الإثنين
في السَّادس عشر من أغسطس الجَّاري تهلُّ الذكرى الرَّابعة والسَّبعون لتأسيس الحزب الشِّيوعي السُّوداني. وعلى كثرة الأحداث التي جرت طوال ذلك العمر، إلا أن ثمَّة أثراً حاسماً، بوجه مخصوص، لأحداث بعينها وقعت بين شهري يوليو ـ أغسطس 1977م، في ما يتَّصل ببلورة موقف الحزب النِّهائي من قضيَّة “الدِّيموقراطيَّة/الإنقلابات العسكريَّة”. فمنذ سنوات الاستقلال الباكرة ظلَّ الصِّراع محتدماً، داخل هذا الحزب، بين فكر الطبقة العاملة الذي يتَّسق، اتِّساقاً تامَّاً، مع الدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة/الليبراليَّة القائمة على أوسع الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة للجّماهير، وبين نظريَّة البُرجوازيَّة الصَّغيرة التي تؤسِّس للنَّزعة الانقلابيَّة والتَّغيير الفوقي. على أن المواجهة الأبرز بين تينك التَّيَّارين تزامنت، بالذَّات، مع اتِّفاق بورتسودان المفاجئ، عام 1977م، بين “النِّميري” وبين قيادة “الجَّبهة الوطنيَّة”، آنذاك، ممثَّلة في الصَّادق المهدي، أو ما عُرف بـ “المصالحة الوطنيَّة” التي كان ميسِّرها الأساسي رجل الأعمال فتح الرَّحمن البشير.
قبل مطالع يوليو 1977م لم يكن موقف الحزب الشِّيوعي من التكتيك الإنقلابي قاطعاً، بما يكفي، في أذهان الجَّماهير الشَّعبيَّة، بل ولا حتَّى في أذهان قطاعات واسعة من عضويَّة الحزب نفسه. لكن التَّاريخ المذكور شهد تدشين التَّغيير الحقيقي في موقف الحزب من تلك المسألة الدَّقيقة والمعقَّدة، عبر إحدى أشهر دورات لجنته المركزيَّة ذات الطابع البرامجي. فمع أن تلك الدَّورة كانت مخصَّصة، أصلاً، لتداول ومناقشة قضايا “السِّياسة الخارجيَّة”، إلا أنها تناولت، عمليَّاً، وفي إطار مفاهيمي واسع، بعض الموضوعات ذات الارتباط، بالضَّرورة، مع الموضوع الأصل، كالدِّيموقراطيَّة، والانقلابات، والتَّحالفات، ليس في السُّودان، فحسب، بل وفي بلدان المنطقتين العربيَّة والأفريقيَّة، مِمَّا أفضى إلى استنتاجات غاية في الأهميَّة. وقد يكفي أعجل نظر في وثيقة تلك الدَّورة لملاحظة ما اجترحت، في مستوى الثَّورة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، من أسس نظريَّة أكثر أصالة مِمَّا ظلَّ يُطرح، تقليديَّاً، ضمن أدبيَّات الثَّورة العالميَّة والإقليميَّة العامَّة، في البلدان المتأثِّرة بالمدرستين السُّوفيتيَّة والصِّينيَّة. فعلى الرُّغم من أن قضيَّة الدِّيموقراطيَّة، بدلالة الحريَّات والحقوق السِّياسيَّة لجماهير العاملين، قد سبق التَّطرُّق إليها، على نحو أو آخر، من خلال المؤتمر الرَّابع للحزب (أكتوبر 1967م)، إلا أن من أهمِّ ما أنجزت دورة يوليو 1977م القطيعة التَّامَّة مع نزعة التغيير البُرجوازيَّة الفوقيَّة، والتَّحوُّل الصَّارم إلى الاستمساك بضرورة انطلاق هذا التَّغيير من قلب حركة جماهيريَّة متمتِّعة، قبلاً، بحريَّاتها العامَّة، وحقوقها الأساسيَّة، حيث أكَّدت خبرة العديد من تلك البلدان، كنموذج النَّاصريَّة في مصر، على أنه، بمنأى عن الدّيموقراطيَّة، والمشاركة الجَّماهيريَّة الحقيقيَّة، والفاعلة، فإن عمليَّات كالإصلاح الزِّراعي، وتأميم المؤسَّسات الأجنبيَّة، على سبيل المثال، لن تعدو كونها تدابير معزولة يسهل إلغاؤها لدى أوَّل انقلاب مضاد، دون أن تملك الجَّماهـير ما يؤهِّلها لحمايتها!
وما كاد ينقضي شهر على تلك الدورة، حتَّى عقدت اللجنة المركزيَّة، في أغسطس 1977م، دورة أخرى استثنائيَّة، ناقشت، من خلالها، “مصالحة فتح الرَّحمن البشير”، وقيَّمت الأوضاع والملابسات التي أفضت إليها، ومن ثمَّ أكَّدت رفضها لها، وأصدرت، بدلاً عنها، وثيقتها الشَّهيرة الموسومة بـ “الدِّيموقراطيَّة مفتاح الحلِّ للأزمة السِّياسيَّة: جبهة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن”، والتي أرسى الشِّيوعيُّون فيها نقدهم لتلك المصالحة على منصَّة الموقف من قضيَّة الدِّيموقراطيَّة، ومن القوانين والمؤسَّسات التي تتهدَّدها بالمصادرة، دون الاتِّفاق على إلغائها أو تصفيتها، موضحة أن أيَّة “مصالحة” جادَّة لا بُدَّ أن تنطلق من قاعدة الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة للجَّماهير، أي الدِّيموقراطيَّة الكاملة التي اعتُرف لها بها، ولو نظريَّاً، منذ فجر الاستقلال، وإلا فلن يكتب للسُّودان أيُّ استقرار، أو تطور، مهما نشط التَّبشير بهما، سواءً تحت شعار “الدُّستور الإسلامي”، أو “الدُّستور الإشتراكي”!
هكذا رسخ في وعي الشِّيوعيِّين، منذ ذلك الوقت، وفي خطهم الدِّعائي، بالتَّبعيَّة، أن “النِّضال من أجل الاشتراكيَّة مستحيل بدون النِّضال من أجل الدِّيموقراطيَّة”، فراحوا يدعون لبلورة نشاط المعارضة في جبهة واسعة توحِّد الأحزاب، والتَّيَّارات السِّياسيَّة، والمنظمات المدنيَّة، والاتِّجاهات الفكريَّة، والشَّخصيَّات الوطنيَّة، في مسيرة تحالف قاصد على طريق النِّضال من أجل الدِّيموقراطيَّة، والسَّيادة الوطنيَّة، والتَّقدُّم الاجتماعي، تحمُّلاً لمشاقَّه، وقبضاً على جمره، وحشداً للقوى الجَّماهيريَّة كافَّة باتِّجاه الانتفاضة الشَّعبيَّة التي تنازل الشُّموليَّة والدِّيكتاتوريَّة العسكريَّة، دون أن تضطرَّ للتَّورُّط في أيَّة مؤامرة انقلابيَّة.
الثُّلاثاء
في أحد مشاهد المسلسل المصري «العميل 1001»، حول أحداث ما قبل حرب أكتوبر 1973م، عبَّرت نيللي كريم، لأبيها، الجَّنرال المتقاعد في المسلسل، عبد الرحمن أبو زهرة، عن قلقها من استمرار حالة اللاحرب واللا سلم مع إسرائيل إلى ما لا نهاية، فردَّ عليها، قائلاً، بثقة، وثبات، وصرامة: «مستحيل يا بنتي. مصر لا يمكن أبداً تنام على تارها. لازم يجي يوم تقوم فيه وتحارب، وتسترد أرضها وكرامتها»!
