سيدي والي الخرطوم … هنا شارع جوبا

 


 

 

 

abdelrmohd@hotmail.com

 

ستدخله سيدي الوالي وفي الذهن وعود سمعها المواطن عن برامج أزمعتم تنفيذها لنظافة الخرطوم ستدخله بربطة عنق أنيقة وسيارة مكيفة وحرس شديد وشهبا تابعة لمسيرتك لدخول الشارع المسمى شارع جوبا. خير لك الأ تدخل فلن تدخلوا الشارع بسلام آمنين ...لن تظل ملابسكم وثيابكم كما هي ولن تعانق عيونكم أرصفة تكتحل بزهر البنفسج أو يبعث مسجل سيارتكم أغنية الراحل سيد خليفة...يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان
لن تجد هناك صدى للراحل عبدالرحمن الريح بعمامته الجميلة و شلوخه الراسية الموحية متغنيا مع حسن عطية:
زانت أرضها الوان من زهور
وشدت روضها أسراب من طيور
وغمرت جوها أنفاس من عطور
تسكر غير كؤوس من خمر النفوس
لا شك هي عروس النيل وحدها
يواصل ويقول :
في المقرن تشوف الأشجار صفوف
والنيل حولها كالعابد يطوف
تشرب من زلال
من خمر حلال
...سوف لن يتذكر الطلاب الدارسين شاعرنا المجيد التيجاني يوسف بشير يتغنى في زمن غابر جميل وأليم عن الخرطوم :
مدينةٌ كالزهرةِ المونقَهْ
تنفح بالطيب على قطْرها
ضفافُها السحريّة المورقة
يخفق قلبُ النيلِ في صدرها
تحسبها أغنيةً مطرقه
نَغّمها الحسنُ على نهرها
مبهمةٌ ألحانُها مُطلقَه
سوف يجهش جيلي بالبكاء أذ يتذكرون الشاعر المصري عزيز اباظة يحل بعاصمتنا في الخمسينات مندا
طالعتها فانفض عناء السفر
وأملا من الخرطوم سبح البصر
واهبط بموشي خميلاتها
بين الربى الخضر وشط النهر
وأشدد على قلبك لا ينفطر
وأمسك على دمعك لا ينهمر
قل للتي تنعم في خدرها
بالنوم قد طال على السهر.
لا تنزل من سيارة اللاند كروزر الفارهة ولا تعفر خد نعليك اللامعتين بالطين والقرف الذي يكسو الرصيف المتشح بتلال جميلة من القمامة على امتداده شرقا وغربا وكأن ما بين شارع جوبا والقذارة ثأرا قديما على حد تعبير أديبنا الطيب صالح.
لا تحاول المشي على الرصيف فلن تجد به مساحة للمشي او حتى النظر ، واني لأصدقك القول ان دخول الشارع الموبوء يحتاج الى تطعيم ضد مقومات الحزن والأسى والمرض في عاصمتنا القذرة....التي هبت يوما في جنح الدجى لتضمد بالعزم هاتيك الجراح ورحمة الله تغشى شاعرنا الراحل عبدالمجيد حاج الأمين.
لا تقرا مقال "السوداني " اليوم لترى كيف ان بعثة دبلوماسية هي بعثة الامارات خرجت لتنظف الشارع في اطار حملة نظموها لتنظيف بيتنا الوطني ...عاصمتنا الخرطوم ولربما شئت قراءة مقال الاستاذ ضياء الدين وهو يكتب بحسرة "شهد أعضاء السفارة الإماراتية بالخرطوم وهم ينظمون حملة لتنظيف بعض الشوارع كان مؤلماً وموجعاً ومهيناً!
أعضاء السفارة بروح خيرة، شعروا بأن لهم دوراً في مساعدة السودانيين لا بالمال والمساعدات والتغريدات فقط، ولكن حتى في تنظيف دارهم.!
تخيّل عزيزي القارئ قيام بعض ضيوفك بتنظيف منزلك نيابةً عنك!
يفعلون ذلك وأنت من على فراشك تنظر إليهم ويدك على خدك و(كوعك على اللحاف)!
وحين نُتّهم من البعض بالكسل واللا مبالاة نغضب ونثور لكبرياء مزعوم وكرامة مدعاة.
ستتحوّل صور أعضاء السفارة الإماراتية وهم يقومون بتنظيف شوارع الخرطوم إلى وصمة عار في جبين أي سوداني في كل مكان إلى نهاية التاريخ "
2
لا رمزية الشارع الذي كان بالأمس من ثقافة وحدة شطرى الوطن التي بددها سمسارة السياسة وأعداء الالتئام عصمته من بلاء القمامة وتراكمها على الرصيف وتسكع القطط والكلاب بين أعمدة الإنارة التي وقفت ذاهلة وحامية لتلال القمامة التي تطل عليها المطاعم والحوانيت وأماكن بيع الفاكهة والخضروات..
ولا صدى الشعر والزهر الماضي قبل أن يحنو على الأرصفة فيحل الشذي العاطر محل الذباب المميت ، ولا كلاب الحى قبلت التفاوض لإخلاء الموقع متمسكة بحقها في مائدة القذارة وسلطة النباح والعزف على أوتار طنين الحشرات الضارة.
ليست القذارة محصورة في شارع الود الحنون ...شارع جوبا مالك عليا ...قطار شلتا عينيا، ولكنها أصبحت ميزة لهذه المدينة التي نبت القريض على ضفافها ذات يوم وهي ذات المدينة التي كان من الممكن لنيلها غسل أدران الأرض بدلا عن تحوله الى نقمة لا تعرف الشفقة على زهر الليمون واللارنجة وسبائط النخل التي قررت العويل بدلا عن الإحتفاء بعيد الحصاد هذا العام.
من الطبيعي ان يكتب كاتب عربي زائر عاد لبلاده من الوطن مقالا عنوانه "وداعا عاصمة الأوساخ " ، في عاصمة كانت الرياحين ذات يوم تنبت على أرصفتها ، ويجري الأطفال على أبسطة عشبها يملؤون رئاتهم بشهقة الفل والياسمين.
وبعد سيدي الوالي ، فإن النظافة أهم عناصر الحياة فبلاد متسخة ، تعني عقول تحتاج إلى تعقيم بمواد شحذ الهمم واستنفار الطاقات ووضع النظافة في قائمة الأولويات . إن شباب هذا الوطن الذي قدم دماءه مهرا لحريته ، لن يتواني في تقديم وقته وعرقه فداء لصحة الوطن ومواطنيه.
////////////////////

 

آراء