في ظلمات بيوت الأشباح: يُدان الضمير ويُعدم الجسدحكاية علي فضل التي هزمت جلاديها

الصادق حمدين

في الحادي والعشرين من أبريل، لا يعود الزمن مجرد تقويم عابر، بل يتحول إلى ذاكرة مفتوحة على جرحٍ لم يندمل، وإلى شاهد حي على لحظة انكشفت فيها أبشع صور القهر الإنساني. إنها ذكرى الشهيد دكتور علي فضل، الذي لم يكن مجرد اسم في سجل الضحايا، بل كان موقفاً حياً، وقضية تمشي على قدمين، ورمزاً لإنسان دفع حياته ثمناً لقناعاته وأفكاره.

في الذكرى التي نستحضر فيها سيرة الدكتور علي فضل، يعود إلى الأذهان ذلك الموقف الذي اختزل معنى الصمود كله. بعد ثلاثة وعشرين يوماً من التعذيب الوحشي، نطق بكلمته التي بقيت شاهدة على شجاعته، محفورة في الذاكرة بأحرف من بطولة وفداء. قالها وهو يدرك أن الموت مصيره لا محالة؛ فإن نطق بها استُشهد، وإن صمت فلن ينجو. لكنها كانت كلمة اختار أن يقولها، فارتقى بها شهيداً وبقيت رمزاً لا يُنسى:

“أنا علي فضل أحمد… ظللت أتعرض للتعذيب المتصل وأعتقد بأنني قد شارفت على الموت… لقد كان ذلك بسبب أفكار وطريق اخترته عن قناعة ولن أتراجع عنه… وأنا على ثقة بأن هنالك من سيواصل بعدي على هذا الدرب.”
هذه الكلمات ليست مجرد شهادة، بل وصية مكتوبة بالوجع، وصدى لروحٍ رفضت أن تنكسر حتى وهي على حافة الموت.

جريمة علي فضل لم تكن سرقة ولا فساداً ولا اعتداء، بل كانت إيماناً عميقاً بالديمقراطية، وانحيازاً صريحاً للعدالة، وتمسكاً عنيداً بالحرية. لكن في زمن انقلبت فيه الموازين، صار الدفاع عن القيم جريمة، وصار الجلاد قاضياً، وغرف التعذيب محاكم، والظلام نصوص قانون يُنفَّذ بلا مساءلة.

هناك، في تلك الغرف التي لا يدخلها الضوء، لم يكن هناك ميزان عدل، بل أدوات قهر. لم تكن هناك محاكمة، بل تصفية. وحين دُقّ المسمار في رأسه، لم يكن ذلك مجرد فعل قتل، بل إعلاناً صارخاً عن سقوط إنساني مدوي. ومع ذلك، كانت المفارقة التي لا تموت: مات القاتل أخلاقياً، وعاش المقتول في ضمير الناس.

لم يعد اسم الجلاد يُذكر إلا مثقلاً بالعار، مهما حاول الزمن أن يغسله أو يخفف من وطأته. وعلى النقيض، صار اسم علي فضل مرادفًا لكل ما هو نقي وصلب في الإنسان: الكرامة، الثبات، والشجاعة. لقد انتصر، لا لأنه نجا، بل لأنه لم يتراجع عن كلمة حق في وجه باطش قانل.

هذه الذكرى ليست للبكاء، بل للمساءلة. ليست لاستدعاء الألم فقط، بل لإحياء المعنى. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُقتل إنسان تحت التعذيب، بل أن يُنسى. وأن تتحول المأساة إلى خبر قديم، بلا أثر في الوعي أو الضمير.

علي فضل لم يكن نهاية حكاية، بل بدايتها. كان يقيناً بأن الطريق، مهما كان موحشاً، لا بد أن يجد من يواصله. وأن الفكرة التي تُدفع ثمناً لها الحياة، لا تموت، بل تتجذر أكثر.

في أبريل، لا نحيي ذكرى رجل فحسب، بل نعيد طرح السؤال: أي عالمٍ نريد؟ عالم تُدق فيه المسامير في رؤوس الأحرار، أم عالم تُصان فيه كرامة الإنسان؟
والإجابة، كما أرادها علي فضل، ليست كلمات… بل موقف.
وكما يقول أهلنا الكرام الرجال مواقف. أيها الطبيب الإنسان أرقد بسلام، سيأتي نور الحرية التي استشهدت لأجلها وإن تأخرت خيوط ضوءها.

umniaissa@hotmail.com

عن الصادق حمدين

الصادق حمدين

شاهد أيضاً

الخيانة لا تحسم الحروب: درس التاريخ في حالة المنشق النور القُبّة

الصادق حمدين في الحروب، لا تُقاس الخيانات بحجم الضجيج الذي تُحدثه، بل بمدى قدرتها على …