لحظتها قفز إلى ذهني مشهد جنرالاتنا «البواسل!» يصارعون السَّاسة المدنيِّين على كراسي السُّلطة، تاركين الفشقة بين أيدي الإثيوبيِّين، من ناحية، وحلايب وشلاتين بين أيدي المصريِّين، من ناحية أخرى .. فكادت العَبَرة تسدُّ حلقي!
الأربعاء
أثناء نبشي، ذات نهار، بمكتبي، في ملفات قانونيَّة قديمة، بحثاً عن مرافعات سابقة تتَّصل ببعض مسائل “التَّركات”، وقعت في يدي ورقة عليها كتابة بخط يدٍ يوحي بأن صاحبه نصف أميٍّ، فقفزت إلى ذاكرتي، فوراً، ملامح عِتْمان “بكسر العين وسكون التَّاء”، ذلك الشَّاب المستعرب المسلم، بجسمه البدين، ولكنته الرِّيفيَّة، وجلبابه الأزرق الباهت، وشعره القصير النَّاعم، وسنوات عمره التي لا تزيد عن العشرين، وقد تنقص، والفصدان الصغيران إلى جانب عينه اليمنى، وكان طرق باب مكتبي، منتصف ظهيرة قائظة في تسعينات القرن المنصرم، تسبقه بطاقة مكتبيَّة صغيرة من سكرتيرتي توضِّح اسمه، وأن موضوعه “طلب استشارة”، وكان برفقته قريب له من جهة والده، كما قالا، بعرَّاقي وسروال يكسوهما السَّواد، وبصوتٍ صفائحيِّ، ورأس أصلع ضخم، وعنق ناحل معروق، وقد بدا عليه أنه بائع فحم، أو شئ من هذا القبيل.
إجترعا كوبين من الماء المثلج، وهما يلهثان، وجلسا صامتين إلى أن قلت لهما إنني رهن إشارتهما. عندئذٍ تكلم عِتْمان، بنظرات خائفة، وحنجرة واجفة، وكلمات راجفة، ونبرات يكاد يخنقها القلق، قائلاً ما فهمت منه، بعد لأي، إنه يطلب النُّصح في شأن قطعة أرض ضمن «تركة» أمِّه في بعض نواحي بحر ابيض. لكنه، بسبب من رهب خفي، واضطراب داخلي، حسب ما خيِّل إليَّ، أخذ يتأتئ، ويفأفئ، ويتلعثم، فلا يحسن الشَّرح، ويعجزه التَّبسيط، ويطيل في الحكيِّ، واللتِّ والعجن، والعجن واللتِّ، يُدْخِلُ كلَّ واقعة في أختها، وكلَّ مسألة في الأخرى، حتَّى تعقَّدت روايته تماماً، وأضحت غير مفهومة البتَّة، دَعْ أن تصلح للتأسيس لاستشارة أطمئن لها، خصوصاً وأن قريبه الفحَّامي كان ما ينفكُّ يتحشَّر، ويقاطع، ويتداخل، ويثرثر، متبرِّعاً بكلام يفتقر، هو الآخر، إلى التَّماسكُ، بل إلى أيِّ معنى محدَّد، رغم تنبيهي له، أكثر من مرَّة، بألا يفعل، وأن يلزم الصَّمت! عند ذاك ناولت عِتُّمان ورقة وقلماً، وطلبت منه تدوين روايته، قلت ربَّما يختصر، ويبين، فأفهم. طفق يكتب، كما لاحظت، بارتباك وتردُّد، وصعوبة جمَّة، وبذلك الخطِّ نصف الأمِّي. لكنه ما لبث أن رفع رأسه عن الورقة، وعاد يحاول أن يشرح لي بالكلام، مجدَّداً، ما لم يستطع تدوينه على الورقة من تعقيدات في الوضع الأسري يخشى أن تتسبَّب في ضياع حقِّه في «الميراث». فقلت لنفسي من الأحسن أن أحدِّد له النِّقاط التي أريد أن أفهمها، وأسأله عنها، واحدة فواحدة، ثمَّ أدوِّن إجاباته بنفسي. لكن المفاجأة المدوِّية سرعان ما وقعت حين كان السُّؤال الأوَّل الذي ابتدأت به هو ذاته السُّؤال الأخير الذي انبترت به القصَّة الطَّويلة، فأضحت قصيرة، فلم تعُد ثمَّة استشارة .. ولا يحزنون!
الشَّاهد أنه كان من الطبيعي أن أسأله، أوَّل شئ، عن تاريخ وفاة والدته. فإذا به يطرق، هنيهة، قبل أن يفجِّر قنبلته الدَّاوية، وإن بصوت خفيض:
ـ «لسَّع .. لسَّع ما ماتت»!
للوهلة الأولى لم أفهم، أو بدا لي أنني لم أسمع جيِّداً! ثمَّ، عندما بدأت أفهم، كادت تلجمني المفاجأة!
ـ «تقصد أمَّك حيَّة»؟!
لاذ بصمت غريب، فتدخَّل الصَّوت الصَّفائحي:
ـ «أصلو هي راقدة .. راقدة يا مولانا ليها شهرين في الاستبالية .. غمرانة مركِّبين ليها السلوك وما فارزة أيتها شي .. لكين الدكاترة قنعانين وقالوا بعد ده ما في فايدة»!
ألفيتني أصيح، غاضباً، في وجه عِتْمان:
ـ «ولو .. بلاش كلام فارغ .. عايز ترث امَّك بالحيا، وجاييني كمان عشان اساعدك»؟!
ران على المكتب سكون زئبقي، قطعْته بأن نهضتُّ من مقعدي، عندما بلغتني نهنهاته، ولمحت دمعاً يترقرق في مآقيه، فتوجَّهت لأجلس في مقعد إلى جواره، بينما راح الصَّوت الصَّفائحي يتأتئ ويفأفئ، ولكن بحماس، قاطعاً الصَّمت بكلامه غير المفهوم، فتأكَّد لي، لحظتها، أنه هو صاحب تلك الفكرة الشَّيطانيَّة الحبلى بأجـندته الخاصَّة، فتجاهلته، وأخذت أربت على كتف الشَّاب مترفِّقاً به:
ـ «قوم ياخي .. ما تقلق .. خُتْ الرَّحمن في قلبك والزم امَّك في المستشفى .. ولمَّا صاحب الوداعة ياخد وداعتو اتفضَّل تعال لي»!
خرج عِتّْمان يتبعه قريبه الفحَّامي محتقباً أجندته الافتراضيَّة، وبقيت وحدي أحدِّق، ساهماً، في الفراغ العريض المنبسط فوق أسطح العمارات عـبر النَّافـذة، بينما فكـرة المـوت التي انشحنت بها كلماته «الدكاترة قنعانين قالوا ما في فايدة» تكاد لا تفارق عقلي، متداخلة مع كلمات المولى عزَّ وجلَّ: «إِنَّك مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونْ» (30 ؛ الزمر). إنه وعد العاقبة، وتلويحة النِّهاية، والقضاء اللازم، والأمر الحاتم، فلا يعجزه المقيم، ولا يفلت منه الهارب، وهو الختام، من قبل ومن بعد، لكلِّ موجود ما خـلا وجـه الكريـم. ونفاذ هذا الوعـد على الجَّميع «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَـةُ الْمَـوْتِ» (185 ؛ آل عمران)، يقترن، تماماً، عند المؤمنين، بوعد الحياة الأخرى: «وَنَبْلوَكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (35 ؛ الأنبياء). هذه الرَّجعة المحتومة هي، نفسها، ما قذف الله بوعدها، أيضاً، في ألباب فلاسفة كثر، أغلبهم غير مسلمين، من مدارس مختلفة، وأزمنة شتَّى. ومع ذلك كادوا يتطابقون مع هذا الوعد القرآني، فأجروا فيه تأمُّلات وضعيَّة غاية في العمق. رينيه ديكارت، مثلاً، شدَّد، في القرن السَّادس عشر، على أن الأنفس وُلدت لتتمتَّع، لاحقاً، بفرح يفوق كثيراً ذلك الذي تتمتع به في العالم الآني؛ وبليز باسكال أكَّد، في القرن السَّابع عشر، على أن أخيَر ما في هذه الحياة هو الأمل في حياة أخرى؛ أمَّا إمانويل كانط فقد ذهب، في القرن التَّاسع عشر، من خلال مؤلفه عن «العقل الخالص»، إلى محاولة تبرير الخلود، فلسفيَّاً، بأن الموت ليس إلا قناعاً يخفي نشاطاً أكثر مغزى، فهو محض مظهر مرئي للحياة الأخلاقيَّة؛ وأمَّا فريدريك نيتشة فقد أكَّد، في القرن التَّاسع عشر، أيضاً، على فكرة الحياة الأخرى، واصفاً الانتقال، ساعة الموت، بأنه ما من وقت ينقضي بين لحظة الوعي الأخيرة للإنسان، وبين أوَّل شعاع لفجر الحياة الجَّديدة، حيث سينزاح المكان، فوراً، كلمعة برق!
لم يكد ينقضي أسبوع على زيارة عِتْمان وقريبه لمكتبي حتَّى بلغت مسامعي، ذات ضحى، رنين الطرقعة الصَّفائحيَّة آتية من خلف بابي الدَّاخلي المغلق، بل من عند الباب الخارجي للمكتب كله، ثمَّ ما لبثت السِّكرتيرة أن طرقت الباب، ثمَّ دخلت على عجل لتخطرني، منزعجة، بأن الفحَّامي يريد مقابلتي. دخل وراءها، حتَّى قبل أن تكمل الاستئذان له، محدثاً جلبة، ويرتجف مذعوراً، ويلوِّح مضطرباً، ويولول لاهثاً، والعرق يتصبَّب، مدراراً، من جسده، ويبلل ملابسه، بينما رأسه الأصلع الضَّخم يكاد لا يستقرُّ على عنقه الناحل المعروق، مترنِّحاً ذات اليمين وذات الشَّمال، في إيماءات تمزج بين التَّعجُّب، والهلع، والحيرة، والاندهاش:
ـ «يا مولانا .. يا مولانا .. البركة فينا وفيكم»!
ـ «ماتت»؟!
ـ «لالا .. عِتْمان! كان امبارح بايت في نجيلة الاستبالية لا بيهو لا عليهو، الصَّباح فضل راقد متغطى بي عِمَّتو لحدِّي ما الشَّمِش فقعت، والنَّمل اتلمَّ فوقو، جينا نتوِّره .. وبس»!
الخميس
في حوار معه حول المذكِّرة التي قدَّمتها قيادة الجَّيش إلى حكومة الصَّادق المهدي، مطالع 1989م، والتي عدَّها معظم المحللين السِّياسيِّين من أهمِّ الإرهاصات الأولى للانقلاب الإسلاموي الذي وقع، لاحقاً، في الثَّلاثين من يونيو من ذلك العام، قال الفريق أول ركن إسحق إبراهيم عمر، قائد اللواء الرابع، آنذاك، التَّابع للفرقة الثانية: «بعثت برقيَّة إلى قيادة القوَّات المسلحة عبَّرت فيها عن تأييدي للمذكِّرة قلباً وقالباً، رغم أنني .. لم أطلع عليها مطلقاً لأنني كنت بعيداً عن الخرطوم» (الصَّحافة، 18 مارس 2008م) .. فتأمَّل!
الجمعة
المحاكمة الجَّنائيَّة، أيَّة محاكمة جنائيَّة، كبُرت أم صغُرت، تسير إجراءاتها، طالما كانت غير إيجازيَّة، وفق خطوات واجبة الاتِّباع، بموجب المادَّة/139 من قانون الإجراءات الجَّنائيَّة لسنة 1991م، ابتداء من أ/ التَّحقُّق من البيانات الأساسيَّة حول المتَّهم، والشُّهود، والدَّعوى؛ ب/ سماع «خطبة الادِّعاء»، وأقوال المتحرِّي، والشَّاكى، إن وُجد، ومناقشتها؛ (ج) إجابة المتَّهم على الادِّعاء؛ (د) بيِّنة الاتِّهام ومناقشتها .. الخ.
