إن فوكس
نجيب عبدالرحيم
najeebwm@hotmail.com
بالتزامن مع الذكرى السنوية لاندلاع الحرب العبثية في السودان في 15 أبريل 2023، تستضيف العاصمة الألمانية برلين مؤتمراً دولياً يُنظر إليه بوصفه محطة مفصلية لإعادة تنشيط الجهود الإنسانية والسياسية تجاه واحدة من أعقد الأزمات في العالم اليوم.
يهدف المؤتمر إلى حشد التمويل العاجل لمواجهة التدهور الإنساني المتسارع، خاصة في القطاعات الصحية والغذائية، مع التأكيد على ضرورة ضمان وصول المساعدات دون عوائق. كما يسعى، في بعده السياسي، إلى الدفع نحو وقف إطلاق النار والضغط على أطراف النزاع للانخراط في مسار تفاوضي جاد، يفضي إلى حل شامل ومستدام ينهي الحرب ويعيد بناء مؤسسات الدولة.
ويحظى المؤتمر بزخم دولي واسع، بمشاركة الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية وجامعة الدول العربية، إلى جانب الآلية الرباعية التي تشمل الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، فضلاً عن حضور وزراء خارجية من أكثر من 25 دولة، ونخبة من الشخصيات السودانية السياسية والمدنية، ومنظمات أممية وإنسانية رفيعة.
ورغم هذا الحضور الكثيف، تظل التحديات السياسية حاضرة بقوة. فمقاطعة بعض القوى السودانية للمؤتمر، إلى جانب محاولات التشويش الإعلامي والاستقطاب الحاد، تعكس عمق الانقسام الداخلي، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة المؤتمر على إحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة. فالتفاؤل، وإن كان ضرورياً، لا يكفي وحده لمعالجة جذور الصراع أو تضميد جراحه العميقة.
وفي السياق ذاته، تبدو الدولة المضيفة حريصة على تأمين بيئة مستقرة لإنجاح أعمال المؤتمر، عبر فرض ترتيبات أمنية صارمة تحول دون أي محاولات لإرباكه أو تحويله إلى ساحة صراع موازٍ. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الإجراءات التنظيمية، بل في مدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات حقيقية تغلّب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
السودان اليوم يقف على حافة انفجار إنساني غير مسبوق؛ حيث تتفاقم معاناة المدنيين في ظل استمرار العمليات العسكرية، وانهيار الخدمات الأساسية، واتساع رقعة النزوح. وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي جهد دولي—مهما بلغ حجمه—لن يحقق أهدافه دون إرادة وطنية موحدة تضع حداً للحرب وتعيد توجيه البوصلة نحو بناء السلام.
إن توحيد الصف الوطني لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية تفرضها مخاطر التفكك والانهيار. فتعزيز اللحمة الوطنية، ونبذ خطاب الكراهية والجهوية، والعمل على تأسيس جبهة مدنية وسياسية عريضة، يمثل الطريق الأقصر نحو استعادة الاستقرار، وتهيئة البيئة لعملية انتقالية حقيقية تفضي إلى دولة الحرية والسلام والعدالة.
وفي هذا الإطار، يظل وقف الأعمال العدائية أولوية قصوى، يليه فتح الممرات الإنسانية، ثم العودة إلى طاولة التفاوض—ومنها منبر جدة—كمدخل واقعي لإنهاء النزاع. فاستمرار الحرب لن يقود إلا إلى مزيد من الدمار والتشظي، بما يهدد حاضر السودان ومستقبله على حد سواء.
ورغم قتامة المشهد، تبقى جذوة الأمل متقدة في وجدان الشعب السوداني، الذي عبّرت عنه ثورة ديسمبر السودانية، كإرادة صلبة للحرية والكرامة والسلام. هذه الإرادة، مهما طال أمد الحرب، تظل عصية على الانكسار.
لا للحرب… نعم للسلام
المجد والخلود للشهداء
ولك الله يا وطني… فغدًا، رغم كل شيء، ستشرق شمسك.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم