في سيرة الفن.. والجنوب .. بقلم: تاج السر الملك

في أوائل الستينات من القرن الماضي، وفي الوقت الذي وقف فيه المتشدد العنصري (جورج ولاس) حاكم ولاية الباما، وبصرامة وقحة ضد قوانين الإختلاط العرقي في المدارس الحكومية، توجهت الانسة المطربة السوداء (أريثا فرانكلين)، من شمال أمريكا، إلى أسفل الخارطة الفيدرالية، حيث ألقت عصا ترحالها بولاية ألباما، وحاكمها المثير للجدل، لا لتشارك في أي تظاهرة سياسية، ولكن لتسجل البوما غنائياً في أستديوهات (مصل شولز)، يصحبها في العزف فرقة الاستديو المكونة من مجموعة من شبان الجنوب البيض، والذين كان بالامكان ان يكونو أعضاء في جماعة الكوكلوكس كلان، أو بعض قناصة لاهم لهم سوي قتل السود وحرقهم معلقين في الاشجار. سبق اريثا الي هذا المكان المطرب الأسود (ويلسون بيكيت)، والذي قام بتسجيل أعظم اغنياته على الإطلاق، (أرض الالف رقصة)، والتي لا يكاد يصدق الناس حتي الآن، بان العازفين المنفذين كانو جماعة من الموسيقيين البيض، تبعته اريثا بتسجيل أعظم البوم غنائي لها حتى هذه اللحظة، تبعهم (بيرسي سليدج) وكلارنس كارتر.. بوبي ووماك.. جيمي كليف… والقائمة تطول.
يقودنا هذا الحديث إلى تناول الدور الحاسم والمهم الذي تضطلع به الفنون، في مد الجسوربين البشر من مختلف المشارب، وهو أمر حري بالتقصي والتأمل، فبالرغم من إيمان البعض، بـأن انتصار حركة الحقوق المدنية الأمريكية، جاء رهن نتيجة حتمية للنضال المسلح والنضال السلمي، وحتى النضال الايديولوجي، فان حقائق الاشياء تشير الى اتجاه مغاير آخر، ففي اعتقادنا أن الدور الاكبر كان للفنون السوداء، ولدينا العديد من الأدلة على ذلك، فحفلات الفنان جيمس براون، كانت تستخدم دون مواربة حتي، للتأثير على الراي العام، وبصورة أشمل استخداما من خطب السيد مارتن لوثر كنغ، لسبب واحد، هو أن لأغنيات السيد براون، خاصية العبور الى الجانب الاخر، بينما قد لا تتعدى خطب (اكس) و(مارتن)، وقبضات الفهود السود، حدود السود، وبعض المتعاطفين من البيض، وأغلبيتهم من اليهود والقوقاز الاقل درجة من الساكسون.
هيأت الفنون خلال تاريخها الإنساني، التربة الروحية الخصبة، والتي نمت وازدهرت على سطحها أزاهير الحرية، وقيم قبول الآخر، وتوجت كل انتصاراتها بنجاحها في إيصال اول رجل اسود إلى سدة حكم دولة عظمى، لم يكن يسمح له فيها بالدخول وحتي وقت قريب، الى مطعم للبيض، والا يجالسهم في المواصلات العامة.
في الوقت الذي كانت الشرطة البيضاء، تطلق الغاز وماء خراطيم الحريق وحتى الرصاص، علي المتظاهرين السياسيين في (سلما) الباما، كان الفنانون السود بمساعدة الفنانون البيض، يعملون في صمت لمزج الوجدان القومي، في جهد تمخضت عنه لاحقاً، ثقافة وطنية، تجمع بين البيض والسود في وحدة تستمر إلى الابد، اتيحت الفرصة للفن الاسود دون عداه من النشاطات الاخري، أن يغزو الوجدان الأبيض، فحدث التحول العظيم في رؤية الابيض للاسود مرة والى الابد، ومُنح الإنسان الاسود مكانه بالتساوي مع رصيفه الابيض، تم كل ذلك دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة. فبفضل امثال (سام كوك) و(هاري بلافونتي)، والموسيقي الامريكية السوداء القادمة من (مصل شولز)، في ولاية هي احدي معاقل العنصرية في العالم، بدأت الحرية رحلتها الحقيقية، دون أن يعترض طريقها عائق.
