دكتور محمد عبدالله
يتداول رواد منصات التواصل الاجتماعي هذه الأيام طرفة رمزية عن حوار متخيَّل بين صيني وأفريقي التقيا في إحدى المدن الأوروبية. يمضي الصيني في طرح أسئلة بسيطة عن الأسماء، ولغة التعليم، والدين، والصناعة، ثم ينتهي إلى خلاصة ساخرة مفادها أن أفريقيا لم تفقد استقلالها يوم احتُلّت أرضها، بل يوم فقدت ثقتها بعقلها.
القصة ليست واقعة تاريخية، وربما لم تحدث أصلاً، لكنها تلامس سؤالاً ظل يلاحق القارة منذ عقود: كيف انتهى الحال بأفريقيا، وهي التي تمتلك هذا القدر من الثروات الطبيعية والطاقات البشرية، إلى موقع التابع أكثر من موقع الشريك في صناعة العالم؟
ولعل السودان يقدم اليوم واحدة من أكثر الإجابات إيلاماً عن هذا السؤال. فبلد كان، حتى وقت غير بعيد، يُنظر إليه بوصفه من أكثر الدول الأفريقية امتلاكاً لمقومات الدولة الحديثة، يجد نفسه اليوم غارقاً في حرب مدمرة، وانهيار مؤسساتي، وفوضى تكاد تختزل الصورة التي ارتبطت، بحق أو بغير حق، بأجزاء واسعة من القارة.
لم يكن السودان يوماً بلداً فقيراً. فقد امتلك أرضاً زراعية شاسعة، وموارد مائية كبيرة، وثروات معدنية واعدة، كما امتلك جهازاً إدارياً محترماً، وجامعات خرجت أجيالاً من الكفاءات، وقضاءً كان يحظى بسمعة طيبة داخل الإقليم. ولم يكن ينقصه رأس المال البشري بقدر ما افتقد، على مدى سنوات طويلة، الإدارة الرشيدة والرؤية الوطنية الجامعة.
غير أن هذه المقومات لم تتحول إلى مشروع للدولة. فقد استنزفت السياسة مؤسساتها، واستنزفت الحروب مجتمعها، فيما استهلكت الصراعات الأيديولوجية جزءاً كبيراً من طاقتها. ومع مرور الوقت، أصبحت المؤسسات أقرب إلى غنائم تتقاسمها القوى المتنافسة، وتراجع معيار الكفاءة أمام الولاء، حتى غدا الانتماء السياسي في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الانتماء للوطن.
ولم يكن ما يعيشه السودان اليوم وليد الحرب وحدها، بل نتيجة مسار طويل بدأ بإضعاف المؤسسات، وتسييس الخدمة المدنية، وإهمال التعليم، وتراجع البحث العلمي، حتى أصبح صوت البندقية أعلى من صوت الجامعة، وغلبت لغة التعبئة على لغة التفكير.
فالدولة لا تنهار فقط عندما تسقط مؤسساتها، وإنما عندما تتراجع فكرتها في وعي مواطنيها. وحين يشعر الإنسان بأن القبيلة أو الجهة أو الجماعة توفر له من الحماية ما لم تعد الدولة قادرة على توفيره، يكون الخلل قد تجاوز السياسة إلى بنية المجتمع نفسها.
ولا يعني ذلك أن الطريق إلى النهضة يمر عبر الانغلاق أو رفض الاستفادة من تجارب الآخرين. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم الناهضة لم تبدأ من الصفر، بل تعلمت من غيرها. فعلت ذلك اليابان، ثم كوريا الجنوبية، وسنغافورة، والصين. غير أن الفارق كان في قدرتها على تحويل ما تعلمته إلى مشروع وطني يخدم مصالحها، لا إلى حالة دائمة من التبعية.
فالمشكلة ليست في استيراد المعرفة، وإنما في الاكتفاء باستهلاكها. وليست في التعلم من الآخرين، وإنما في فقدان القدرة على الإضافة. وعندما يصبح التقليد بديلاً عن الابتكار، يفقد المجتمع ثقته بنفسه قبل أن يفقد قدرته على المنافسة. وربما لهذا بقيت تلك الطرفة المتداولة مؤثرة، لأنها تذكّر بأن أخطر أشكال التبعية ليست اقتصادية، بل فكرية وثقافية.
ومع ذلك، فإن الحرب كشفت حقيقة أخرى كثيراً ما غابت عن النقاش، وهي أن السودان لم يفقد موارده البشرية. فالسودانيون الذين يحققون نجاحات لافتة في الجامعات والمستشفيات ومراكز البحث والشركات حول العالم هم الدليل الأوضح على أن الأزمة لم تكن يوماً أزمة إنسان، وإنما أزمة دولة لم تستطع أن تستثمر في إنسانها.
ولهذا فإن وقف الحرب، على ضرورته، لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع مشروع لإعادة بناء الدولة. دولة تستعيد استقلال مؤسساتها، وتعيد الاعتبار للتعليم، وتحمي القضاء، وتؤسس لاقتصاد منتج، وتجعل المواطنة أساس العلاقة بين الدولة ومواطنيها، بعيداً عن الانتماءات الضيقة التي أنهكت البلاد لعقود.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الثروات الطبيعية لا تصنع النهضة بمفردها، وأن المساعدات الخارجية لا تبني دولة، وأن الشعارات، مهما بلغت جاذبيتها، لا تغني عن التخطيط والعمل والإنتاج.
فالاستقلال الحقيقي لا يقاس بعدد الأعلام المرفوعة ولا بحماس الخطب، وإنما بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وبناء اقتصاده، وتطوير مؤسساته، والثقة بعقول أبنائه.
ولعل الرسالة التي يمكن استخلاصها من تلك الطرفة لا تتعلق بالسخرية من أفريقيا، بل بالتحذير من أن فقدان الثقة بالنفس هو بداية كل أشكال التراجع. فأفريقيا ليست محكومة بالتخلف، كما أن السودان ليس محكوماً بالفوضى.
وإذا كان السوداني قد أثبت، في كل مكان أتيحت له فيه الفرصة، أنه قادر على المنافسة والإبداع، فإن استعادة الوطن ليست حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً مؤجلاً ينتظر إرادة سياسية تضع الإنسان قبل السلطة، والدولة قبل الجماعة، والمستقبل قبل صراعات الماضي.
فالدول لا تسقط يوم تخسر حرباً، وإنما يوم تفقد الإيمان بقدرتها على النهوض من جديد. أما السودان، فعلى الرغم من كل ما أصابه، فما زال يملك أهم عناصر النهوض: إنساناً يعرف كيف ينجح متى وجد دولة تعرف كيف تستثمر فيه.
muhammedbabiker@aol.co.uk
