مسألة حق تقرير المصير.. في حل قضيَّة جبال النُّوبة والنِّيل الأزرق (1 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
يعود أصل مبدأ تقرير المصير إلى الإعلان الأميريكي للاستقلال العام 1776م، والثورة الفرنسيَّة العام 1789م، وهو المبدأ الذي أنهى فكرة أنَّ الأفراد والشعوب هم رعايا الملك أو متاعه، حيث يمكن تحويله أو تغريبه أو التنازل عنه أو حمايته حسبما تستدعي مصالح الملك. وتصب مركزيَّة المبدأ في الإصرار الأميريكي أو الفرنسي على أن تكون الحكومة مسؤولة عن الشَّعب. وبما أنَّه قد تمَّ الإعلان عن حق تقرير المصير في فرنسا العام 1790م، إلا أنَّه كان قد تمَّ تضمينه في الفقرة 2 في المادة 13 من مشروع الدستور الذي قدَّمه الفيلسوف الفرنسي المركيز دو كوندورسيه (ماري جان أنطوان نيقولا كاريتا) إلى المؤتمر القومي في 15 شباط (فبراير) 1793م. وبما أنَّ القادة الفرنسيين – أثناء كتابتهم للفقرة 2 من الدستور إيَّاه – كانوا ينشدون هدفاً سامياً، غير أنَّهم أساءوا تطبيقه في الإجراءات العمليَّة. وتحديداً استخدموا نص تقرير المصير لتبرير احتلال أراضي تابعة لدول ذات سيادة لصالح فرنسا، ومن ثمَّ بات الاحتلال قانونيَّاً. ففي 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1790م – على سبيل المثال وبناءً على رغبة السكَّان في منطقة الألزاس في الالتحاق بفرنسا – أكَّد ميرلين دو دواي بأنَّ الألزاسيين جزءٌ لا يتجزأ من فرنسا، وينبغي من الآن وصاعداً أن لا يحكمهم الأمراء الألمان، الذين بسطوا سيادتهم على الإقليم عملاً بمعاهدة ويستفاليا العام 1648م.
كان الزعيم السِّياسي السوفييتي فلاديمير لينين (1870-1924م) يجادل في أكثر صدقاً بأنَّ هناك محتوى ديمقراطيَّاً في قوميَّة أيَّة أمَّة مضطَّهدة، وفي هذه الحال ينبغي دعمها، وذلك برغم من طبيعتها البرجوازيَّة. وتحت تأثيره تبنَّى المؤتمر الثاني لحزب العمال الرُّوسي الاشتراكي-الدِّيمقراطي العام 1930م حق تقرير المصير لكل القوميَّات التي شكَّلت أجزاء الدولة الرُّوسيَّة. فقد أكَّد لينين أنَّ القوميَّة العدائيَّة هي المشكل، وليست القوميَّة الدِّفاعيَّة.
حين تمَّ افتتاح مؤتمر السَّلام بعد الحرب العالميَّة الأولى العام 1919م في العاصمة الفرنسيَّة، باريس، كان المبدأ الشائع هو حق تقرير المصير لكل الأمم. ففي الحين الذي فيه أخذت القوى الأكثر رجعيَّة في المجتمع الغربي تسير في اتجاه الإمبرياليَّة المعسكرة، شرع اليسار تحت نفوذ الأيديولوجيَّة الاشتراكيَّة في اعتبار الحركة القوميَّة خدعة برجوازيَّة لانحراف العمال من مصيرهم الحقيقي. إذ أخذ بعض مدارس الفكر الاشتراكي، علاوة على استهجان القوميَّة، يستنكر الدِّيمقراطيَّة، على الأقل في ممارستها في المجتمع الرأسمالي. وقد كانت هناك ثمة أحزاباً اشتراكيَّة في النَّمسا وروسيا، وهي التي كانت لها الاستعداد في دعم الحركات القوميَّة كوسيلة لإضعاف الإمبرياليَّة الرأسماليَّة.
لا توجد تعليقات
