بقلم الريح عبد القادر محمد عثمان
في معرض التعليق على الآية الكريمة 75 من سورة “ص “قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيدي، أستكبرتَ أم كنتَ من العالين”، ذكر الدكتور الفاضل نايف بن نهار أنّ إبليس لم يكن من العالين، بل من المستكبرين. وهذه تبرئة لا يستحقها اللعين. وقد جاءت إشارة الدكتور الشاب النابِه متأثرةً بما هو موروث من تفسير هذه الآية الكريمة. وسنكشف في هذه العجالة، مستخدمين منهج “الإراء”، أنّ كلا الصفتين، الاستكبار والعلو، متحققتان في إبليس. ويقوم منهج الإراء على الإشارة إلى الدليل ليراه الشخص عياناً بياناً، كأن تقول له “هناك فيلٌ في الشارع “، فيقول لك: “كيف ذلك؟ يستحيل أن توجد فيلة في الشوارع”! فتقول: تعال لترى بنفسك.
يقوم السؤال في الآية الكريمة “أستكبرتَ أم كنتَ من العالين” على خيارين، “ألف” و”باء”، وبالتالي فإن المتوقع من المسؤول أن يختار أحدهما. فإذا سألتَ: من في الدار، أحمد أم محمد؟ وقيل لك أحمد، سيعني ذلك أنك كنت “تجهل” حقيقة أن محمداً لم يكن في الدار. هذا “القصور المعرفي” يجوز في حق البشر، ولا يُلام أحدٌ عليه، ولكنه لا يجوز مطلقاً في حق المولى عز وجل. أي أنه لا يجوز في حق المولى عز وجل أن يختار إبليس إحدى الإجابتين دون الأخرى، فيبدو الأمر وكأنه، سبحانه وتعالى، كان يجهل أن الخيار الآخر غير منطبق. فلو كان “الاستكبار” فقط هو الذي ينطبق على إبليس فلا يجوز في حق المولى عز وجل أن يذكر له “العلو” حين سأله، لأن هذا الجهل إن كان جائزاً تماماً في حق المخلوقين، كما أسلفنا، فإنه يمتنع تماماً في حق الخالق، سبحانه وتعالى. وبما أن هذا النوع من التساؤل ينطوي بالضرورة على “جهل” جزئي، فإن تنزيه المولى عز وجل يقتضى أن يكون كلا الخيارين منطبقاً على إبليس: لقد استكبر إبليس وعلا. وسنرى بعد قليل الفرق بن العلو والاستكبار.
ها نحن نخلص، إذن، إلى حقيقة مهمة، وهي أن إبليس كان، بالضرورة، من المستكبرين ومن العالين في نفس الوقت. إذن ما الفرق بين الاثنين؟ بالاستناد إلى تعريف الكبر المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، نجد أن الاستكبار واضح المعنى، فهو يقوم على أمرين اثنين أو أحدهما: احتقار الآخر (غمط الناس)، وكراهية الحق وعدم قبوله (بطر الحق). وقد اعترف إبليس باحتقاره لآدم حين قال “أنا خيرٌ منه”، وبالتالي فأن استكباره قد ثبُت بالاعتراف. أما “العالون”، فإذا ذهبنا إلى أقوال المفسرين فلن نهتدي إلى المعنى، ولكن إذا بحثنا عن المعنى في القرآن الكريم فسنجد أن العلو صفة حِكْرٌ لله وحده، جلّ وعلا، ولا تليق بالمخلوقين كما في قوله سبحانه وتعالى “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا”، وفي قوله “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ”، وفي قوله “فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ”. فإذا كان المولى عز وجل يأمرنا أن نسبح باسمه الأعلى في قوله “سبح اسم ربك الأعلى”، ندرك أن فرعون كان هو أيضاً من العالين الذين ينازعون الله في العلو. وهكذا نخلص إلى أنّ العالين هم الذين يريدون منازعة الله في عليائه وكبريائه وعظمته. وجاء في الحديث القدسي: “الكبرياء ردائي وَالْعَظَمَةُ إزاري فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي”.
ولا أدرى كيف ونحن لا نفتر من قول “سبحانه وتعالى” ونسبح باسمه الأعلى، ثم لا نرى في كلمة “العالين” ما يزعجنا؟!
الله أحسن الخالقين، وهو أيضاً أرحم الراحمين، أي أن الرحمة، وحتى الخلق، وصفاتٌ أخرى، تجوز لله ولعباده، أما العلو والكبرياء والعظمة فلا تجوز إلا لله وحده لا شريك له.
أما أقوال المفسرين في معنى “العاليين” فإنها تأخذنا، في مجموعها، بعيداً عن إبليس. فمنهم من قال إن العاليين هم صنفٌ من الملائكة لم يُؤمروا بالسجود. ولا يصمد هذا القول أمام حقيقة أن الملائكة قد سجدوا كلهم جميعاً. ومنهم من قال إن العاليين خلق من غير الملائكة ولم يأمروا بالسجود. وليس لهذا القول من سندٍ غير ترجيح القائلين به. أما الشيعة فيقولون إن العاليين هم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهم فاطمة وعلي والحسنين، رضوان الله عليهم. ويفيد هذا الزعم أن أهل البيت كانوا موجودين في الملأ الأعلى، قبل خلق آدم. وهو زعم يبطله القرآن الكريم: “ما كان لي من علمٍ بالملأ الأعلى إذ يختصمون”. وجميع هذه الأقوال ستتلاشى سريعاً حين نلاحظ أن القائلين بها استثنوا هذه الفئة من العالين من السجود. ما الذي يجعل هذه الفئة مستثناة من السجود؟ هل السجود مسبة أو عيب، أم أن السجود هو أول وأعظم وأهم ما يليق بالمخلوقين؟ كيف يأمر الله الملائكة بالسجود ثم يكون هناك “عالٍ” يرى الملائكة سُجُداً ثم “يقسو” ظهره عن السجود؟ فهل العلو منافٍ للسجود؟ لا شك أن القول باستثناء أي فئة من السجود ينطوي على إحساس خفي بأن السجود ضعة وإزراء، وليس هو أعظم وأشرف وأكرم ما يفعله العبد. يقول الله تعالى في سورة الحج: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ”. إذن، ما هو المبرر الذي يجعل هؤلاء “العالين” لا يسجدون؟ أليس الأجدر بهم، حتى ولو لم يكن أمر السجود موجهاً إليهم، أن يخروا سُجُداً مع الساجدين؟ وما الذي يدفع المفسرين إلى الاعتقاد أن هناك فئة من الخلق، أياً كانت بشراً أم ملائكة، قد مُنحت استثناءً من السجود؟ أليس السجود إكراماً والحرمان منه إهانة؟ هل يمنح المولى عز وجل العلو لفئة لا تسجد له؟ هل ذلك من أجل إكرامها أم من أجل إهانتها؟ الإجابة واضحة.
من الواضح أن العلو درجة أعلى من الاستكبار. استكبر إبليس حين احتقر آدم “أنا خير منه خلقتني من نار وخلفته من طين”. وهو لم يرفض الأمر تعظيماً لله ولا رفضاً للسجود لغيره، بل فسق عن أمر الله وفي نيته أن يزاحم رب العالمين في الربوبية والألوهية. العالون هم الذين يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله. وفي الآية الكريمة “أستكبرت أم كنت من العالين”، يفضح المولى عز وجل كذب إبليس وتدليسه، فهو لم يرفض السجود لمجرد مقارنة نفسه بآدم، بل رفض لأنه يرى في نفسه إلهاً بديلاً. أجل، فضحه ربك العليم الخبير في هذه الآية: “أستكبرت أم كنت من العالين”، والمعنى المراد: هل رفضت السجود لمجرد احتقارك لآدم أم لأنك في الحقيقة تضمر تعالياً أكبر من ذلك؟ أنت لم ترفض السجود تنزيهاً لي، ولا لأنك تريد أن تضع آدم في مكانه الصحيح، بل لأنك تريد منازعتي عليائي وكبريائي وعظمتي.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض المفسرين قال بأن الأداة “أم” في قوله تعالى “أم كنت من العالين” تعني “بل”. ومع أن النتيجة صحيحة، فإنه لا داعي لتغيير معنى “أم”، فالمولى عز وجل ينفي التبرير المراوغ الذي أورده إبليس ويكشف لنا السبب الحقيقي لرفضه السجود.
يجب أن نعلم أن السجود لا ينفصل عن الإكرام، بل هو الإكرام نفسه.
وأكبر هدية نقدمها لإبليس أن نحصر جريمته في احتقار آدم، وأن نقول إنه ليس من العالين.
وفي ذلك ما يشير إلى عدم اكتمال معرفتنا بعدونا، مما يجعلنا ندافع عنه ونبرئه ونحن لا ندري.
ومن العلامات الدالة على غرورنا كبشر أننا نعتقد أنّ إبليس “يضع رأسه برأسنا”، متوهمين أن الشيطان ضعيف أمامنا نحن. الحقيقة التي يجب نضعها نصب أعيننا هي أن كيد الشيطان ليس ضعيفاً إلا أمام كيد الله المتين. فنحن لا حول لنا ولا قوة أمام الشيطان إلا بأن نفر إلى الله لنعوذ به. نحن في نظر إبليس لا شيء، فهو يرانا من حيث لا نراه، ويمكنه أن يتلاعب بوعينا. نعم، ضعف الشيطان أنما هو أمام قوة الله ذي الحول والطول، فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم جري الدم في العروق، فإن الله سبحانه وتعالى أقرب إلى ابن آدم من حبل البريد.
وبعد أن رأينا أن العالين هم الذين يريدون أن يشاركوا الله في علاه وكبريائه وعظمته، وأن أول هؤلاء إبليس وفرعون وأمثاله من الطواغيت، يجب أن ننظر ونتساءل عن السبب الذي يجعل بعضنا يقبل أن يكون العالون فئة رفيعة القدر وذات حظوة عظيمة عند الله ولذلك استثناها الله من السجود. لا شك أن السبب هو أننا، في نقطة عمياء في وعينا، نعتبر أن السجود يمثل تكلفة ثقيلة على النفس. وما ذلك لأننا لا نطبق منهج التواضع في تفكيرنا. لو افترضنا جدلاً أن العالين هم فئة مستثناة من السجود، فما هو سبب استثنائهم: هل السجود يرهقهم؟ هل هم مشغولون بشيء أهم من السجود لله؟ أم أنهم لا يريدون إكرام الله؟ أم أن الله يريد أن يكرمهم من دون أن “يضطرهم” للسجود له؟
يجب أن نعي أن السجود يعبر عن حقيقتنا: التصاق جبهتنا بالأرض يعيدنا إلى الأرض التي خُلقنا منها. وإدراك ذلك، والتسليم به، يحقق الهدف من وجودنا: عبوديتنا. ففي قوله تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، ليس المقصود العبادة، بل العبودية.
وحين نطبق منهج التواضع تبدو لنا الأشياء على حقيقتها: السجود أعظم مكرمة لنا من الله ربنا، والعلو لا يليق إلا بالله وحده لا شريك له.
وحين لا نطبق منهج التواضع تختلط علينا الأمور، فيظهر لنا العلو كأمر جيد، ويظهر لنا السجود وكأنه تكلفة ثقيلة يمكن أن يستثنى الله منها بعض الخلق؛ كما يظهر لنا العالون وكأنهم فئة كرمها الله ولذلك استثناها من السجود، مع أنهم في الحقيقة أشر الخلق.
لقد أوردنا في دراسات سابقة أن سجود الملائكة وسجود أبوي يوسف وإخوته كان لله، ولم يكن لآدم ولا ليوسف. وأوضحنا أن اللام في “اسجدوا لآدم/قعوا له ساجدين” تفيد الشأن والخصوص، ولا تفيد المباشرة. ففي “اسجدوا لله” تفيد اللام المباشرة، وفي “اسجدوا لآدم” تفيد الخصوص. وقلنا إن هذه اللام ترد بهذه المعنى بكثرة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى “ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا”، و”قالوا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين”. فالمسجود له هو الله، والمسجود بشأنه وبخصوصه هو آدم في الحالة الأولى ويوسف في الحالة الثانية. وشددنا على أن الإصرار على جعل السجود لآدم، وتبرير ذلك بأنه كان سجود تحية وغير ذلك، قد أوقعنا في إشكالات منها إيجاد سجود ممكن ومقبول لغير الله. ولذلك رأينا كيف يسجد بعض الناس لشيوخهم، مبررين ذلك بأن السجود لله، وأن الشيخ هو قبلة ذلك السجود. ورأينا كيف أدى “تسويغ السجود لأدم” إلى وجود تيارات تدافع عن إبليس وتقول إنه فعل الشيء الصحيح برفض السجود لآدم.
لذلك يجب أن يكون الأمر واضحاً: استناداً إلى القرآن الكريم، كان سجود الملائكة لله وحده لا شريك له، وما آدم ويوسف إلا المناسبة والسبب؛ وإبليس لم يستكبر على آدم فحسب، بل أن انتهي به استكباره إلى منازعة الله في ربوبيته: فها نحن نجد أولياء الله في مقابل أولياء الشيطان، وحزب الله في مقابل حزب والشيطان، ويكفي أن نقرأ قوله تعالى: “ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم”. بل يكفي أن أعظم كلمة في الوجود، وهي لا إله إلا الله، تبدأ بنفي الشيطان الرجيم ثم تثبت الألوهية لله الرحمن الرحيم.
لقد تمرد الشيطان الرجيم على العبودية لله بالاستكبار والعلو، وبالتالي فإن طريقنا الوحيد لكي لا يحقق الشيطان ظنه فينا (ألا نكون من الشاكرين وأن يسوقنا معه إلى الجحيم) هو أن نسير في طريق التواضع، معرفةً وتطبيقاً. فالشيطان يأتينا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن إيماننا وعن شمائلنا، ولكنه لا يستطيع أن يأتينا من الأسفل، من مكان السجود والتواضع والعبودية، ولا من الأعلى، فهناك يد الله ترفع من تواضع له ولعباده (من تواضع لله رفعه).
elrayahabdelgadir@gmail.com
