د. صلاح أحمد الحبو
لم تعد الحرب السودانية تُقرأ بوصفها صراعاً عسكرياً على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فحسب؛ فقد تحولت، بعد أكثر من ثلاث سنوات، إلى أزمة مركبة تضرب بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً. وما تكشفه أحدث المؤشرات الدولية هو أن الخطر لم يعد في استمرار الحرب وحده، بل في أن الحرب نفسها بدأت تنتج الشروط التي تجعل استمرارها ممكناً. لذلك لم يعد السؤال الأهم: من سينتصر؟ بل: أيُّ سودانٍ سيبقى بعد أن تصمت البنادق؟
اقتصادياً، تكشف الأرقام عمق الانهيار. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023، ثم 14% في 2024، وفق البنك الدولي، قبل أن يسجل الاقتصاد نمواً تقديرياً قدره 3.1% في 2025؛ وهو ارتداد محدود لا يعوض ما فقده الاقتصاد من طاقة إنتاجية. كما تراجعت إيرادات الحكومة من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024–2025، بينما ارتفعت نسبة الفقر المدقع من 48% في 2023 إلى 59% في 2025.
ولا تبدو آفاق 2026 أكثر اطمئناناً؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً حقيقياً لا يتجاوز 0.7%، مقابل تضخم سنوي يقارب 75.1%. وهذه المؤشرات لا تعكس أزمة دورة اقتصادية عابرة، وإنما اقتصاداً يعمل تحت ضغط الحرب وفقدان الإنتاج وتآكل الإيرادات واضطراب الأسواق.
المشكلة، إذن، ليست انخفاض الناتج وحده، بل تآكل القدرة الإنتاجية للدولة. فقد عطلت الحرب التجارة والخدمات والزراعة والاتصالات والصحة والتعليم، ودمرت سلاسل الإمداد، وقلصت الاستثمار. ومع انكماش الموارد العامة، تتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات والحماية الاجتماعية، وتتسع مساحة الاقتصاد الموازي واقتصاد الحرب.
وفي الغذاء تظهر الأزمة في صورتها الأكثر قسوة. فوفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال فبراير–مايو 2026، بينهم نحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، مع استمرار خطر المجاعة في 14 منطقة في دارفور وكردفان. كما يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال 2026.
وهنا يتحول الجوع من نتيجة للحرب إلى جزء من بنيتها الاقتصادية والاجتماعية. فتوقف الزراعة وتعطل الأسواق وفقدان سبل العيش يحول الأسرة المنتجة إلى أسرة محتاجة، ويجعل الغذاء مرتبطاً بالأمن والسيطرة على الطرق والمناطق. ولذلك فإن استعادة الأمن الغذائي ليست ملفاً إنسانياً منفصلاً عن السلام، بل شرطاً من شروط استقرار الاقتصاد والمجتمع.
ويضاعف النزوح هذه الحلقة. فقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة نحو 8.9 مليون نازح داخلياً حتى مارس 2026، بعد أن بلغ النزوح ذروته عند نحو 11.6 مليوناً في يناير 2025، فيما فر نحو 4.6 مليون شخص إلى الدول المجاورة.
هذه الأرقام تعني اقتلاع ملايين السودانيين من مواقع الإنتاج والعمل والتعليم، واستنزافاً متواصلاً لرأس المال البشري. فكل عام من النزوح يضيف كلفة جديدة إلى إعادة الإعمار، من السكن والتعليم والصحة إلى الأرض والملكية وسبل العيش والعودة الآمنة.
وفي الوقت نفسه، تتسع الفجوة بين حجم الكارثة وقدرة المجتمع الدولي على الاستجابة. فقد قدرت الأمم المتحدة أن 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان خلال 2026، وطالبت بنحو 2.9 مليار دولار للوصول إلى 20.4 مليوناً من الأكثر احتياجاً. لكن المساعدات، مهما اتسعت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الاقتصاد والدولة؛ فهي تنقذ الإنسان من الجوع، لكنها لا تعيد تشغيل المزرعة أو المصنع أو المدرسة أو المستشفى.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الذهب بوصفه مثالاً على مفارقة الحرب. فقد بلغ الإنتاج الرسمي نحو 70 طناً في 2025 مقابل 64 طناً في 2024، وفق بيانات حكومية نقلتها مصادر دولية، فيما تشير التقديرات إلى خروج نسبة كبيرة من الإنتاج عبر قنوات غير رسمية.
وهنا تصبح الثروة، بدلاً من أن تكون رافعة للإنقاذ الاقتصادي، قابلة للتحول إلى مورد لاقتصاد الحرب. فالذهب يوفر السيولة والنفوذ في بيئة تضعف فيها الرقابة الرسمية وتتعدد مراكز السيطرة، بما يقلل الموارد التي يمكن أن تمول الخدمات وإعادة الإعمار.
ومن ثم لا يعاني السودان فقط من انقسام السلطة، بل من خطر انقسام وظائف الدولة نفسها. فمع استمرار الحرب تتشكل مراكز نفوذ أمنية واقتصادية ومحلية تتحكم في الأرض والطرق والموارد والأسواق، ويصبح توحيد الدولة بعد الحرب أكثر تعقيداً من مجرد توحيد القوات؛ لأنه يتطلب أيضاً إعادة بناء القانون والإدارة والاقتصاد والثقة العامة.
وتزداد المسألة تعقيداً مع امتداد الحرب إلى البيئة الإقليمية عبر شبكات السلاح والتمويل والتجارة. ولذلك فإن إنهاء الصراع يحتاج إلى إرادة سودانية، لكنه يحتاج كذلك إلى بيئة إقليمية ودولية تكبح مصادر إدامة الحرب.
أما أخطر التحولات فهو انتقال العنف، في بعض المناطق، من التنافس على السلطة إلى الاستهداف على أساس الهوية والأرض. وقد وثقت التقارير الدولية بشأن الفاشر ودارفور أنماطاً خطيرة من القتل والتهجير والانتهاكات ذات الطابع الإثني، وهو ما يهدد بتحويل الحرب إلى جرح اجتماعي طويل الأمد. وعند هذه النقطة تصبح العدالة والمساءلة وتسوية قضايا الأرض والملكية شروطاً للسلام، لا ملفات مؤجلة إلى ما بعده.
لذلك فإن وقف إطلاق النار، رغم ضرورته، ليس نهاية الطريق. السودان يحتاج إلى تسوية سياسية تعيد بناء الدولة لا مجرد تقاسم السلطة، وإصلاح اقتصادي يعيد الإنتاج، وعدالة انتقالية تعالج آثار العنف، ونظام أمني موحد ينهي تعدد مراكز القوة.
والعودة إلى ما قبل أبريل 2023 ليست بالضرورة عودة إلى الاستقرار؛ فقد كانت تلك المرحلة تحمل اختلالات الدولة التي انفجرت لاحقاً في صورة حرب. المطلوب هو تحويل كارثة الحرب إلى لحظة تأسيس جديدة: دولة أكثر عدالة في توزيع الموارد، أقوى مؤسسياً، أقل ارتهاناً لاقتصاد الحرب، وأكثر قدرة على حماية مواطنيها وإنتاج التنمية.
لقد كشفت الأرقام أن السودان فقد جزءاً هائلاً من ناتجه، وتراجعت إيراداته العامة، واتسع الفقر، واقتُلع ملايين السودانيين من ديارهم، وأصبح نحو 41% من السكان في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. هذه ليست مؤشرات أزمة عابرة، بل ملامح إعادة تشكيل قسرية للدولة والمجتمع والاقتصاد.
لذلك قد تنتهي الحرب بانتصار عسكري أو باتفاق سياسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتصار السودان.
السؤال الحقيقي ليس: من ينتصر؟ بل: أيُّ سودانٍ سيبقى؟
فالسودان الذي ينبغي إنقاذه ليس مجرد أرض وحدود وسلطة؛ بل دولة ومجتمع واقتصاد وذاكرة ومستقبل. وإذا كان ضعف الدولة قد جعل الحرب ممكنة، فإن إطالة الحرب قد تجعل ضعف الدولة هو إرثها الأخطر.
ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: استعادة الدولة قبل أن يصبح انهيارها هو الوضع الطبيعي الجديد.
المراجع: البنك الدولي؛ صندوق النقد الدولي؛ التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC؛ المنظمة الدولية للهجرة IOM؛ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA؛ برنامج الأغذية العالمي WFP؛ ومصادر دولية موثوقة بشأن إنتاج الذهب واقتصاد الحرب في السودان
habobsalah@gmail.com