تحول الفنان الاسود في زمن وجيز، الي ما يشار إليه في الاصطلاح الامريكي بكلمة Household name) )، ويمكن ترجمة ذلك إلى (إسم معتمد لدي الاسرة)، أي أن الاسر تتفق حول الإعجاب بالشخص، فيصير تبعا لذلك فرد من افراد الاسرة، دون اعتبار للونه او ثقافته او معتقداته، فهو شخص محبوب لكل افراد المجتمع، ويجوز الوقوف في صفه والدفاع عن قضاياه.
وقد قدر لهذا النوع من الناس (نعني الفنانون)، أن يتمكنو من إحداث أثر عظيم، أهم سماته ايقاظ الوعي بالقيم الانسانية النبيلة، لدي كافة قطاعات المجتمع، حيث أن للفنون عامة جاذبية وسحر لا تقدر على مقاومته النفس البشرية السليمة، وذلك بما لها من طاقة موجبة، تحيل ظلمة وتعاسة هذا الكوكب، الي شعلة من فرح.
والمراقب لعلاقتنا وجنوب السودان، كشعب واحد ابتلي بالإنفضال والتفكك، بعد حرب ضروس دامت لنصف قرن من الزمان، يلحظ بوضوح تام غياب دور الفنون من ساحة المقاربة الوجدانية بين سكان الوطن، والذي كان واحدا موحدا، تحت سلطة البندقية معظم الاحيان، والإكراه السياسي الخفي في احايين اخرى، غابت الفنون تماما، عدا عن رحلات البروباغاندا الشمالية الفنية، إلى (الأقاليم) الجنوبية، والتي تعددت غزواتها عبر كل العهود السياسية، بغرض تحويل الذائقة الفنية الجنوبية، إن كان ذلك عن قصد، أو عن قصد، وتناست أو تجاهلت كل الانظمة السياسية والحزبية ومؤسسات الاعلام، وبل وتقاعست عبر العصور عن أن تقدم للشمال بعضا من ثقافة اهل الجنوب الفنية، نذكر عرضاً برنامج أجنبي الهيئة اسمه (ركن الجنوب)، لم يكن سوى مساحة أخري للغناء الشمالي معظم الاحيان، وشذرات من (جالوة) الكونغو، وبعض جاز امريكي. متناسين في خضم الصراع السلطوي، الفنون الجنوبية والتي لا تقل في عظمتها عن رصيفاتها العالمية، وليس أدل على عظمة الفن الجنوبي، من غناء قبيلة الدينكا الجماعي، وكوراله المهيب، والذي يتحدى في هارمونيته واتساقه وتعقيد ايقاعه الداخلي والخارجي، انتاج أعتي المعاهد الموسيقية العالمية، ينداح في الفضاء العريض بتلقائية واصالة، متحداً مع المدي والغابات والانهار، عالقاً بفروع الاشجار واجنحة الطيور، قادراً ومقتدراً حين لا يقدر السونكي على شي غير إحداث الجروح والقروح، وقد ينكأ القديم منها.
وقد قدر لي مثلي مثل غيري، الوقوف على الكثير من الكتب المطبوعة، والمقالات والمحاضرات التي تناولت شأن المسألة الشماجنوبية، فلم أجد احداً يتطرق إلى قضية التبادل الفني بين الإقليمين وخطورته، بل أن النهج تواتر في مناح بعيدة كل البعد عن واقع الاشياء، اهم سمات نهج التعامل، تعددت وتمددت وصبت جميعها في وعاء إلقاء اللوم، وتبادل الإتهامات، الدينية والسياسية والعرقية والإقتصادية والعسكرية ، والفأس قد ركب الرأس لا مناص. بينما لا تزال النار متقدة تحت الرماد.
وأذكر في شأن الفنون أن محطة إذاعية في واشنطن، طلبت حديثاً معي حول الفن التشكيلي السوداني وعلاقته بالسلام، إلا أن المحاور إشترط علي ألا اغفل الإشارة الى الفن التشكيلي الجنوبي خلال الحوار، حري بالذكر أن الحوار لم يتم، لأنني لم اهتد إلى إسم تشكيلي جنوبي واحد، هل لأنه لا يوجد تشكيلي جنوبي؟ بالقطع لا، ولا لكون أنه يتوجب على أن اكون صفوياً لمعرفة التشكيل الجنوبي، لأن الفن في الجنوب جزء من طقوس الحياة اليومية، لا تصلنا منه إلا عصي الابنوس المزركشة، والتي يقدل بها ضباط الجيش الشمالي، وقد (يهزونها) مبشرين حين يستبد بهم الطرب، تيهاً وبلهنية حين تجئ سيرة الصقير الحائم، لم يتجشم أحد العناء لإبراز التشكيل الجنوبي، وهي إغفاءة مميتة اصابت الوعي الثقافي السوداني لدهر او يزيد، حصد حصرمها الناس في الاقليمين حتي ساعة الإنهيار التام.
ثم أنني اجتهدت في تذكر أسماء بعض الموسيقيين الجنوبين المؤثرين، في زمن سابق لجيل (إيمانويل جال)، فلم أجد غير (عبد الله دينق) من فرقة جاز عطبرة، واتضح لي انه فنان شمالي الكينونة، فاسقطته من حسابي، واهديت الى روحه حيا او ميتا قوله (هم نسونا وقالو ما نسونا، نتمنى دايما لو هم يجونا)، أضف إلى ذلك أثنين من الفنانين الشماليين تغنو باللهجة الجنوبية، أنا وأخوي ملوال عند صلاح مصطفي، ويوم بيوم نبيع الكُمبا عند المرحوم خليل إسماعيل، فكان الأداء كارتونياً، أكثر من كونه جنوبياً، وجدت شخصيات أخري، ظاهرها جنوبي، وبداخلها (مكنة) شمالية، لمعت نجومها قليلا ثم خبت، قتلها قانون بيع الماء في حارة السقايين، ناس (زيدان والكابلي … الخ)، فهم شماليو الثقافة، يبغون بيع الشمال للشمال، بينما لا تجد أياً من فناني (السول والبلوز والجاز) السود، يحاول حتى ولو من باب التجريب أن يسعى لإرضاء البيض، بترديد اغنيات (الكنتري) او (حتى الروك اند رول) والذي تخلي عنه للبيض، وهو من إخترعه في الاساس، فاصبحت موسيقاهم هي الموسيقى الرائدة، بل انها واجهة الموسيقي الامريكية التي يفخر بها كل امريكي، إضافة إلى انها رافد من اهم روافد الإقتصاد الأمريكي، والذي يفوق محصل الإقتصاد الفني فيه، محصلات بيع الحرب. ساعد الفن عبر التاريخ، في التئام الجروح وتقريب الشقة بين الناس، فعل ذلك متجاوزاً إختلاف السحنات، واللهجة في ذات اللغة الواحدة، واسلوب العيش، والممارسة الدينية، فالكنيسة السوداء غيرها البيضاء، فلويس ارمسترونغ ومايلز ديفيس وجيمي هندريكس، فنانون امريكيون، وصور جيمي هندريكس تعلق في حوائط بيوت البيض، أكثر من تواجدها في حوائط بيوت السود، مثلها مثل بورتريه لويس التاسع عشر، ونستطيع القول بان شعبية القس مارتن لوثر كنغ لا تتجاوز عشر شعبية مايكل جاكسون، ودوننا في السودان حيث شيع الشباب فقيدهم الفنان محمود، بجنازة مهيبة لم يسبق أن حظي بها سياسي او زعيم او رجل دين على إطلاق تاريخ السودان الذي نعلمه.
نخلص إلى القول، بأن للفن والفنانبن قدرة على تحقيق، والوصول إلى ما يسميه الامريكيون (Grass roots)، والتي تعادل كلمة (الشعبية)، وكلمة (شعبية) لا تعني فئة معينة من الناس، بل تعني الجماهير بكل أطيافها، ولا اعتقد أن فنانا جنوبيا واحداً من كل فصائل الفنون، منح الفرصة لتحقيق حلم الشعبية، بينما منح ذلك الشرف للفن الاثيوبي والهندي والأغريقي والجاميكي، فتعاطفنا معهم في كل قضاياهم بسبب من رابط الوجدان، حتى وإن لم نكن نفهم مفردة واحدة في غناءهم. فمابالك بفنان جنوبي واحد، كان بالإمكان أن يعقد خيطا اوهي من بيت العنكبوت، يجوز أن يصلب عبر الزمن،ويصبح قادراً على رتق الفتق الذي اصاب الوطن العظيم والشعبين الشقيقين، أو أن يمنعه من الحدوث أساساً، وما كان للسياسيين الإنفصاليين بعدها، سوى أن يحفو لحي العار، وأن يتنبهو إلى ما يحدق بمجمل الوطن من مشكلات تتهدده، وأن ينظرو على الأقل في أمر حلايب وشلاتين، ذلك انفع للناس.

tajmultimedia@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً