عثمان ميرغني والإستراتيجية الإسرائيلية الدولية للسودان .. هل تركته في منتصف الطريق أم تركنا هو ؟! .. بقلم: إبراهيم عثمان
2 أبريل, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
121 زيارة
كتب الأستاذ عثمان ميرغني مقالاً بعنوان ( لا تفرحوا بالإستقالة ) تعليقاً على ما سماه ب( فرح البعض ) بخلافات الحركة الشعبية واستقالة الحلو :(( من السذاجة بمكان أن يفرح البعض بنبأ استقالة عبد العزيز الحلو نائب رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال.. إلا إذا كان الأمر أشبه بمباراة كرة القدم.. يصرخ الجمهور عندما تهتز الشباك.. ثم يفاجأ مع صافرة ختام المباراة بخسارة النتيجة النهائية.)) ، رغم أننا لم نشاهد فرحة معلنة كبيرة من فاعلين سياسيين في مركز تأثير يمكن لفرحتهم أن تغير المعادلات أو تؤجل حل خلافات الحركة فتنشطر فيحدث ما حذر منه عثمان ميرغني من سيناريو ( خطير و قاتم .. أشبه بنيفاشا) . مركز الحدث وبؤرته التي تحتاج إلى قراءة وإضاءة لم تكن هي الفرحة التي يتحدث عنها الأستاذ ميرغني بل واقعة الخلاف وخلفياتها ومسبباتها مقروءة مع خلافات الحركة الأم مقروءة مع “الإستراتيجية الإسرائيلية الدولية” للسودان ، فحتى لو فرح (البعض) من الذين يحذر الأستاذ عثمان ميرغني من عقابيل فرحتهم ،والواضح أنه يقصد الطرف الحكومي ، فلن يؤثر ذلك على مجريات الأمور داخل الحركة الشعبية ، لأن مآلات الأمور ستعتمد على حجم الخلاف داخلها و على أساليب المعالجة التي سيعتمدها قادة الحركة ورعاتها وقدرة الرعاة على التأثير على أجنحة الحركة . والدور الأكبر بالتأكيد – حسب عقيدة عثمان ميرغني – سيكون لإسرائيل وغيرها من الرعاة الدوليين فهو يراهم أصحاب إستراتيجيات متينة ، دقيقة ، ذكية ، تستهدف رخاء السودان وعافيته ووحدته في مقابل “السيطرة الفكرية”على السودان و “تحوير جيناته الوراثية” وتعديلها لتصلح لبناء دولة عصرية راشدة .
كان المتوقع أن يتناول الأستاذ عثمان ميرغني قضية الخلاف داخل الحركة الشعبية في إطار “الإستراتيجية” الدولية النافذة والتي تنفذ مخططاتها في فك وإعادة تركيب الدول بدقة متناهية ( تضاهي دقة مركبات الفضاء في انفصالها واتصالها ) ، ليكشف للقراء “أوراق” أخرى في الإمتحان الذي يعلم كافة تفاصيله كما سنرى بعد قليل . في الحقيقة سنرى حركة شعبية ليست سوى أداة طيعة في يد الإستراتيجية الدولية إلى درجة أن مقالين مخصصين لكشف “أوراق الإمتحان” الذي يعنيها مباشرة لم يرى الأستاذ ميرغني أي ضرورة لذكر الحركة ودورها فيهما إلا في إشارة عابرة في سؤال ملغوم بل غير صحيح المحتوى : ( لماذا تبدو سيناريوهات (الجنوب) دائماً محكمة و(مدروسة) تفاجئ الشمال وتربكه.. بينما خطط الشمال كلها مجرد يوميات تغابن وتشاكس.. وواحدة بواحدة.. ورزق اليوم باليوم. هل لأن القادة الجنوبيين أذكى.. وأمهر وأكثر خبرة.. أم لأنهم يستعينون باستراتيجيين يفكرون معهم وبهم.. ويخططون لهم ومعهم؟ ) ولعل الأستاذ عثمان ميرغني لن يجادل كثيراً في أهمية “الإستراتيجية الدولية” وتأثيرها البات الحاسم الدقيق الذي لا يحتمل المفاجآت والصدف كما يعتقد ويبشر إلى درجة الثقة الكاملة في قدرتها على فك وتركيب الدول بمنتهى الدقة فكيف بحركة هي طوع البنان الإسرائيلي الدولي ؟! . ولذلك كان الأولى أن يترك عقلية “العالم الثالث” والدول المتخلفة فلا ينشغل بالظرفي والتكتيكي والصغير من نوع الفرح أو الشماتة وتأثيرهما ، كان عليه ككاتب ينتمي فكرياً إلى عالم آخر ، عالم الدقة والعلمية والإستراتيجيا ، أن يحدثنا أولاً عن دور “الحركة الشعبية – فرع الشمال” في الإستراتيجية الإسرائيلية – الدولية المتقنة والذكية لفك وإعادة تركيب السودان ، وهل “أوراق الإمتحان” كانت تتضمن منذ البداية أن تستأنف الحرب مرة أخرى في الشمال ، أم أن هذا أمر طارئ اقتضته الخطة وهي في طور التنفيذ ؟! و ليكشف للقراء إن كان تقرير المصير لجبال النوبة هو جزء من الإستراتيجية الدقيقة الذكية أم إنه إجتهاد فردي خاطئ من عبد العزير الحلو ومن معه في لحظة انفصال عمن ( يفكرون معهم وبهم.. ويخططون لهم ومعهم ) ؟ وليوضح إن كانت الخلافات التي يحذر من أنها قد تؤدي إلى انشطار الحركة الشعبية هي جزء من الخطة الإستراتيجية أم لا ! فإن كانت خارج الخطة و كان خارجها أيضاً واقع الجنوب الآن والذي لا يحتاج إلى وصف ، فما هو تفسيره لإنحدار الخطة “المحكمة المدروسة” إلى يوميات تغابن وتشاكس.. وواحدة بواحدة.. ورزق اليوم باليوم. هل لأن قادة الحركة الأم والفرع أقل ذكاءا ومهارةً وخبرةً .. أم لأنهم لم يعودوا يستعينون باستراتيجيين يفكرون معهم وبهم.. ويخططون لهم ومعهم؟ أسئلة ليست للإمتحان ولا للمغالبة ولا الإحراج و إنما يفرضها الجزء الذي قام بكشفه من “أوراق الإمتحان” . فالإستراتيجيون لا يذهلون عن استراتيجياتهم الكبرى ويغرقون في تفاصيل انشغالات عالمثالثية تكتيكية صغيرة ،
وأولى الناس بالإلحاح في طلب إجابات على هذه الأسئلة والمزيد من الأسئلة الشبيهة هم تحديداً المؤمنون بدقة نظرية الفك- التركيب وأهدافها ( النبيلة ) ، فقد كان الأستاذ عثمان ميرغني في قمة الثقة في دقة الاستراتيجية الإسرائيلية الدولية للسودان وعلميتها ، وكانت الخطة -بحسبه – تسير كما خُطّط لها (كعادة خطط إسرائيل والغرب) وكانت الأهداف من النبل بحيث لا يقف في وجهها إلا (متطرف) يعترض على مجرد (السيطرة الفكرية الإسرائيلية) والتي تترجم -بحسب الأستاذ عثمان – إلى الغاء فكر ( التخلف وعدم الرشد السياسي و رزق اليوم باليوم و عدم سيادة القانون … الخ ) . كان الأولى أن لا يتركنا عثمان ميرغني في منتصف طريق الإستراتيجية المحكمة فيكتب عن الأهم بحسب معاييره و يخبر القراء عن مجريات مباراة الاستراتيجية الإسرائيلية الدولية وأين وصلت وهل هي في مرحلة “هز الشباك” التي لا تستحق الفرح أم تعدتها إلى مرحلة نتيجة المباراة ؟! ، وأن يشرح لماذا يعتبر أن نيفاشا جديدة عبارة عن ( سيناريو خطير وقاتم ) هل لأنه خارج الخطة أم لأن الخطة نفسها بالنسبة إليه تستحق هذا الوصف ؟! خاصةً وأن نيفاشا الأولى- حسب ما يقول – هي مرحلة الفك لإعمار الجنوب وتحويله إلى “دبي إفريقيا” ثم تأتي مرحلة التركيب لينداح الرخاء الإقتصادي والرشد السياسي شمالاً فتحدث الوحدة على أسس جديدة !
لا أعتقد أن الأستاذ عثمان ميرغني يقف ضد الخطة على الأقل هذا ما يستنجه القارئ لمقاله الشهير الذي مهد له بمقال خصص له عموده ، وأفرد للمقال صفحة داخلية من “التيار” ، وقد كان حريصاً في مقال التقديم وفي المقال الرئيسي على التذكير بأنه سيكشف ( أوراق الإمتحان ) ، وقدأوفى بوعده وكشف عن أن هناك إستراتيجية دولية محكمة ( مكتوبة بذكاء منقطع النظير … مكتوبة هناك بعيداً في بلاد أخرى تجيد صناعة المستقبل بنسيج متين من الخطط والاستراتيجيات.) . وقدم لوجهة نظره بما سماه ( بعض المفاهيم المهمة ) عرفنا من خلالها أن إسرائيل ( ليست دولة استعمارية “بالمعنى التقليدي” ) وعلمنا أن ( الإستراتيجية الإسرائيلية تفترض أنّ “ازدهار” العالم العربي مهم جداً من أجل أمن إسرائيل وازدهارها مادياً وتسلطها “فكرياً”) وأن ( الإستراتيجية الإسرائيلية لا تضمر احتلال الأردن ولا سوريا ولا لبنان.. ولا إريتريا ولا إثيوبيا ولا جنوب السودان ولا ولاية البحر الأحمر في السودان ولا الكرمك ولا قيسان ولا كل مترادفات المناطق التي يسهل تداولها على الألسن في الحديث عن (المؤامرة الدولية) .. ) وأن ( استراتيجية إسرائيل تسمح لها بالتبرع مجاناً لوجه الله لإعادة استصلاح وتطوير مشروع الجزيرة – مثلاً-.. أو تطوير الزراعة المطرية في السودان لتنتج مائة مرة ضعف ما تنتجه الآن.. فالمطلوب هو السيطرة <الفكرية>لا <الجغرافية>) وأن ( الإستراتيجيات الغربية والإسرائيلية وبالتحليل المنطقي للواقع السوداني ترى أنّ “شمال السودان” يعاني من حالة اندثار المثال بصورة كاملة ) و ( يُدرك راسمو الإستراتيجيات أنّ استيعاب “السودان” وشعوبه في الإستراتيجيات الدولية يتطلب إعادة هيكلة السودان بصورة أقرب إلى إعادة بناء وتكوين الوطن من جديد) إذ ( لم يعد ممكناً افتراض إعادة هيكلة وبناء الوطن السودان من الداخل. فالمطلوب استخدام “واقع” خارجي يسمح بإعادة تأسيس الوطن السودان. الفكرة بسيطة للغاية.. تأسيس دولة عصرية على جزء من الأرض السودانية، تصبح هي النواة التي تلتفت حولها – فهي المثال- بقية الأقاليم السودانية لتصنع الواقع الجديد ) لأن ( الإستراتيجية الدولية حول السودان لا تريد تفكيك الدولة الأكبر في إفريقيا. ولا تريد بعثرة الشعوب السودانية في عدة أوطان مستقلة؛ لأنّ كل ذلك يقلل من فرص السيطرة الفكرية على السودان.) و ( الاستراتيجية الدولية تستهدف إقامة دولة عصرية أنموذج في جنوب السودان.. والجنوب – سياسياً – بكر لم يتلوث بكثير من عقد الشمال) .
ثم بلغة جازمة كتب الأستاذ عثمان ميرغني مقالاً داخل المقال عن ملامح الدولة العصرية التي ستقيمها الإستراتيجية الدولية في الجنوب : ( وفي الإمكان تطوير نموذج دولة ديمقراطية رشيدة… وستحدث طفرة تنموية هائلة في دولة جنوب السودان تتخطى بسرعة نظيرتها في الدولة الأم السودان. ستصبح دولة جنوب السودان، “دبي” إفريقيا.. دولة مزدهرة اقتصادياً وجاذبة للاستثمار وسيجد السودانيون في الشمال أنفسهم مصطفين – منذ الصباح الباكر- أمام سفارة (دولة جنوب السودان) في الخرطوم للحصول على تأشيرة عمل في جنوب السودان.. ويبدأ (موسم الهجرة إلى الجنوب). ولن يستنكف شباب دولة السودان (الشمالي) أن يعملوا في هيئة النظافة في مدينة جوبا.. وعربات النفايات بل وفي نظافة المرافق الحكومية والشركات في جنوب السودان.. وربما حتى البيوت.. وتتبدل الصورة القديمة التي كان فيها أبناء جنوب السودان يعملون في مثل هذه المهن في الشمال. ستصبح دولة “جنوب السودان” محور تنمية في إفريقيا؛ وقبل ذلك مركز نشاط سياسي إقليمي أقرب إلى نموذج “أديس أبابا”. وستتحول عاصمة جنوب السودان الجديدة إلى قطب إعلامي دولي.. فتهاجر الفضائيات الإفريقية والسودانية إليه.. وتبث من أراضيه. كل هذه التغييرات ستجعل (جنوب السودان) في الخاطر السوداني مختلفاً وبعيداً تماماً عن الصورة التاريخية القديمة.. وستتودد الدولة الأم في الشمال إلى شقيقتها الصغرى في الجنوب لتكسب ودها.. ومن هنا تبدأ رحلة العودة إلى الأصل.. إلى الوطن. لن تحتاج الوحدة بين الدولتين إلى اتفاقية “نيفاشا” جديدة.. فالاستراتيجية الدولية أصلاً رسمت الدور بعناية تماماً كما تفعل مركبات الفضاء التي تنفصل في الجو ثم تلتصق بمنتهى الدقة. تبدأ رحلة العودة إلى الشمال.. وتندمج الدولتان.. ولكن شتان بين السودان القديم بكل عقده ومحنه والدولة الجديدة التي يمثل فيها الجنوب قطب التنمية وحقوق الإنسان ورشد الحكم والممارسة السياسية.) ويضيف ( وبدأت بشائر الإستراتيجية الدولية في جنوب السودان تلوح منذ الآن.. إذ تغيّرت العاصمة من جوبا الى رامشيل) .ثم تحدث عن احتفاء الإسرائيليين بجمهورية جنوب السودان وتطبيع العلاقات وتبادل السفراء ووعود التنمية والرخاء..وعن ( “الحلم الإسرائيلي” الذي تحقق…الاستراتجية الذكيّة التي ستجتاح دولة السودان الأم وتعيد تحوير جيناتها الوراثية.)
بعد هذه الإقتباسات التي أعتذر عن طولها و التي توسعت في توصيف مهارة وذكاء وعبقرية المخططين الإسرائيليين والدوليين ونواياهم الطيبة ، لا يصح أن يتركنا عثمان ميرغني في منتصف الطريق ، فلا نعلم أين نحن وفي أي مرحلة أو بالأصح ( في صفحة كم ) من أوراق الإمتحان ، وهل ما يبدو لنا من فشل وخلافات وحروب ومشاكل بين رفاق الحركة الشعبية بجناحيها ومن مجاعات توجد حيث توجد الحركة الشعبية شمالاً وجنوباً فيحدث موسم الهجرة إلى الشمال و هو ترفٌ لا يجد مثله المحتجزين في مناطق الحركة “المحررة” والجاهزة -ربما- إلى حدٍ ما لتشغيل استراتيجية الرخاء والرشد فهي إلى الجنوب أقرب ، جغرافياً وسياسياً و يديرها ويتحكم في سكانها ومصائرهم الفرع الشمالي من الحركة الأم ، هل ما نراه من فشل هو نتيجة قصور بنيوي قار وراكز في بنية تفكيرنا كمتخلفين عالمثالثيين لا نفهم في الإستراتيجيات والخطط ولا يكاد عقلنا القاصر يسعفنا لكي نخرج من أتون الآني والتباساته إلى أفق الإستراتيجي وحكمته وآفاقه ؟! إن كان الأمر كذلك فالأستاذ عثمان ميرغني مطالب بأكثر من مجرد استنكار الفرحة التي يتحدث عنها ، مطالب بكشف مزيد من الأوراق ليفرح من يفرح عن بينة ويحزن من يحزن عن بينة ، وإن لم يكن كذلك وكانت هناك عثرات وعقبات حقيقية تقف أمام الخطة فإن (شجاعة ووضوح ومبدأية ) كُتّاب العالم الأول الذين يتقمص عثمان ميرغني على الدوام شخصياتهم ويحكي عن قصص حضارتهم ، تحتم عليه أن يعترف بذلك ويكشف للقارئ عما تحتويه أوراق الإمتحان فيما يخص التعامل مع مثل هذه العوائق ، أو أن يعترف بأنه لا يعلم ، أو يكون أكثر شجاعة ويعترف بفشل الخطة – مرحلياً على الأقل – وأن إسرائيل و والدول صاحبة الخطة مثلها مثل أي أنظمة يديرها بشر ناقصون قد تضع خطة يفاجئها الواقع بتعقيداته فتفشل ، وأن دقة اتصال مركبات الفضاء بعد انفصالها لا تصلح لتكون تشبيهاً علمياً لواقع إنساني ملئ بالمفاجآت والتفاعلات ، او يعترف بأن سقف الخطة كان في الحقيقة هو فصل الجنوب واستخدامه لإضعاف الشمال دون فانتازيا الجنة التي ستقيمها الخطة في الجنوب ثم تنداح شمالاً ، فالواقع يثبت أننا لسنا مركز الكون ليخطط العالم لنا ويحتال علينا بخططه لكي يتمكن من تطويرنا و تحويل بلادنا إلى جنة لمجرد رغبته في (السيطرة الفكرية) علينا .. عليه إذن يختار من السابق أو يقترح مقاربة مختلفة حتى لا نظل أسرى عمانا العالمثالثي وقصور عقولنا عن فهم أسرار اللعبة الدولية في بلادنا ، ولا أظن أن الأستاذ سيماري في كونها مهمة (تنويرية) ملحة . حتى لا تستبد بنا الظنون بالخطة أو به ، فهناك من هو الآن في منتصف الطريق سواء نحن كقراء أو هو كعليم ببواطن الخطة .
salaby2013@yahoo.com