نعود للحديث عن الحق الذي بدأناه بمقولة الامام محمد عبده الشهيرة والتي اشرنا لها في موضوع سابق.. وهنا يجب ان ننتبه لشى مهم وهو انه للوصول إلى الحق لا بد للمرء ان يعرف انه يحتاج إلى اعمال عقله، لان الحق لا يكتمل إلا بوجود عقل يبحث، ومن جهة اخرى فان الثبات عليه يحتاج إلى ضميرٍ حي.
ان الناس عادة لا يختلفون في حب الحق بقدر ما يختلفون في ثمنه. فكثيرون يؤمنون بالحق ما دام لا يمس مصالحهم، ولا يهدد مكانتهم، ولا يكلّفهم خسارة. فإذا جاء الاختبار انقسموا إلى فريقين: فريقٍ بقي مع الحق وإن بقي وحده، والفريق الثاني آثر السلامة، لكنه اختار الصمت أو المسايرة..
وطريق الحق والوصول إليه لم يكن ابداً في اى يوم من الأيام طريقًا سهلاً. فمنذ فجر التاريخ، نلاحظ ان أصحاب المصالح يقفون بشدة في طريق كل دعوة إلى العدل، فالحق ان تحقق فانه سوف يحدّ من كل سلطانهم، ويكشف زيفهم، ويعيد كلٌ الحقوق إلى أصحابها.
لكن لابد لنا ان ندرك شى مهم ان أعظم ما يفسد الحق أن يتحول إلى شعار يُرفع، لا قيمة يُمارس. فكم من إنسان يتحدث عن العدل وهو يظلم أقرب الناس إليه، وكم من مسؤول يكثر من الحديث عن النزاهة وهو أول من يفرّط فيها، وكم من مجتمع يطالب بحقه، لكنه لا يمنح الآخرين حقوقهم.
الحق ياسادتي لا يتجزأ، كما ان الحق لا يعرف المحاباة. فمن قبل الظلم على غيره، فتح الباب ليقع عليه يومًا ما. ومن رضي بالكذب إذا وافق هواه، فلن يجد من يصدق معه حين يحتاج إلى الصدق.
ومن البديهي القول إن أول انتصار للحق يبدأ داخل النفس. وذلك حين ينتصر الإنسان على تعصبه، وعلى هواه، وعلى رغبته في تبرير أخطائه، فانه يكون قد وضع قدمه الأولى في طريق الحقيقة. أما من جعل هواه ميزانًا، فلن يرى الحق إلا إذا وافق رغبته.
ويبقى الحق ثابتًا، وإن تغيّرت الوجوه، وتبدلت الأزمنة، واختلفت الموازين. فهو لا يستمد قوته من كثرة أنصاره، بل من كونه حقًا. وقد يتأخر انتصاره، لكن تأخره لا يعني هزيمته، كما أن انتشار الباطل لا يجعله حقيقة.
ولعل أعظم ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس كثرة المتحدثين عن الحق، وإنما كثرة الذين يعيشونه في أقوالهم وأفعالهم، لأن الأفعال هي اللغة التي لا تستطيع الأكاذيب أن تزاحمها..
عثمان يوسف خليل
