سد النهضة ومستقبل السودان: هل يدرك وزير الري السوداني حجم المسئولية التاريخية؟ .. بقلم: حاتم أبوسن

 

من خلال متابعة دقيقة لقضية سد النهضة و علي ضوء الإفادات التي قدمها وزير الري السوداني في ندوة واشنطن حول تأثيرات سد النهضة علي السودان، أقول أن علي السودانيين أن يستيقظوا فورا و يتصدوا لهذه الكارثة، فالواضح جدا أن الإستراتيجية المتبعة في التعامل مع السد هي الخضوع التام لأثيوبيا و التسليم لها وفق الإفتراض بحسن النية الكامل و الأبدي لأثيوبيا و الوثوق حد الإطمئنان أنه لن يحدث أبدا خلاف مع هذه الجارة يمكن أن يستخدم فيه السد كسلاح لا حاضرا و لا مستقبلا، إضافة إلي الثقة الكاملة بإستحالة وجود أخطاء في التصميم أو التنفيذ أو الصيانة و الإطمئنان الذي لا يتسرب إليه شك بعدم إمكانية حدوث أي كوارث طبيعية يمكن أن تؤثر علي سلامة الخزان العملاق. لذلك فإن عباقرة و خبراء السودان قرروا المضي قدما بتوقيع شيك علي بياض بسلامة السد و الإكتفاء بتأكيدات أثيوبيا حرصها علي سلامة السد. هكذا تدار الأمور في بلادنا و هكذا نتعامل مع مهددات أمننا و أرضنا و إنساننا. في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية تصنف السدود حسب موقعها من البشر فإذا كان هنالك أي إحتمال لحدوث خسائر بشرية حالة حدوث خلل في السد تسمي سدود عالية الأخطار و إذا كانت السدود في مناطق غير مأهولة بالسكان تكون عادية الأخطار و يتغير التصنيف في حالة حدوث تغيير في عمران المنطقة ينطبق ذلك علي السدود الصغيرة و الكبيرة بإعتبار أن السد في حد ذاته خطر متجدد إلي ذلك فإن إجراءات السلامة و خطط مجابهة المخاطر تكون دائما موجودة أما عندنا في السودان فإن سد بهذا الحجم الضخم و الذي يمكن أن يمحو بلد كاملة و جارتها من الوجود يتم التعامل معه بلا مبالاة و عدم اكتراث متناهي.

لقد تخوفت منظمة الأنهار العالمية من نوايا أثيوبيا من هذا السد و أبدت قلقها من السرية البالغة و انعدام الشفافية التي اتبعتها أثيوبيا في بناءه دون أن يلفت هذا الأمر نظر الخبراء و المسؤليين السودانيين و ينبههم إلي خطورة الخطوة الأثيوبية.
ففيما خرج علينا نفر من السودانيين يعددون فوائد السد مركزين علي قضايا الكهرباء و الفيضانات و الطمي فقد حذرت المنظمات المختصة من أن بناء السد سيكون سببا في هذه المشاكل و ليس علاجا لها كما ورد في بعض الإفادات الخاطئة.
فالصحيح أن تخزين المياه بهذه الكميات المهولة سوف يزيد من الإضطرابات المناخية الحادة (Extreme Events)و يزيد من حالات الكوارث المرتبطة بذلك كالفيضانات و الجفاف و ما شابه أما موضوع حبس الطمي الذي من المفترض أن يقلل من الفيضانات حسب خبراءنا المحليين فهو منتقد من ناحية تأثيره علي مستقبل الزراعة في دول المجري السفلي و أيضا هو مهدد أساسي لسلامة السد نفسه و يمكن أن يكون سببا مستقبليا لحدوث تصدعات و مشاكل في جسم السد نتيجة لتكدس الطمي.
لا يبدو أن الكهرباء هي غاية السد الوحيدة ففيما يشكك الخبراء في إمكانية انتاج الطاقة المعلنة تدور تساؤلات عن سبب تركيز إثيوبيا علي السد وحده لإنتاج الطاقة و لماذا لم تستخدم البدائل الأخري و لكن السؤال الأهم لم لم يفكر السودان في بدائل اخري لإنتاج الطاقة عوضا علي الإعتماد علي هامش الإنتاج الأثيوبي بكل مخاطره الكبري.

هل خطر للمسئولين و الخبراء السودانيين وعلي رأسهم وزير الري السوداني أن بناء هذا السد سيغير واقع السودان هل تداول هؤلاء سؤال ماذا سيحدث إذا ما انهار السد و انهمرت هذه الكمية من المياه شمالا .. هل ؟ من سيتحمل نتيجة فناء بلد و أرض شعب. رضي من رضي و أنكر من أنكر هذا إحتمال وارد.

لكي ما نفهم خطورة سد النهضة علي السودان و الخطأ الإستراتيجي و الفادح في موافقة السودان عليه لابد من أن نضع في الإعتبار أن أثيوبيا قد قامت ببناء هذا السد بخطوة أحادية و حسب تقارير دولية فقد شرعت أثيوبيا في تنفيذ السد بسرية كاملة ضاربة عرض الحائط بكل إلتزاماتها القانونية و متجاهلة لحوارها مع مصر و السودان، فبنائها للسد لم يتم كما يعتقد البعض عن طريق مشاورة السودان و إشراكه في القرار و من ثم فإن قبول السودان للأمر و تبنيه له كما لو كان اتفاقا ثنائيا راعي مصالح السودان ليس سوي تطفل رخيص لا يليق بدولة في مقام السودان. الشيء الأهم فإن أثيوبيا قد قررت حماية مواطنيها و أراضيها من مخاطر السد الكبيرة و المحتملة علي حساب السودان و قامت ببناء السد الرئيسي علي بعد ١٥ كيلو متر فقط من الحدود السودانية و وضعت الخزان الكبير علي حافة الحدود السودانية مباشرة و قد أشارت دراسات مختلفة لمشاكل جوهرية للخزان تجعل منه قنبلة مائية تدميرية موقوتة.

لا توجد أية أسباب منطقية لدعم السودان للسد الأثيوبي، فعلاوة علي أن منافع هذا السد للسودان محدودة و ثانوية فإنه يمثل خطرا حقيقيا علي السودان للأسباب التالية:

1. المخاطر المتعلقة بسلامة السد هي مخاوف دائمة و متصاعدة تفوق كل فوائده و التي في جملتها غير مباشرة موقع السد علي حافة هاوية علي الحدود السودانية بكمية مياه تصل إلي ٧٤ مليار متر مكعب و إفتقاد السودان لأي درجة من الحماية يجعل السودان تحت رحمة أثيوبيا و في مجابهة مخاطر السد المحتملة و التي ستكون كارثية و مأساوية بغض النظر عن أسبابها طبيعية كانت أو فنية أو إرهابية أو حربية فالماء بطبيعة الحال سلاح مدمر فتاك و من الجنون و اللامعقولية أن تضع دولة جادة أرضها و سكانها في مواجهة خطر كهذا بكل هذه البساطة و اللامسئولية و من يقل بغير ذلك و يطلق الحجج العامة علي شاكلة أن السد قد بنته شركات عالمية لا تفرط في سمعتها أو أن أثيوبيا صرفت أموال كثيرة علي السد و ما شابه فليعد النظر في ذلك و لا يوجد مثال عالمي واحد لهذا التهاون و هذه اللغة المسترخية لا توجد إلا عندنا في السودان أما بقية دول العالم فهي تأخذ قضايا الأمن الإستراتيجي مأخذ الجد و تتعامل معها بمسئولية كاملة علي كل المستويات الرسمية و الشعبي.
2. رغم حماس المسئوليين السودانية فإن المعلومات المتوفرة عن السد محدودة جدا بسبب السرية و اللاشفافية التي تتعامل بها أثيوبيا مع الأطراف الأخري.
3. عدم وجود أي خطة للتعامل مع طوارىء السد فأثيوبيا لم تتحدث عن قنوات تصريف داخل السودان و السودان لم يدرج أي إجراءات سلامة احترازية في مباحثات السد لا يمكن القبول بأن يقع السد تحت السيطرة الأثيوبية الكاملة رغم أنه علي الحدود السودانية مباشرة.
4. السد مهدد أمني و حربي علي السودان لا يمكن مقارنته بالسد العالي مثلا الذي يقع داخل الأراضي المصرية و تحت الحماية المصرية.
5. موقع السد يفرض واقع مسئولية حمايته الكاملة علي السودان باعتبار أن السودان سيمون المتضرر الأساسي من أي هجوم عسكري علي السد.
6. في حالة تعسف أثيوبيا في حبس المياه ليس هنالك ضمان ألا تحدث مواجهة بين أثيوبيا و مصر يدفع ثمنها السودان إذا ما نشبت الحرب و قصفت مصر السد، هنا ستربح أثيوبيا و تدمر الدولتين.

تتعارض إفادات وزير الري السوداني ياسر عباس و تبسيطه للأمر مع تقارير من جهات مختصة لفتت النظر للأخطار المحدقة بالسودان جراء قيام هذا السد و لا يخرج الأمر عن إحتماليين أولهما عدم إطلاع الوزير و الدولة علي هذه التقارير الهامة و ثانيهما اطلاع الوزير علي هذه التقارير و تجاهله لها عمدا أو إستهتارا و لا تعليق علي فداحة الأمر في الحالتين، من الضروري جدا لوزير الري و لمن يسدون له النصح من أن ينتبهوا لخطورة الأمر و للمسئولية التاريخية العظمي و الأمانة الملقاة علي عاتقهم و عواقب ذلك عليهم و علي البلاد.
ختاما أود أن أقترح علي الوزير و الحكومة و الوفد المفاوض أن يستفيدوا من المتغيرات السياسية في السودان و التعامل معها كمسوغ قانوني لمراجعة الموقف السوداني إستنادا علي خطأ الحكومة السابقة و خطوتها غير الشرعية في تعريض مصالح السودان و أمنه للخطر و يمكن أن تثار هذه النقطة في مباحثات واشنطن بأن هنالك تخوف متزايد وسط السودانين من أمن السد و سلامته و أن الوفد المفاوض غير مخول و غير قادر علي أن يتحمل تبعات ذلك بمعزل عن الشعب في ظل المتغيرات السياسية في السودان هذه النقطة المحورية ستؤخذ مأخذ الجد من الوسيط الأمريكي الذي ستملي عليه إثارة هذه المسألة إلتزامات سياسية و أخلاقية هامة ستغير الموقف التفاوضي لصالح السودان.

habusin@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً