية (اذ مر عليها 8 أشهر) فملاحظاتي في أيجاز شديد : منصب الوكيل تم شغله بزميلة طبيبة وهي تملك المؤهل ونقدرها ونحترمها كونها أول أمرأة تشغل هذا المنصب فالمرأة تستحق الكثير وبجدارة فقد كانت شعلة الثورة وفي مقدمة الحراك وقد سبقت الرجل لإنقاذ المصابين حين كان رصاص الغدر والخيانة ينهمر عليهم من كل صوب لكن تنقصها الخبرة الكافية لادارة الموقع ، تلك الخبرة التي كانت تؤهل مدير عام وزارة الصحة في الإقليم الأوسط لينتقل من مدني مترقيا وكيلا لوزارة الصحة الاتحادية بعد ان يعمل بكل أو معظم أقاليم السودان. وقد علمت من مذكرة من منسوبي وزارة الصحة الاتحادية بتاريخ 10/5/2020 الموافق 16 رمضان 1441 وموجهه الي كل من السيد الوزير والسيد الوكيل والسادة رؤساء وأعضاء لجان جائحة كورونا المحترمين ( مذكرة حول الوضع الصحي في البلاد وجائحة الكورونا) بأن هناك قرارت صدرت من السيد الوزير هي من صميم اختصاص السيد الوكيل وهذا موضوع خطير ويعني ببساطة انه لا داعي لمنصب السيد الوكيل وهذه قنبلة ذرية صغيرة (نبران صديق) نسفت صلاحيات السيد الوكيل ولا تختلف بأي شكل من الأشكال عن القنابل الذرية للعهد البائد فليس هناك بعد الثورة مكان للوزير السيوبر أو الوزير الخارق.
وفيما يخص مناصب المدراء العامين بالولايات لا أملك معلومات كافية عنها لكن ما وصلني منها من بعض الولايات يشير الي ان البعض منها شغل بأطباء اختصاصيين في الطب العلاجي وبعضهم من تخصص طب الأسرة وبعضهم من طب المجتمع ومع احترامي لتخصصات الزملاء في الطب العلاجي وطب الأسرة وتقديرنا للدور الكبير الذي يقومون به في المؤسسات الصحية المختلفة لكن هذه المناصب لا بد أن يتم شغلها باختصاصي طب المجتمع لان هذا مجالهم الذي أعدوا له ومن هنا تكون بداية الإصلاح الصحي في الولايات.
بالنسبة لوباء كورونا واستجابة وزارة الصحة والدولة والمجتمع لاحتواء الجائحة فاني أتساءل أولا كيف دخل الفيروس الي السودان؟ لأن كل الحالات الاولي المكتشفة كانت لعائدين من الخارج أو لمخالطين لهم. وهذه الحالات كان من الممكن تجنبها لولا هشاشة الوضع الصحي كما ذكرت أعلاه. اذ لم تتمكن السلطات من منع دخول العائدين اليها وحينما دخلوا لم تتمكن من تنفيذ الحجر الصحى عليهم لمدة أسبوعين فترة حضانة الفيروس لذلك شهدنا فترة الانتشار المجتمعي للفيروس فيما بعد وصعب تتبع المصدر والمخالطين. وهناك صعوبات كثيرة واجهت التدخلات المختلفة لاحتواء الفيروس منها علي سبيل المثال نقص الكوادر الصحية أضافة لانهاكها واستنزافها (جزء منها أصيب بالفيروس ومنهم من فقد روحة بسببه – رحمة الله عليهم )، تقصي وفحص الحالات، قلة المعدات الوقائية الشخصية للكادر الصحي وللجمهور وغلاء بعضها ان وجد (الكمامات مثالا)، النقص في مراكز العزل وضعف تجهيزها، الاعاشة، السكن والترحيل والحوافز للكوادر العاملة، مشاكل صحية أخري غير مرتبطة بالفيروس كالأمراض المزمنة (الضغط،الأزمة) والحالات الطارئة كالتهاب الزائدة والولادة (طبيعية أو قيصرية) وغيرها وجدت صعوبة كبيرة في المعالجة‘ اذ لم تجد من يستقبلها في المستشفيات العامة أو الخاصة، هذا إضافة الي حالة انكار واسعة للمرض (بحسن نية أو سوء نية) مع بروز وصمة صاحبت المرض رغم انها مفيدة بعض الشئ! فقد تؤدي الي التباعد الاجتماعي المطلوب لتقليل انتشار الفيروس! ولكن خطورتها انها قد تؤدي الي عدم التبليغ عن الحالات ومن ثم الي انتشار الفيروس، وصاحبت الحظر المفروض علي المواطنين صعوبات عدة (النقص في الخبز والغاز والوقود) أدت الي الزحام والذي ساعد بدوره في انتشار الفيروس. ورغم ذلك يبقي اتباع الإرشادات الصحية الوقائية مثل غسل اليدين ولبس الكمامة والتباعد الاجتماعي ضروري للوقاية من الفيروس. وهنا أوافق أستاذنا الجليل الفاتح السماني رأيه والذي ورد في مقطع مسجل فقد اقترح قيام جسم موازي للخدمات الصحية العامة للتعامل مع جائحة كورونا يبدأ من الأحياء وبالتنسيق بين إدارة الوبائيات ولائية واتحادية ولجان المقاومة والتغيير في الأحياء بحيث تبلغ الأخيرة بالحالات المشتبهه في الحي وهذه بدورها تبلغ إدارة الوبائيات والتي تقوم بدورها بالتقصي والفحص للحالات ونقلها الي مراكز العزل بعيدا عن المراكز الصحية والمستشفيات حتي لا يتم نقل العدوي للمترددين عليها بامراض أخري غير كورونا .
لا ننكر الدور الذي تقوم به وزارة الصحة رغم الصعوبات الكبيرة. ولا يفوتني هنا ان أشيد بالعمل الذي يقوم به شركاء الصحة في مكافحة الوباء وتحية واشادة بكل الكوادر الصحية العاملة في مكافحة هذا الوباء في تجرد ونكران ذات وبتضحية بالنفس وهي أغلي ما يملكه الفرد، حفظهم الله ورعاهم جميعا.
السؤال الهام كيف ينصلح الحال ومن أين نبدأ بعد هذا الدمار الهائل ؟ الآن العالم كله مشغول بمجابهة جائحة كورونا. والسودان ليس استثناء ولكنه يواجه الفيروس وهو في ظروف اقتصادية أكثر حدة وتعقيدا من غيره مع ضعف في الوضع الصحي ويحتاج لمساعدات مقدرة داخلية وخارجية ( أعتقد توفر منها المقدر) تعينه علي تخطي هذه المرحلة. أقترح قيام مؤتمر صحي جامع لاصلاح القطاع الصحي بالسودان (لا أقل أنقاذ لان هذه الكلمة ارتبطت في الذاكرة بعكسها تماما أي دمار) وذلك بعد السيطرة علي أزمة كورونا ووصول الحالات الي درجة الصفر. يعد لهذا المؤتمر شباب السودان العامل في القطاع الصحي بكل مكوناته واستقطاب من يستطيع المساهمة من الخريجين الجدد فهم طاقة هائلة لا يستهان بها. وتتم الدعوة لعلماء وخبراء من داخل وخارج السودان في النظم الصحية لتقديم الرعاية الصحية للمواطنين وخاصة من الدول التي لديها تجارب رائدة في هذا المجال. ويمكن لمكتب منظمة الصحة العالمية بالخرطوم أن ينسق مع رئاسة المنظمة في جنيف موضوع مشاركة خبراء دوليين اذا طلبت منه وزارة الصحة ذلك ولا أظنه يبخل علي الوزارة فقد قدم الكثير من قبل. ولما كان التدمير شاملا أتمني ان تقوم مؤتمرات مماثلة للاصلاح التعليمى والزراعي والصناعي والإعلامي والسياسي وغيرها.
كلمة أخيرة : أعيد وأذكر التعليم أولا كما فعلت اليابان فهو مفتاح باب نهضة الأمم ولا مستحيل تحت الشمس.
وبالله التوفيق
د/سيد حلالي موسي
halaly1955@gmail.com