ذلك يعني أن القضيَّة الجَّنائيَّة تبدأ بقضيَّة الاتِّهام. والخطوة الأولى في قضيَّة الاتِّهام تبدأ بجلسة إجرائيَّة، أو بترتيب إجرائي، حسب الحال، لتستبين المحكمة البيانات الأساسيَّة حول شخصيَّة المتَّهم، وضامنه، وما إن كانا ماثلين أمامها، وشخصيَّات الشُّهود، وما إن كانوا معلنين إعلاناً صحيحاً، وطبيعة الدَّعوى. أمَّا الخطوة الثَّانية من قضيَّة الاتِّهام، فهي سماع «خطبته الافتتاحيَّة»، مباشرة، في نفس الجلسة أو في الجلسة التَّالية، حسبما تقرِّر المحكمة، إلا إذ تخلى الاتِّهام عنها من تلقاء نفسه، صراحة أو ضمناً، فتنتقل الإجراءات إلى سماع أقوال المتحرِّي، ثمَّ الشَّاكي إن وجد، ومناقشتها، وذلك كله قبل سماع بيِّنة الاتِّهام. فهذه البيِّنة شئ منفصل عن شيئين: عن إفادات المتحرِّي التي لا تتجاوز ما جمعه من معلومات حول القضيَّة، وعن أقوال الشَّاكي التي هي مجرَّد ادِّعاءات لا يُعطى النَّاس بها، لا في الشَّريعة الإسلاميَّة ولا في الشَّريعة الوضعيَّة! هكذا منح المشرِّع الاتِّهام حقَّ المبادئة بالهجوم، الأمر الذي قد يفسَّر بالثِّقل الذي يلقيه على عاتقه، والمتمثِّل في وجوب إثبات قضيَّته دون أيِّ ظلٍّ من الشَّكِّ المعقول، على حين لا يقتضي من الدِّفاع غير مجرَّد التَّشكيك، إلى حدٍّ معقول، في بيِّنة الاتِّهام!
وإذن، فمن نقاط القوَّة القليلة المتوفِّرة للاتِّهام حقُّه في استثمار «خطبته الافتتاحيَّة» في نسج انطباع ابتدائي قوي لدى المحكمة ولدى الجُّمهور، في آنٍ واحد، يكبِّل به الدِّفاع منذ اللحظة الأولى، دون أن يتيح له أيَّة فرصة للتَّداخل بطلبات، أو اعتراضات. فإن أفلح، بعد ذلك، في إثبات هذا الانطباع كسب القضيَّة، وإن لم يفلح خسرها وكسب الدِّفاع؛ فليس من مصلحة الإتِّهام، إذن، التَّنازل عن، أو تفويت فرصته في تقديم «خطبته الافتتاحيَّة» التي تفرض على الدِّفاع أن يكون حريصاً على مسار الإجراءات بما يمكِّنه من الكشف عن أن الانطباع الذي يكون الاتِّهام قد خلفه ضدَّه، منذ الوهلة الأولى، في «خطبته الافتتاحيَّة»، واهٍ وغير حقيقي! أمَّا إذا تنازل الاتِّهام عن حقه في هذه «الخطبة»، صراحة أو ضمناً، فإنه ييسِّر للدِّفاع مهمة تعطيل الإجراءات كلها بالتَّداخل لتقديم الطلبات، والاعتراضات، والاستئنافات التي تعيق مسار الدَّعوى، فلا تمكِّن الاتِّهام من تقديم «بيِّنته» ضد المتَّهم دون شكٍّ معقول، وفي ذلك خسران، وأيُّ خسران!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم