سليم أغا: أسفار مسترَق من جبال النُّوبة (1875-1827م) .. بقلم: (1) .. الدكتور قندول إبراهيم قندول
هذا التلخيص تم نشره في العدد الثاني/يونيو 2016م من مجلة “الحداثة” التي تصدر عن مشروع الفكر الديمقراطي والقراءة من أجل التغيير، وهو مشروع مدني طوعي غير ربحي سُّوداني يهتم بقضايا الفكر والمعرفة وثقافة الديمقراطية والتنمية. لقد رأينا أهمية إعادة نشر المقال في الجرائد الإسفيريَّة – بعد التشاور مع رئيس التحرير لكي تعم الفائدة لأكبر عدد من القراء.
نبدأ بالقول، بينما كان سليم أغا البالغ من العمر 8 سنوات حينذاك، واثنان من الصبيان يرعون بالغنم بعيداً عن القرية بإحدى قرى مملكة تقلي، تقدَّم نحوهم شابان من العرب يبدو أنَّهما كانا في مقتبل العمر كما ظهر في لون شعر لحيتيهما الأسود. سأل أحد الشابين الصبية سؤالاً بلهجة غريبة عنهم: “هل لديكم أغنام للبيع؟”(3) عرف الصبية أنَّ نبرة السؤال كانت مشحونة بالمكر الشديد والخداع البيِّن، ولكن كانت الإجابة الطبيعيَّة البريئة عن السؤال هي النفي. وعلى ضوء هذه الإجابة استأسد أحد الشابين وهجم على سليم الذي كان قريباً منهما، ولم يكن له حول ولا قوة فوقع في الرق إلى الأبد بعد بيعه لزعيم قبيلة عربيَّة كانت تسكن على مسافة ليست ببعيدة عن القرية. كان ذلك في العام 1834م تقريباً أي بعد عام واحد من إصدار الحكومة البريطانيَّة قانوناً لغت فيه وحرَّمت بموجبه الإتجار بالبشر. هكذا تقطَّع حلم وأمنية سليم في ترك رعاية الأغنام لشقيقه الأصغر لكي يتزوَّج ويكوِّن الأسرة الخاصة به. تلك كانت أمنية متواضعة ومرغوبة وقابلة للتحقيق لمن كان في هذه السن المبكرة بحسب تقاليد قبائل جبال النُّوبة، خاصة إذ كان والد سليم قد اختار له الفتاة التي توجب عليه الزاوج منها. ومن غير المألوف في عادات وتقاليد النُّوبة أيضاً أن تكون الزوجة أكبر من الزوج. فبحسب التقليد كان الرجل دائماً يكبر زوجته ولو بسنين بسيطة.(4) ففي حال سليم كانت الفتاة تكبره بأربع سنوات حيث كان عمرها اثنتي عشر ربيعاً وهو في السنة الثامنة من عمره تقريباً.
مهما يكن من الأمر، كان الهدف الأساسي من مجيء سليم إلى لندن هو تشجيع وتعزيز التجارة بين بريطانيا ووطنه – السُّودان – ومواصلة لجهوده في محاربة تجارة الرقيق. فقد كان حلمه يتمركز حول إنشاء اتصالات تجاريَّة بين بريطانيا العظمى وبين موطنه رغم الجور الذي لحق به من بعض مواطنيه. كان هذا الحلم يراوده لفترة طويلة! وكذلك كانت وجهة نظره واضحة وثاقبة فيما كان يعنيه بتعزيز التجارة. تمثَّلت هذه النظرة في وضع حد نهائي لتجارة الرقيق التي كان هو ضحيتها، ولهذا لا يمكن لأي كائن ما كان أن يوصم سليم بأنَّه إنسان عديم الطموح في تحقيق الحريَّة لذاته ولغيره. فقد كانت فلسفته مبنية على أنَّ الإنسان ولد حراً ولا بد أن يعيش حراً. إلى هذا الحد عبَّر عن رغبته في تحقيق تلك الحريَّة بلغة الفيكتوريين المفرطة بالثقة في عبارة قويَّة: “ليس هناك شيئاً مستحيلاً في القرن التاسع عشر”. ففي تلك الفترة برزت حركة مناهضة للرِّق وما فتئت تنادي بإلغائه وتحريمه. ومن حسن حظ سليم كان رجل الإحسان والأعمال الخيريَّة الأشهر توماس فويل بوكستون من قادة تلك الحركة، والذي خاطب تجمعاً نظَّمته جمعيَّة القضاء على تجارة الرِّق من أجل تقدُّم أفريقيا حضاريَّاً. أيضاً كان ضمن هذا التجمع، ديفيد ليفينغستون الذي كان وقتئذٍ مبشِّراً تحت التدريب مما أضفى إلى التجمُّع أهمية قصوى. فقد ذكر بوكستون أنَّه لا يمكن إنهاء تجارة الرقيق إلا بالتنمية الاقتصاديَّة التي تمكِّن الأفارقة من تسويق منتجاتهم المحليَّة لشراء البضاعة المصنوعة في أوروبا، خاصة من بريطانيا. أما ليفينغستون فقد استطاع تسويق أيديولوجيته الدينيَّة التبشيريَّة لأطراف ذات مصالح مختلفة، وهكذا حققت الكنيسة الهدف الأخلاقي بمناهضتها لتجارة الرِّق. ثانياً، وجد التجار وأصحاب المصانع في فكرته فرص التجارة خارج الحدود، وأما من الناحية الأخرى، فقد وجد الرحَّالة ضالتهم في التبرير اللازم في البحث عن طرق تجارية داخل القارة وحولها؛ أما الهدف الرابع، فقد تحقق بحصول الحكومة البريطانيَّة على الفوائد الإستراتيجيَّة بطريقة غير مباشرة ودون الانخراط بثقلها الرَّسمي في هذه العمليَّة.
لقد كان دور أليزابيث في توجيه وتعليم سليم بارزاً. لذلك أظهر سليم هذا الدور في إهداء لها فيما يعتبر رداً أخلاقياً قوياً للجميل الذي قدَّمته له. فقد ذكر سليم تجربته الشخصيَّة المريرة في ذلك الإهداء، ولكنه لم ينس أبداً تجارب أترابه النُّوبة الذين بقوا وراءه تحت ظروف الجهل والمرض والمسغبة والتعب متأسفاً ومتأسيَّاً ومتحسراً لحالهم إذ لم ينالوا حظاً من التعليم مثله. وقد استفسر سليم ذاته في أبلغ ما يكون السؤال غير مصدقاً الحال التي هو فيها ثم أجاب عن سؤاله: “إلى من يرجع فضل التعليم الذي استمتع به الآن غير راعية تعليمي، أليزابيث؟” وفي جملة أخرى وجه حديثه مباشرة إليها معبِّراً عن شعوره الصادق بأنَّه وجد فيها وعندها فقط عناية الأم البديلة التي أوفت بتحقيق رغباته ومتطلباته الشخصيَّة رغم بعده عن حنان وعطف والدته الحقيقيَّة، ورغم انفصاله عن العلاقات الحميمة مع أهله في جبال النُّوبة، لذلك فهو ممتن لها باهتمامها الكبير بتعليمه. وأخيراً اختتم الإهداء ببلاغة وبأسلوب رصين: “آمل أنَّ التحذيرات الخاصة التي تحيطينني بها أيتها المربِّية ستجعل مني إنساناً قوياً لمجابهة خصوم الإنسانيَّة المنتشرين في العالم”. ما أنبلها من عبارات الرؤية الثاقبة، فالعالم مليء بالشر والخير غير أنَّ آفة وآلة الشر كبيرة، إذ تحيط وتتربَّص بالضعفاء.
لم يتوقف خيال سليم في حدود الأسرة المفقودة بل امتد أفقه إلى البلدة التي احتضنته في أحرج وأحلك مراحل حياته، لذا نظَّم قصيدة عن بريطانيا واصفاً إياها بأرض السَّلام والحريَّة التي يجد فيها المظلوم المقهور الحماية، وقد جاء في بعض أبياتها المختارة الآتي:
لم يكن يعني الزمن ولا الحياة شيئاً في نفس سليم عندما انتقل ليقرض قرضاً حسناً في ميدان الحرب والشجاعة، وليكتب عن معركة قواليور في الهند بين قوات الإمبراطورية البريطانية وثوار إمبراطورية مارثا الهندية في العام 1843م، وكيف استبسل جنود الفريقين، إلا أنَّ النصر كان من نصيب الجيش البريطاني الذين افتخر بهم سليم. وكما أجاد النظم في مدح بريطانيا، طاف به خيال التفاؤل ملقياً النظر إلى أعلى فكتب قصيدة السماء معجباً بجمال لونها الأزرق، ثم نظر كرة ثانية إلى الشمس لكبر حجمها وشدَّة ضيائها وحرارتها، ونظر مرة ثالثة إلى القمر ولجماله ورونقه، ونظرة رابعة إلى النجوم وهي تتلألأ ضياءً ليتساءل متعجباً كيف تقف الأرض في ثبات وهي ترفع وتحمل كل هذه الأثقال، ولم يكن يجد بدَّاً إلا أن عزا تلك المقدرة إلى قوة الإله الأعظم في أبياتٍ جياد جاء فيها ما يلي:
قبل الحديث عن وفاة سليم لا بد من تسليط الأضواء على الأحداث التي سادت في أربعينيات القرن التاسع عشر، خاصة في كلٍ من بريطانيا وهايتي والولايات المتحدة الأمريكيَّة بشأن إعادة الرَّقيق السابق لأوطان جدودهم. فمن أجل الإعادة أنشأت بريطانيا مستعمرة في سيراليون العام 1787م، ونقلت إليها 1.500 من العبيد المحرَّرين. أما في هايتي فقد نجح دومينيك توسان أوفرتري في تحويل تمرُّد العبيد إلى حركة ثوريَّة رفضت صراحة أن يكون العرق أو العنصر أساساً للتصنيف الاجتماعي، وبالتالي أصبح مجتمع سان دومينيك حرَّاً، وصارت المستعمرة هي الأكثر ازدهاراً.(12) في ذات الوقت أصبح توسان حاكماً مدى الحياة للمستعمرة ضد رغبات نابليون بونابرت.(13) وفي العام 1816م هدفت جمعيَّة الاستعمار الأمريكيَّة نقل العبيد السابقين إلى أفريقيا لأنَّها كانت قلقة جداً بأنَّه لا يمكن التعايش السلمي مع هؤلاء العتقاء. ففي العام 1820م وصل أول فوج من 86 فرداً إلى الساحل الغربي من أفريقيا، وأُختيرت ليبيريا مكاناً منساباً لإيوائهم، ومن ثمَّ صارت ليبيريا مستعمرة رقيق مستقلة، وأمست مونروفيا عاصمتها نسبة للرئيس الأمريكي جيمس مونرو في العام 1847م.
(1) من الواضح أنَّ سليماً لم يكن اسمه سليماً، ولم يكن اسم والده أغا، لأنَّ الأسماء النُّوباويَّة الأفريقيَّة معروفة. أما إذا كان الصبي وأهله قد استعربوا فهذا أمر آخر. بيد أنَّ اسم أغا ذاته لا عربيَّاً ولا سودانيَّاً (أنظر المصدر السادس أدناه). فأسماء المناطق الطبيعيَّة والأشخاص في جبال النُّوبة تعرَّضت للتغيير نتيجة للتعريب أو اعتناق السكان الأصليين الدِّيانة الإسلاميَّة.
لا توجد تعليقات
