مصطلحات الاسلاميون وتآكل الرصيد الوجداني لدى الشعب السوداني .. بقلم: الدكتور احمد صافي الدين

 

ان من ابجديات العمل التنظيمي لدى كل كيان هو الحفاظ على صورة ذهنية مشرقة، من خلال قياسي الرصيد النفسي لدى القواعد ، والبحث عن آليات زيادته باستمرار. فالاعراض عن رضا الجمهور ثمنه فادح، وكارثته الكبرى ستحل بأي تنظيم لا يراعي هذه القاعدة ويعمل لها. فعملية فقدان المساندة والمآزرة ، يعبر عنها في العامية السودانية بكلمة (قرفنا). يمكن القول أن
العلاقات الاجتماعية على مستوى القواعد، والعلائق بين الحاكم والمحكوم مثل رصيد الهاتف، يزداد ويتناقض مع الشحن والاستعمال، فاذا زاد الاول عن الثاني ظلت قيمة الرصيد في تفاقم وزيادة، والعكس صحيح.
فالعلاقة والتواصل بين الحكومة وشعبها، وبين اي تنظيم وجمهوره تحكمهما معادلة الشحن وتحويل وسحب الرصيد في الهاتف. كما ان هذه العلاقة تماثلها علاقة الاتصال بين طرفين، فالهاتف السليم من عيوب التشغيل، ومشكلات البرمجة ، وضعف او انعدام الشبكة، وفقدان الطاقة يؤدي مهمته ووظيفته على نحو مطلوب، فاذا فقد احدى مقومات العمل تعطل ولم يؤد الوظيفة الاتصالية المنشودة.
فالاسلاميون في السودان الذين حكموا ثلاثين عاماً، يعلم القاصي والداني الدرك الذي أوصلوا اليه الشعب. والسؤال ههنا هو: هل لدى الاسلاميين رصيد وجداني لدى الشعب السوداني بعد ان أذاقوه الامرين طوال سنوات حكمهم؟ وهل يغفر لهم شعب السودان تمسكهم بالسلطة ومكابرتهم، ومغالطتهم، واستئثارهم بالثورة والتحكم في مفاصل الدولة؟ وهل يمكن ان نطلق على سنوات الانقاذ وصف غير انها سنوات مريرة اشد من حكم ما يسمى بالاستعمار، بل هي الاستعمار الوطني الجديد. كثيرون اكدوا انه لو قدر لليهود أن يحكمونا لرحمونا ، ولو قدر طلب منهم تخريب البلاد طلبا لما وصلوا بالبلاد الى هذا الدرك السحيق.
يمكن القول أن الوجدان أو المشاركة الوجدانيّة هي : القدرة على فهم وإدراك مشاعر الآخرين والإحساس بها. والشِّعر الوجدانيّ : شِّعر يرتكز على حسّ إنساني راقي والتّصوير النَّفْسيّ الخالص. والإدراك الوجدانيّ : في الفلسفة والتصوُّف هي الحَدْس بالحقائق الأخلاقيّة عن طريق القلب والعاطفة من غير تدخُّل للعقل. والأثر الوجدانيّ : في علوم النفس، ما يصاحب الإحساسات من لذَّة أو ألم. والتناقض الوجداني في علوم النفس: الانفعالات المتضاربة في آن واحد، كالحبّ والكراهية التي تتأرجح في باطن النفس، وهي في مظهرها الحادّ تتصل بعدم القدرة على اتخاذ القرار وتحويل الانفعالات من فكرةٍ إلى أخرى أو غير ذلك. هنالك الكثير من التساؤلات التي تطرحها المقالة للقارئ ليتاملها: لماذا يصر الاسلاميون على التشبث بالسلطة رغم خيبتهم وفشلهم في ادارة الدولة وعجزهم عن تحقيق وظيفة السلطة الحاكمة. هنالك جملة من الاحاديث التي تتبادلها المجالس منها:اذا حكمنا العلمانيون او اللبراليون او من سواهم وتركونا في حالنا مع توفير متطلبات الحياة الضرورية، سنرفع لهم القبعة تحية واحتراما. ومنها إذا حكمنا الاسلاميون كما حكمونا خلال ثلاثين عاماَ، كلها بهدلة وغطرسة وطغيان وتهميش وتجويع وغلاء، مترادفة مع سرقة موارد البلاد، وانتشار للفساد، وتكديس الاموال والتعدد في الزيجات وبناء القصور، نقول لهم سحقاً سحقاً، بعداً بعداً. ايها الاسلاميون لن تدخلونا الجنة بحكمكم لنا، ولن يدخلنا اللبراليون والشيوعيون النار اذا حكمونا. فدخولنا الجنة من عدمه متوقف على سلوكنا واعمالنا الصالحة او الطالحة. ايها المتأسلمون نحن مسلمون قبل ان تكونوا حزبا اسلامياً، وسنكون بعد ان لا تكونوا حزبا، إذ ليس شرطا في اسلامنا ان نكون اخواناً مسلمين معكم. فوظيفة الحاكم يا هؤلاء -كما قال على ابن ابي طالب- تتمثل في سد جوعة الجائع، وكسوة العريان، وتوفير الحرفة لكسب العيش، ومجاهدة العدو. ولكنا حين حكمتمونا من كان شبعاً بيننا جوعتموه، ومن كان جائعاً ازداد جوعاً على جوعه. ومن كان عرياناً ازداد عرياً بخطل سياساتكم، تمكينكم افقد ذوي الحرف حرفهم، حيث دخل المزارعون السجون بتمويلات الربا، وهجر البلاد الشباب وغير الشباب، من فرط كراهية الاوضاع وديمومة تدهورها، دون بصيص امل في الاصلاح. لم نر منكم مجاهدة عدو، بل صار الاشقاء والاصدقاء على حد سواء اعداء لكم بسبب عقم فكركم، قتلتم من قتلتم باسم الجهاد، وفصلتم من فصلتم كما تزعمون للصالح العام، وما هو بصالح ولا عام. تمكينكم لم يحقق لكم سوى التمكن من الفشل، ولعاعة من الدنيا، ستزول وتفنى، ويبقى في الحلقة غصة ومرارة. واليوم، افلستم البلاد بسبب سياساتكم،لكنكم كنزتم الذهب والدولار، وملكتم العمائر واكثرتم من الاسفار مرة حجة، ومرة عمرة، فهل ينفعكم صنعكم هذا؟ لقد سقطم في امتحان الشعائر التعاملية، فماذا تنفعكم الشعائر التعبدية؟ بسياساتكم الرعناء حوصرت البلاد من قبل القوى الكبرى، فاوقعتمونا في مصيدة القمح الاميركي، ورميتمونا في جب عميق من الديون. يا هؤلاء اتقوا الله في عباده، وخافوه ان كنتم مؤمنين. لماذا جئتم، ومن اين اتيتم، ولماذا فعلتم ما فعلتم، هل دعوناكم لتحكمونا باسم الدين؟ يقيني ان زحفكم الاخضر هو رماد في يوم ريح عاصف اطلقوه، فليته ينفعكم. ان السودان الآن قد دخل بالفعل مرحلة ما بعد الاسلاموية ولن يجدي الترقيع الذي تقوم به دولتكم العميقة ولا الموازية. إن ما ضركم حسب تقديري وتقدير كثيرين هو الإنشغال بالتنازع السياسي على حساب الدعوي التواصلي، وهو ما أثر على الرصيد الشعبي لحركتم و التي لم تعد في مقاعد الحكم بل خرجت ايضا من خانة المعارضة الوطنية، مع تنامي الفجوة بين خطابها الدعوي التاريخي بوعوده والواقع السياسي بقيوده.

ahmedsafidin@yahoo.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً