جلب المصالح ودرء المفاسد وخيارات الحزب الشيوعي

 


 

 

"جلب المصالح ودرء المفاسد" قاعدة فقهية تعبر عن إحدى مقاصد الشريعة الإسلامية وبعيداً عن النواحي الفقهية ما نتعلمه من تلك القاعدة الفلسفية العميقة متى نوازن بين جلب المصالح ومنع الفعل الضار من جهة، أيهما السابق وأيهما اللاحق؟ أيهما يقدم وأيهما يؤخر؟ وما دعاني للاستدلال بهذه القاعدة الفقهية هو التعلم في أمر الوطن كيف نجلب مصالحه ونسعى لتقليل الأضرار التي تقع عليه، ومعالجة آثارها بعد وقوعها في ظل وضع هو بغاية التعقيد موضوعياً وذاتياً، داخليا وخارجياً.
منذ الستينات والحزب الشيوعي السوداني يطرح برنامج التطور الوطني الديمقراطي الذي يسعى لإنجاز تحول وبناء وطني ديمقراطي تقوده سلطة واسعة لقوى سياسية مختلفة ومتنوعة " سلطة سياسية ديمقراطية تعددية لتحالف واسع من الأحزاب والتنظيمات السياسية للطبقة العاملة والمزارعين والمثقفين الثوريين إلخ.." البرنامج 2009". وهي ترنو إلى التحول إلى الدولة المدنية وتوسيع قاعدة الحريات والحقوق، تلك أهم سمات برنامج الحزب الشيوعي السوداني للتحول الوطني الديمقراطي وهي سمات برنامج وأهداف معظم القوى الوطنية الأخرى، ولو راجعنا ميثاق الدفاع عن الديمقراطية 1986 مقررات أسمرا 1995، ميثاق الفجر الجديد 2013 لوجدنا نفس خصائص وملامح وأهداف البرنامج الذي اتفقت حوله قوى الاجماع الوطني، ومنظمات النساء والشباب، والمجتمع المدني، والذي يمكن إيجازه في إعادة ترتيب الأوضاع السودانية، وتحقيق أماني شعبه في ديمقراطية مستدامة، وحسم جدل الهوية بتعددية ثقافية وأثنية، كما حسم قضية علاقة الدين بالدولة من خلال إقرار دستور وقوانين قائمة على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة، وهو برنامج، عملياً، لا يمكن تنزيله إلى أرض الواقع وتطبيقه إلا بالتفاف كل تلك القوى الاجتماعية المدنية المنظمة والقوى المنتجة الأخرى من اتحادات عمال ومزارعين ومثقفين ومهنيين وضباط وجنود ورأسماليين حوله، بغض النظر عن تنوع ثقافتهم أو أديانهم أو أعراقهم وبمختلف طبقاتهم الاجتماعية وأحزابهم وتوجهاتهم السياسية، ولذا نجد أن الحزب قد حدد في برنامجه 2009 ألا تتقيد السلطة الوطنية الديمقراطية بايدلوجية بعينها، وذلك تفادياً لأي صراع أو تناقض طبقي قبل أن يحين أوانه.
مما يتضح أن برنامج التحول الوطني الديمقراطي يلزمه تحالف داخلي من القوى المؤمنة بالتحول الديمقراطي صاحبة المصلحة ودعم خارجي من الدول التي تدعم حركات التحرر الوطني في العالم، مثلما كانت تفعل دول المعسكر الإشتراكي المنفرط في السابق.
درج الحزب الشيوعي على بناء التحالفات بشقيها التحالف او الشراكة الإستراتيجية بين الشيوعيين والديمقراطيين، كما في الجبهات الديمقراطية الشبابية والنسوية وبين الطلاب والعمال والمزارعين .. إلخ، وكذلك بناء التحالفات التكتيكية أو الجبهات العريضة مع التنظيمات والأحزاب السياسية الأخرى في مقاومة ومواجهة الأنظمة الدكتاتورية (جبهة الهيئات - نظام عبود) و(التجمع الوطني – نظام مايو) و(الحرية والتغيير – نظام الإنقاذ) وفي كلّ التحالفات بشقيها الإستراتيجي والتكتيكي نجد شذرات من برنامج التحول الوطني الديمقراطي وفيها أهم سماته التي تتمثل في النقاط التالية:
• التحول للدولة المدنية.
• النظام الديمقراطي التعددي.
• التوزيع العادل للثروة.
ونجد أن كافة أدبيات الحزب وخطابه السياسي حتى سنين قليلة مضت كانت تبشر بتلك الرؤى السديدة، التحالف الواسع وبرنامج الحد الأدنى لإنقاذ الوطن، بعض الشيوعيين (دعاة التغيير الجذري) يتساءلون، ربما بطريق غير مباشر، لماذا نناضل ونضحي ونسقط الأنظمة الدكتاتورية كي تحكم من جديد القوى التقليدية التي ستسير في درب التبعية والتفريط في السيادة الوطنية وترهن مقدرات وثروات البلاد إلى الدول الامبريالية ووكلائها الإقليميين وتخضع لشروط البنك الدولي وصندوق النقد ..إلخ ... ولهؤلاء يجيب الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد في حوار له مع مجلة النهج .. قبل ٣١ سنة قبل الانقاذ ....(( لكن يبقى السؤال: هل كلما جاء نظام عسكري، تتوحد قوى المعارضة وسيكون بينها بالضرورة قوى الأحزاب اليمينية، ثم تطيح بالنظام العسكري لتعيد النظام البرلماني كي تحكم من جديد القوى التقليدية ؟ نعتقد أن هذا ليس شرطا لازما، بل يتوقف على توازن القوى في اللحظة المعنية وقدرات الحركة الثورية نفسها، والوضع الإقليمي والوضع الدولي المحيط بالسودان. ولكن لا يجوز تثبيط الهمم بالقول: لماذا نناضل من أجل الديمقراطية إذا كانت ستعيد للحكم القوى التقليدية؟ هذا التثبيط ليس عفويا، إنما خلفه القوى التي تريد أن تحكم بانقلاب عسكري - يميني أو يسارى.
‏ونحن نفضح هذا النمط من التفكير ونحاول أن نلهم الجماهير كي تدافع عن مكتسباتها الديمقراطية. فالجماهير ستلجأ للانتفاضة حتى في ظل حكومة برلمانية إذا اقتنعت في لحظة معينة إنها لا تستطيع أن تعيش في ظل تلك الحكومة أكثر مما عاشت وتود التغيير. وأحداث 26ديسمبر نذير بذلك. فدفاعنا عن الديمقراطية والحرية السياسية ليس دفاعا عن حكم القوى التقليدية بل دفاع عن مكتسبات الجماهير)). "انتهى النقل"
السطر الأخير هو مكمن الفرس (فدفاعنا عن الديمقراطية والحرية السياسية ليس دفاعا عن حكم القوى التقليدية بل دفاع عن مكتسبات الجماهير)، وفي ثورة ديسمبر المجيدة وخلال حكم دولة رئيس الوزراء الدكتور حمدوك تحققت الكثير من المكتسبات سواء على المستوى أو الاقتصادي أو الاجتماعي وعلى المستويين الداخلي والخارجي، مكتسبات لا ينكرها إلا من في أذنه وقر وعلى بصره غشاوة وعلى قلبه قفل وفي فكره حيرة كما قال ابن عربي.
برنامج التطور الوطني الديمقراطي، على الرغم من كونه يجد القبول من معظم الشارع السياسي إلا أن آليه تطبيقه ستظل بمثابة حجر عثرة في سكته، حيث أن التحالف الموكول له تطبيق البرنامج، وهو تحالف الجبهة الوطنية الديمقراطية الذي يتكون من "الطبقة العاملة والمزارعين والرعاة والمثقفين الثوريين ورأسمالية وطنية عاملة في الإنتاج". التحالف الذي يقوده الحزب الشيوعي، وعلى الرغم ما حلَّ بالطبقة العاملة والنقابات من تفكيك وتدمير من قبل حكم النميري إلا أن أدبيات الحزب ظلت كما هي متمسكة بالنظرية والبرنامج وكما يقال "النظرية خضراء والواقع رمادي"، كل القوى الوطنية تدرك أن مرحلة التطور الوطني الديمقراطي ليس سدرة منتهى الحزب الشيوعي بل تعبد له الطريق نحو بناء الإشتراكية ومن ثم مسك الختام الشيوعية حيث ينتهي دور العديد منهم كحلفاء أو شركاء، لذا نجد أن ذلك البرنامج ومنذ تخلقه في ظل الحرب الباردة وهو يقف بين شقي رحى اليمين بشقيه المعتدل والمتطرف والمعسكر الرأسمالي وحلفائه الإقليمين، وظلَّ يتلقى الضربات من الجهتين، لذا لم يُقدر له أن يتقدم قيد أنملة طوال أكثر من نصف قرن ولا زال الحزب يتمسك به دون أن يتوصل إلى أي فكرة تمكنه من اختراق ذلك الرحى كي يتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام..
والآن يطرح الحزب مشروع أو برنامج "التغيير الجذري" الذي يتلخص في النقاط التالية:-
• إسقاط نظام 25 أكتوبر والتمسك باللاءات الثلاثة.
• مواصلة تفكيك نظام الانقاذ ومحاسبته واسترداد الأموال المنهوبة.
• انتهاج اقتصاد وتنمية يتوجهان نحو سد حاجات الشعب السوداني وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.
• جيش قومي واحد بعقيدة وطنية.
• سلام عادل وشامل يخاطب قضايا الأزمة في مناطق الحروب بمشاركة أصحاب المصلحة، وإلغاء اتفاقية جوبا والاتفاقيات الثنائية.
• حل الميليشيات وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة وفق ترتيبات أمنية (DDR).
• البعد عن المحاور الإقليمية والدولية التي تتعارض مع مصالح شعب السودان والتمسك بالسيادة الوطنية ووحدة الوطن.
• الالتزام بقيام مؤسسة إعلامية وطنية تحترم التنوع.
ومن نظرة سريعة نجد أن أهدافه تمثل جزء كبير من أشواق الشارع المنتفض ومعظم القوى التي تناهض إنقلاب البرهان والتي شاركت في ثورة ديسمبر المجيدة، إلا اننا نجد كذلك أن تحالف قوى التغيير الجذري ليس فقط لم يجد التجاوب المطلوب من القوى السياسية الفاعلة في الشارع السياسي، بل أن معظم أطراف الموقعين عليه قد أتضح أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم بعد أن تنصلت عنهم التنظيمات التي وقعوا باسمها. وهو على كافة المستويات يمثل مشروعاً سياسياً فاشلاً وهذا ليس حكم قيمة بل هو حكم موضوعي حيث أن من أبجديات العمل العام قبل طرح أي مشروع سواء كان سياسياً أو اقتصادياً يجب اجراء دراسة جدوى قبل طرحه لمعرفة نسبة توفر فرص نجاحه، وهنا أتسائل هل تمت أي دراسة علمية لمدى تقبل الشارع وللقوى السياسية الأخرى وللمحيط الإقليمي والعالمي لدعم ونجاح ذلك المشروع السياسي، وهل الأولية الآنية تسوتجب الحديث وخوض الصراعات الأفقية مع القوى السياسي الأخرى أم العمل معها لإسقاط إنقلاب البرهان؟
على رغم أتفاقنا على الأهداف ونبلها إلا أننا نتوقع لمشروع التغيير الجذري مصير أحلك التحالفات السابقة، وللأسف طرحه قبل أوانه سيسهم في أضعافه حينما يأتي أوانه. لذا لا غرابة أن وجد معارضة ليس فقط من قبل الأحزاب والقوى السياسية الأخرى المناهضة للاقلاب، بل ومن قبل العديد الشيوعيين الناشطين في صفوف الحزب وذلك لعدة أسباب أولها انه شق "قوى الثورة" وأقصى أعداداً غفيرة من الشعب السوداني شاركت في الثورة وقدمت فيها تضحيات مشهودة من الانتظام في صفوفه، وثانيها تضمينه نقاط من برنامج الحزب مثل ((مفارقة المسار السياسي الاجتماعي الذي قاد للتخلف والفقر والتبعية والاقتصاد المختلط يتولى ويمتلك قطاع الدولة فيه القطاعات الاستراتيجية والأساسية. والتخطيط الاقتصادي الاجتماعي والتضامن مع الشعوب المستضعفة)). الأمر الذي ستعارضه الأحزاب الأخرى وثالثة الأثافي استحالة امكانية تطبيقه على أرض الواقع الراهن اليوم إلا إذا كان الحزب يملك عصا موسى، وذلك قياساً على الظرف الذاتي والموضوعي للحزب الشيوعي والتنظيمات الديمقراطية التي تمثل سنده الجماهيري حيث صارت معظمها حبر على ورق ولا وجود لها محسوس في الشارع المنتفض.
على ماذا يراهن الحزب الشيوعي على نجاح خططه، تأتيك الإجابة المعلبة "يراهن على الشارع" و(الشوارع التي لا تخون)، إذا افترضنا سلفاً أنه يمكن اسقاط الإنقلاب الذي ولد مشوهاً وميت إكلينيكياً فكيف يتم حل المليشيات المسلحة وإعادة بناء جيش قومي من الصفر وتفكيك نظام الإنقاذ واسترداد الأموال المنهوبة .. إلخ، وإذا افترضنا أن كل ذلك تم ضربة لازب، فهل القوى السياسية الأخرى على أهبة الإستعداد للقبول والانخراط في إنجاز تلك البرنامج السياسية والاقتصادية؟، والتي حتماً لن يكون طريقها مفروش بالورود حيث الراهن العالمي ذو الأحادية القطبية وحيث الحالة الواهنة للتحالفات والجبهات الديمقراطية التي على عاتقها القيام بالتغيير من نقابات وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني. وحتى ولو كانت على أهبة الإستعداد تنظيمياً ومادياً ومعنوياً، هل الشعب على الإستعداد للتغيير الجذري أو للبناء والتحرر الوطني في ظل في ظلَّ الوضع العالمي الأحادي القطب؟ ووهل لا زال قادراً على تحمل حصار الديون والحرب الاقتصادية التي حتماً سيواجهها في حالة اختيار طريق البناء الوطني الديمقراطي الذي يمهد السبل لبناء الإشتراكية والتي تفضي بدورها إلى يوتوبيا المجتمع الشيوعي.
أن أنجح تحالف مرَّ على تاريخ الحركة الوطنية السودانية الحديثة هو تحالف قوى الحرية والتغيير تحت شعار حرية، سلام وعدالة، والذي تشكل من جميع القوى السياسية والاجتماعية التي شاركت أو أعلنت تأييدها لثورة ديسمبر المجيدة وتلك لم تكن جزءاً من نظام الإنقاذ لحظة سقوطه، وقد نجح ذلك التحالف في اسقاط نظام الإنقاذ وتشكيل حكومة مدنية، ولكن ولأن انتصار ثورة ديسمبر لم يكن حاسماً ولتوازن القوى حينها كانت لزاماً وعلى مضض مشاركة الجيش ممثل في اللجنة الأمنية للبشير ومليشيا الدعم السريع. وعلى الرغم من مشاركتهم والمعارضة الشرسة من أزلام الجبهة القومية الإسلامية إلا أن الجميع تفاجأ بأن بخروج الحزب الشيوعي من التحالف ومعارضة الحكومة المدنية والدعوة لإسقاطها وهي نفس دعوى أزلام الجبهة وأحزاب الموز والفكة، مما أضعف الحكومة المدنية وسهل إنقلاب العسكر عليها.
لم يكتفي الحزب بالخروج ومعاداة أحزاب الحرية والتغيير فشيد التحالف الجديد الذي يسمى تحالف التغيير الجذري، الذي استثنى من عضويته من اسماهم قوى الهبوط الناعم والرأسمالية الطفيلية وعملاء الامبريالية والمحاور الإقليمية وذلك وعاء فضفاض يمكن ان يشمل كل من يخالف خط الحزب الشيوعي حتى إن كانوا شيوعيين أصلاء.
إن كانت تلك خيارات التغيير التي يطرحها الحزب الشيوعي فهناك خيارات أخرى لدى الشعب السوداني وشوارعه التي لا تخون، خاصة فئة الشباب المستنير الذي يطالع ويدرك ما يدور حوله في العالم. وتلك الخيارات تتمثل في الأطروحات التوتاليتارية الفكرية الجديدة التي ساهمت بشكل مباشر في استنهاض العديد من الدول مثل سنغافورة والهند واندونيسيا والبرازيل، كثير منها كانت أوضاعها شبيهة بالوضع السوداني وتعقيداته من حيث التنوع الثقافي والتعدد العرقي والتخلف الاقتصادي والحروب الاهلية واستطاعت خلال فترة وجيزة أن توحد هويتها وتشق طريقها نحو السلام والتقدم والرفاهية وفق مبادئ وقيم الليبرالية والتعددية السياسية والديمقراطية وبالتعاون مع المجتمع الدولي في ظل الانفتاح العالمي.
إن طريق التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، وفي ظل العولمة ما عاد بالحديث المتكرر عن شرور القوى الإستعمارية والصراع الطبقي وترديد الشعارات التحررية تحت وقع آليات السوق الحرّ والعولمة وقيم الليبرالية المعاصرة، وفي ظلّ النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية والذي نشأ انهيار المعسكر الاشتراكي.
إن طريق التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة ما عاد يتم بمناطحة الصخر ولا بتقديم أرتال من الشهداء كل يوم، بل بالشراكات الذكية والاستقلال الأمثل للموارد والحكم الرشيد والحصول على تقنيات التكنولوجيا الحديثة مثل التكنلوجية الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنترنت الأشياء والأمن السيبراني والواقع الافتراضي المعزز والميتافيرس والأهم من ذلك هو الثقة بالشباب الذي يفهم ويجيد التعامل مع تلك التقنيات المتطورة لتولي زمام القيادة.
إذا نظرنا حولنا نجد العديد من النماذج لدول نالت استقلالها بعدنا ولا تملك نصف مواردنا الطبيعية أو البشرية إلا انها الآن تعيش نهضة حقيقة بعد أن شقت طريقها نحو التقدم والازدهار دون استعداء لأي قوى عالمية أو الارتماء في أحضان الصراعات الإقليمية أو الوقوع في خضم أي معارك دينكوشيتية وانجح نموذج وأقربه لظرفنا الذاتي والموضوعي هي دولة "رواندا".
وهنا أنقل بتصرف من الباحث السوري طارق ناصيف في دراسته الشيقة (رواندا من الحرب الأهلية إلى التنمية الشاملة) أنه ووفقًا للنظريات السياسية المتعلقة بالنزاعات والحروب الأهلية؛ يمكن القول إن هناك أربعة عناصر مهمة يمكن أن تعيد بناء السلم الداخلي الوطني، للبلدان الخارجة من النزاعات والحروب الأهلية، وهي: الأمان والاستقرار؛ الانتعاش الاقتصادي؛ الديمقراطية؛ بناء الدولة. وتمثل هذه العناوين الركائز الأساسية لأي جهد يبذله أي بلد للتعافي من آثار النزاع. والمقصود بـ "الأمان والاستقرار" أن عودة اللاجئين والمواطنين النازحين داخليًا إلى مواطنهم أمرٌ مهم، إضافة إلى عودة الميليشيات وعناصر قوات الأمن والشرطة، مع نزع السلاح الخاص بها، وتحويلها إلى شكل آخر يخدم المجتمع والسلم الأهلي.
وتشير الديمقراطية وبناء الدولة إلى الممارسات الديمقراطية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالانتعاش الاقتصادي والأمن، حيث يصبح إجراء الانتخابات النزيهة والفعالة واستعادة عمل مؤسسات الدولة أمرًا ممكنًا..
رواندا وبعد تاريخ مروع من المذابح والتصفيات العرقية التي راح ضحيتها ما يناهز مليون شخص أغلبهم من طائفة التوتسي والساسة الروانديين المعتدلين من الهوتو، واغتصاب ما بين 150 ألفاً و200 ألف امرأة، نهضت كطائر الفينيق من بين ركام الرماد حتى أطلقوا عليها سنغافورة أفريقيا، فما هي الآليات والإستراتيجيات التي اتّبعتها من أجل إعادة هيكلة وبناء الدولة بعد سنوات طويلة وعنيفة من الحرب الأهلية والصراعات الداخلية، التي توجت بأكبر مجزرة إبادة جماعية تشهدها أفريقيا في تاريخها المعاصر.
أشاد البنك الدولي برواندا، لكونها دولة حققت تطورًا مثيرًا للإعجاب، وقالت عنها منظمة (يونيسف) إن انخفاض معدل وفيات الرضع (وهو يُعدّ مقياسًا مهمًا في تنمية البلاد) إلى النصف، منذ عام 2000، يُعدّ في مقاييس تنمية الشعوب، واحدًا من أهم الأحداث في تاريخ البشرية على الإطلاق.
عندما تولى بول كاغامي السلطة في رواندا بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها كانت الدولة في حالة انهيار تام وشلل كامل في تقديم الخدمات بعد أن تمت تصفية 40% من موظفي الخدمة المدنية بالإضافة إلى التضخم المرتفع والأجور المنخفضة و80 % من الموظفين العموميين دون شهادة المرحلة الثانوية، و3.5 % فقط من موظفي وزارة الصحة كانوا أطباء أو ممرضين مؤهلين.
والآن أصبحت رواندا، وفقًا لصندوق النقد الدولي، أحد الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم، بمتوسط نمو يعادل 8 %سنويًا، وعلى مدى العقد الماضي كاملًا . ويعدّ البنك الدولي رواندا من أفضل الأماكن لبدء نشاط تجاري في أفريقيا، وبموجب ذلك، أصبحت رواندا عالميًا من بين الاقتصادات العشرة الأكثر نموًا في العالم. ومن خلال هذا التطور الكبير، تعمل رواندا على أن تكون واحدة من أفضل المحاور التكنولوجية في المنطقة، بدعم من نظام الحكومة الإلكترونية المثير للإعجاب الذي انتهجته البلاد، حيث تُنجز غالبية المعاملات المالية للحكومة وغيرها من المهام، إلكترونيًا بشكل كامل. وترتبط هذه الإنجازات بالنجاحات المذهلة التي تحققت في مجال التعليم، حيث تسعى الحكومة لبناء جيل حديث ومتعلم، وهكذا بعد 25 سنة من الإبادة الجماعية في رواندا، صارت رواندا دولة يحتذى بها في مجالات التنمية الاقتصادية والتخطيط.
إن نجاح رواندا جعلها مثال يحتذى به للعديد من الدول الأفريقية التي تسير على خطاها مثل تنزانيا وأثيوبيا وأنغولا التي تشهد ازدهارا اقتصاديا في بيئة خالية من الفساد.
إن التعامل مع النظام العالمي الجديد ومؤسسات التمويل وجذب الاستثمارات الخارجية يحتاج أولاً للخبرة الفنية والتقنية أكثر من المعرفة السياسية، وأهم ما فيه هو توفير البيئة المناسبة والسودان حباه الله بكل ما تشتهيه الدول لكن كذلك سلط عليه عقول ساسة مسوسة لا تعمل ولا تدع الآخرين يعملون.

عاطف عبدالله
20/08/2022

atifgassim@gmail.com

 

آراء