حنية المهدي بين الانتهازية والخيانة .. بقلم: منتصر عبدالماجد


gelmontasir@gmail.com

    في خواتيم الديموقراطية الثالثة التي وصفها ( الهندي) الرجل الثاني في الحكومة ( لو جراها كلب ما نقول ليهو جر ) والخرطوم تتأهب لانقلاب عسكري وشيك علي الشرعية  ، اخبرني احد ضباط القوات المسلحة انه علي علم بانقلاب يقوده البشير لصالح الجبهة الاسلامية ، وانه قابل  احد اعضاء مجلس السيادة انذاك  ، وأبلغه  بالمعلومات المؤكدة التي يعلمها.. مرت الايام والتقيت مع العقيد المذكور في احدي معتقلات انقلاب الجبهة حيث البكاء علي اللبن المسكوب ، وسط الضغوط النفسية . اكمل العميد المعتقل القصة ، بانه بلغ عضو مجلس راس الدولة والذي شكره واتجه فورا الي السيد الصادق المهدي رئيس  الوزراء انذاك ، وأطلعه علي المعلومات فما كان من رئيس الوزراء الا اجابه (الاسلاميون حلفاء لي ولن ينقلبوا علي ، اليسار هو من يتربص بالديموقراطية  ).
    لا  نريد ان نلقي اللوم بهذه القصة علي  السيد الصادق  بعد ربع قرن من الحدث ولا نود البكاء علي اطلال ما ضاع ، ولكننا نريد ان نجد نسقا منطقيا ، يمكننا ان نفهم السيد الصادق المهدي حتي لا يتشابه علينا البقر . فهما لا يلج بنا لصحاري الشكوك والاحباط .
     ، استوقفتي عبارة  امام الانصار في مذكرة عزاءه في صهره الترابي  ( والموقف من الديمقراطية الثالثة التي حرصت أن نشترك معاً في أسلمة قومية وسلام عادل وشامل، ولكنهم استبطأوا نهجنا فاختاروا التجربة الانقلابية التي دبروها وعارضناها) والذي قفز الي ذهني هل ان السيد الصادق (جادا)  فيما ذكر ويعي تماما ما ذهب اليه في المذكرة . هل الاتهامات التي كانت تاتي في تلك الحقبة من القوي السياسية الاخري ان رئيس الوزراء يتجه الي ( دكتاتورية مدنية ) تلك الاتهامات التي كنت جاهدا اسعي لتكذيبها وانا صحفي ( يافع) ، وأين التوافق الفكري بين برنامج الصحوة التي كان يتبنتاه حزب الامة كبرنامج سياسي مؤسس علي التمييز بين الدين والدولة من منطلقات لبيرالية في مواجهة مشروع الجبهة الثيوغراطي المبني علي فكرة سيد قطب الحاكمية التي تفضي الي دولة دينية غير متسامحة ، احادية الرؤيا ، واقع الحال انذاك وتباين الروي  وتقاطع المنطلقات تقول ان ذلك مثل العنقاء والخل الوفي من المستحيلات ..
    ايضا من مواقف الامام الغير مفهومة ، والتي يستعصي فهمها باي منطق( لقاء جنيف )مع صهره المتوفي الترابي والذي بموجبه اطلق الامام رصاصة الرحمة علي طيب الذكر التجمع الوطني وماوراءه من ميثاق اسمرا وراء ظهره كأنه لا يعلم تطلعات السودانين في الحرية ،هذا اللقاء الذي لم يكسب منه الامام اي مكسب سياسي ، او يحدث اي تغيير علي خارطة السياسة لمصلحة الوطن او المواطن ، وجاء الرجل الي الخرطوم يدعوا الانقلابين الي الهدي وتراهم ينظرون اليه وهم لا يبصرون، وان دعاهم الي الديمقراطية لا يسمعوا ولم يعرض هو عن الجاهلين .
    لم تتوقف هدايا الامام لقوم(  يتفتق )فيهم اللوًم  والشرور فاصدر بيانا حينما ضاقت الارض بما رحبت علي رئيسهم المطلوب للعدالة الدولية في جنوب افريقيا ، و كل الترتيبات والدلائل  تشير الي اقتراب غرق الفرعون السوداني في يم العداله الدولية ، ورفع ابتلاء قتل الابناء واستحياء النساء ، فإذا بالإمام يقذف لفرعون طوق النجاة ببيان يعلن فيه رفضه لتسليم البشير ، ويستند عليه (زوما) الذي كان يبحث عن قشة يتعلق بها لتبرير موقفه ، المصنف ضد قانون بلاده، وارادة شعبها، ان ما يحير حقا  في موقف السيد الصادق هذا ليس وراءه اسبابا منطقية ، تدفعه الي  مثل هذه المواقف الغير مفهومة ، التي لا تتسق مع موقفه الفكري والا مبادي ديمقراطية لبيرالية تشكل نسيج فكره وممارسة طيلة وجوده الطويل في السياسة السودانية ، فاجتهادته ومساهمته الفكرية ، تشهد له بانحيازه الكامل نحو المشروع الديمقراطي الليبرالي ، بقناعة لا تتزعزع ، اما عن تحليله وفهمه  فتخلو المكتبة السودانية من سياسي له اجتهادات غيره ، اما علي مستوي الممارسة فسلوكه في البرلمان  ورئاسة الوزراء تقول بانه ديمقراطي الممارسة ، والحسابات توكد انه من اول المتضررين من غياب الديمقراطية كرئيس للوزراء وصاحب اكبر كتلة برلمانية..
    لفهم هذه المواقف الغير مفهومة ،والا منطقية ، للسيد الصادق لابد ان نقف علي القاسم الأعظم  الذي قاده لاتخاذ هذه المواقف ،  الي يمكن ان تصنف في تصنيف ( الخيانة ) او في افضل الاحوال ( مسك العصاية من النصف ) او الانتهازية،  ولكن تاريخ الرجل وممارساته لا تقودنا الي ذلك ، واجزم انها العاطفة  ( والحنية ) الغير  موسسة التي تقود الامام الي موارد الهلاك وتفقد فيه الثقة من الجماهير والحلفاء ،فان السيد الصادق  بقدر ما اتاحت له الظروف والحظوظ  مهاراته (القيادة) ، الا انها حرمته بعنف من ، من سمات الحسم المطلوب في الحالات التي تحتاج اتخاذ قرار حاسم في أمور لا تقبل العاطفة ، وهي( تركيبة نفسية ) ، علي الزعيم ان يميز فيها بين ما هو مشاعر خاصة وتداخله مع، قرار او توجه سياسي يهم كل ابناء الشعب..
    يقول المقربون من الامام الصادق ، انه بعد احداث الجزيرة ابا  وتدمير الجزيرة بالطائرات  الحربية  راي الدمار وموت الاحباب فهزه ذلك نفسيا ، وأكمل عهده لنفسه الا يقدم علي مواجهة بعد احداث يوليو ١٩٧٦ التي سميت بالمرتزقة .فاصبح مترددا في اللحظات الحاسمة يهاب اي لغة  يمكن تفضي الي دماء..
    اما العاطفة الاخري التي استغلها الاسلاميين فقد عرف عن الامام الصادق حبه العظيم لآل بيته وصلة الرحم ، وحرصه علي إرضائهم  بكل ما اوتي من قوة ، ويكن حبا خالصا لأخته الصغري وصال المهدي ارملة الترابي ولا يرفض لها طلبا ، وتلك الجزئية التي استغلها صهره وكانت مداخله للتقارب مع الامام ..
     من حق السيد الصادق ان يصبغ عاطفته لآل بيته ، ويلبي رغبات اخته الصغري ، ولكن ذلك يجب ان لايكون علي حساب احلام شعب كامل ، له الحق في التطلع الي وطن يلبي رغبات الجميع ، فالوطن ليس مملوكا لآل المهدي لتتحكم فيه العواطف الاسرية ، والعواطف الغير موسسة ، وننصح السيد الصادق المهدي ان كنت لا التحكم في ( حنيتك) و ذلك وصعب عليك فترجل ، وأفسح المكان لمن يستطيع التمييز بين ما هو عام وما هو خاص..
    اما للرفاق المناضلين في حزب الامة والذين لا نشك برهة انهم دوما في خندق الشعب ، يمكنكم معالجة الامر مع الامام ان كُنتُم ترون لا بديل له ، وعلي اعضاء مكتبه وبطانته مساعدته في اتخاذ القرار ، دون عاطفة ، فالقيادة تضع ملامح القرار وتجبر احيانا الرئيس لاتخاذ القرار الصحيح.
منتصر عبد الماجد

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً