ثنائية المسّاح والكاشف 2-2 .. بقلم: عثمان يوسف خليل

 

معلوم انه ومنذ ان وجدت الخليقة على الارض وجد معها الانسان إيقاعات معينة حيث ان الانسان تعامل معها بعفوية وهذه الأصوات والإيقاعات وجدت هي الاخرى لأغراض قصد منها التنبه كصوت الرعد والريح وغيرها وتطورت هذه الإيقاعات الي تنغيم ومن ثم تحولت الي تطريب ثم هذبها الانسان وطورها الي الآلات والتي ابتدأت بطريقة مبسطة حتى حدث التطور العظيم في ظل التطور الحضاري البشري:

اما في حكاية التطريب اللحني وهو ما نتعارف عليه بالنم فقد استعمله اهلنا بداية مع حيواناتهم خاصة الابالة في ترحالهم الشاق وكذلك تجد رعاة الشاه يلعبون بمزاميرهم في خلائهم الموحش وفي بيوتنا نرى الناس ينامون ويصحوا على الإيقاع والترنيم، فالطفل منذ ان يولد تشنف أذنه هدهدات امه ثم يكبر فتتحول الهدهدة الي غناء وغالباً يسمعه من امه او حبوبته وينتقل الي المدرسه فيسمع الأناشيد الملحنة فتكتمل عنده ملكة التطريب وقد يطور هذه الملكة في داخله ومن ثم يصبح مغني..
الغناء في عمومياته حفظ لتراث أية أمة فالتنغيم كما نعرف له المقدرة ان يترجم احساسيس كل من ليس بأذنيه صمم والحياة إيقاع وتناغم لذلك نحن نحاول ان نواصل ما بدأناه من موضوع ثنائية الفن وخلاصته (مساح وكاشف) في هذا السِفر المتواضع وهي في حقيقة الامر ليست الا محاول للدخول من الباب الأمامي لدهليز صِبتي الفن واساطينه -المساح وصنوه ابراهيم الكاشف- ننقب في طرف ذلك الدهليز فما الاعمال الاّ بالنيات الغريق علنا نجد بضع من ورثة تركها هذين القوسين. ما اكتشفناه واظن ان غيرنا قد سبقنا الي ذلك واقصد هنا ان لهما عوالم مشتركة وتلك العوالم لا يجمعها الا خيط الروح الصيفي.. وما من غريب ان يكتب الشاعر الهميان من الكلام وياتينا معبأ في كبسولات ابداعيه من الكاشف عبقري الغناء على الإطلاق وستعجب من هذه العبقرية ان عرفت انه يلقن القصيدة تلقين مرة واحدة فقط ثم يحولها في لمحمة عين الي عمل متكامل لحناً واداءاً وهو كما أسلفنا امي لا يقرا ولا بكتب ولا يعزف الة البس بذلك يستحق ان ينال ريادة الإبداع ..ولكن ليس المساح باقل ذكاء وعبقرية من صنوه غير ود الكاشف..ذاك العبقري الفذ والذي كشفت له حُجُب الغناء تلحيناً واداءاً فأصبح الغوث الأكبر وحافظ على مكانته الي ان مات ولكنك ان أردت ان تغوص في عالم المساح وان تكتشف هذا العالم فيحب عليك ان تكون متوضئاً من رهق الحياة المادية وان تكتسي بحلة الصبر فتأمل ياهذا هذا العشق الصوفي العفيف والحنين الي الماض حين ناداه ويصيبه الضنى والنحيب الذي يصيب ذلك الدوريش المتعلق بجلباب شيخه:انت بدر السما في صفاك/ قولي من عيني من خفاك / النار ياحبيبي متى وفاك..
وبعد ان يتحسر على بدره المخفي في جب في السماء بعدما بث أنينه وشوقه: قلبي دون الناس اصطفاك/ روحه تسمو سماك الفاك.. ومعروف عند اهل التصوف التهويم والسفر الروحي وتلك لعمري مراتب لا يصلها الا الواصل, ويعود المساح غافلاً ليضع لنا قاعدة محب هلك او كاد: الممات والحياة بين شفاك/ ليك نفور الظبا من جفاك..
ويحلق بنا هائماً فكيف اللحاق بالله عليك وانت في عالمك السماوي : انت كعبة حب لليطوف/ انت جنة دانية قطوف..
اسالكم بالله هل سمعتم بان هناك واحد من الشعراء او من جن حتى قديمهم وحديثهم قد حدثته نفسه وتجرأ وقدّس محبوبته والتي عظمت عنده كما فعل هذا المساح الصوفي الجرئ وصادق كمان..ولكانه درويش انجذب فطار عقله منه وقالو تب ماهو عائد.. لَك ان تتخيل علاقة هذا الشاعر بتلك المحبوبة والتي حُجبت عنه ليصبح تعلقه بها كتشبذ المريد بقدمي شيخه..اما تلك العلاقة فهي اكيد علاقة لا يفهما ابداً إلا المجذوبان المساح وقرينه الكاشف وقد سأل سائل عن هل في هذا البيت من الغنوة اَي شبه من التصوف ولكني واترك الاجابة لحصافة القارئ الذي أحسبه بالغ الذكاء .

عثمان يوسف خليل
Osmanyousif1@icloud.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً