محمد صالح محمد
في ركنٍ قصيٍ من ذاكرتي المثقوبة حيث ينمو الصمتُ كعشبٍ بريٍ على أطلال الضحكات القديمة أقف اليوم وجهاً لوجه أمام حقيقةٍ مُرّة: لقد تحول رحيلكِ يا “زولة” من مجرد جرحٍ عابر إلى هويةٍ أرتديها ومن غصةٍ في الحلق إلى هواءٍ أتنفسه.
لم يعد الحزن ضيفاً يزورني في المساء ويرحل مع خيوط الفجر بل أصبح وطناً سكنتهُ وسكنني حتى بات الفرحُ بالنسبة لي خيانةً لذكراكِ.
سجون الذاكرة … ولذة الانكسار
يقولون إن الوقت كفيلٌ بمداواة الجروح لكنهم كذبوا؛ فالوقتُ في غيابكِ ليس إلا مبضعاً يمعن في تمزيق ما تبقى من روحي. أصبحتُ أقتاتُ على الوجع أبحثُ عنه في تفاصيلكِ المتروكة خلفكِ في عطركِ الذي لا يزال عالقاً بطرف ثوبٍ قديم في صدى صوتكِ الذي يتردد في ردهات البيت الخالي وفي صوركِ التي بهتت ألوانها من كثرة ما لمستها أصابعي المرتجفة.
لقد أدمنتُ هذا الحزن يا حبيبتي لدرجة أنني أخشى الشفاء منه. أخشى أنني إذا توقفتُ عن البكاء سأفقد الخيط الأخير الذي يربطني بكِ. أصبح الدمعُ طقساً يومياً والآهةُ ترنيمةً أرتلها كلما غابت الشمس وكأنني أشتري بقاءكِ في مخيلتي بدفعِ ضريبةٍ من دمي وأعصابي.
لماذا الحزن؟ ولماذا أنتِ؟
الحزنُ بعدكِ ليس مجرد شعور إنه حالةٌ من الاستسلام الجميل لعدمية الأشياء. فما نفعُ الربيع إذا لم تكوني فراشته؟ وما جدوى الضياء إذا لم تكن عيناكِ مصدره؟
إدمانُ الوحدة: صرتُ أهرب من البشر لأجالسكِ في خيالي فالحزن معكِ أصدق من ضجيجهم الزائف.
عشقُ الأطلال: أزورُ الأماكن التي جمعتنا لا لأستعيد الفرح بل لأغرس نصل الفقد في قلبي مجدداً و لأتأكد أنني لا أزال حياً… لا أزال أتألم… لا أزال أحبكِ.
لغة الدموع: أصبحت الكلماتُ قاصرة فبتُّ أكتبُ لكِ بالدمع على وسائد السهر رسائل لن تصل أبداً وعتاباً لن يسمعه سواكِ تحت الثرى.
الوداع الذي لم ينتهِ …
يا “زولة” يا وجعي المقيم ونبضي المستعار لقد رحلتِ وتركتِ خلفكِ رجلاً يحترفُ النواح يقدسُ الانكسار ويرى في السواد لوناً وحيداً للحياة.
يقولون لي “انسَ” ولا يعلمون أن النسيان هو الموت الحقيقي وأنا اخترتُ أن أحيا معذباً بحزنكِ على أن أموت منسيّاً دونكِ.
لقد غدا الحزنُ بعدكِ إدماناً لا برء منه مخدرًا يسري في عروقي ليطفيء لهيب الحنين حتى صرتُ أتساءل هل أنا أحب الحزن أم أحبكِ في الحزن؟ أم أنكِ والحزن أصبحتما وجهاً لعملةٍ واحدة اسمها “الضياع”؟
سأبقى هنا في زاوية الانكسار أربي حزني كما يربي الأبُ طفله الوحيد وأنتظرُ يوماً يجمعنا حين يتوقف الأنين وتنتهي رحلة الإدمان هذه في رحابِ سكينةٍ لا غياب فيها.
“إن أصعب أنواع الفقد هو ذلك الذي يجعلك تحب موتك البطيء فقط لأنه يحمل رائحة من تحب”
لم يعد وجعي عليكِ مجرد ذكرى بل صار هويةً وانتماء. لقد استوطنتِ الغياب واستوطنني الأنين حتى غدوتُ أخافُ من يومٍ يقلّ فيه حزني فأشعر أنني أخونكِ بالنسيان.
سأظلُّ هكذا ياهنو أقتاتُ على بقايا صوتكِ المبحوح في أذني وأعانقُ طيفكِ الذي لا يلمس مدركاً بمرارةٍ أنني لم أفقدكِ أنتِ فحسب بل فقدتُ معكِ القدرة على أن أكون معافىً يوماً ما.
فالحزنُ يا “زولة” صار محرابي والصلاةُ فيه لا تنتهي إلا بلقائكِ.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم