يرويها الأستاذ أحمد محمد الفضل
حررها عادل سيد أحمد
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله المهدي الكريم.
توقفنا هناك بعد نهاية قصة المركب التي ظلت إلى يومنا هذا غارقة في تلك المنطقة، ولم ندرِ ماذا حدث بها.
نعود ثانيةً لإسحاق وحياته في المنطقة. فعلاً ظل إسحاق يعيش بين أهله، وطبعا كان إخوانه التسعة كلهم موجودين في المنطقة التي تسمى الآن كافوتة. وكافوتة هذه لها اسم وعنها كلام كثير سأتكلمه في المستقبل إن شاء الله.
فظل إسحاق عائشاً مع أهله، ومعظمهم من حَفظة القرآن وعلماء وكذا، بل كانوا شيوخ لمناطق مقاشي وحزيمة ومناطق الممالك وهكذا. وكانوا هم الذين يفتون، وهم الذين يُلجأ لهم في كل أمور الدين، وحتى من المناطق العمد في الأراك وكذا، كان شيوخهم هم هؤلاء المسوداب، أهل إسحاق. وكان عبدو كاشف محمد عبدو كاشف لا ينجب أولاد، في النهاية يزوروهم ولا يقدروا أن يقضوا أمراً إلا أن يلجأ هؤلاء العمد إلى شيوخهم.
فاقترحوا لهم إنه يزوجوه من بنت عبد الرحيم ود المدني، وقد تزوج محمد عبدو الكاشف من خادم الله بنت عبد الرحيم ود المدني، وولد منها أحمد عبدو كاشف، وعبد الرحيم عبدو كاشف، وعثمان عبدو كاشف، وبنات أخريات.
وكانت هناك قضية كبيرة جداً في الأراك، في مناسبة، وكانت هذه المناسبة لزواج، وكان فيها تسعة تايات، من بينها تاية واحدة من العمد، هم تسعة كانوا من أولاد العافية (هكذا يسمون)، وبينما هم جلوس في هذه التاية1 وبالقرب منها أخريات، فحدث أن قتل أحدهم شخصاً في ذلك الليل، كان على خلاف ومشاكل مع أولاد العافية هؤلاء، وفي النهاية وجدوه ميتاً في الشارع، فاتهم الناس كلهم العمد بأنهم هم الذين قتلوه، لكن القضية رفعت للمحكمة، وكان داخلاً فيها جدنا ود زروق وهو من المسوداب، يعني هنا الطرف الثاني في الزَّرارِيق.
وتولى هذه القضية القاضي ود زروق. ولا أدري، في ذلك الوقت، إن كان محامياً أو قاضياً، لكن في النهاية القضية حُكمت بأن تدفع دية، ووزعت هذه على التايات كلها، مما جعل الأطراف الأخرى تحتج وتعتبر أن ود زروق قد انحاز لناسه هؤلاء، وهو شيخهم من الطرف الثاني من المسوداب، وهو طرف لم يذكره الناس كثيراً لكنني كتبت عنه كثيراً.
بعد ذلك شعر إسحاق بأن هذه المنطقة ضيقة عليه، وفكر في أن يرجع إلى القرير، وهناك يحاول أن ينشئ خلاوي، ويقوم بالتدريس، فقد شعر بأن ناس القرير هؤلاء أناس يعيشون حياة لم تناسبه.
فذهب واستقر في القرير فترة طويلة، وشعر بإنه هؤلاء الناس ناس صفقة ورقص وهوى، يعني لم يقدروا أن يتجاوبوا معه، فرحل إلى تنقاسي في منطقة اسمها فتنة.
وفي فتنة هناك شرع في تعليم علوم الدين، واستجاب له الناس فدعا إخوانه واشقاءه أحمد توم ومحمد توم أيضاً جاءوا معه.
وبدأ الناس يجتمعون حوله في خلاويه، وخلوته هذه إلى الآن تتقد فيها نار القرآن وأنا أكلمك وهي لم تنطفئ في تنقاسي حسب علمي.
وحسب علمي، بل أعرف كثيرين جداً من ناس تنقاسي ينتمون إلى إسحاق اللحاق.
إسحاق اللحاق بعد أن قضى معهم زمناً طويلاً، وارتبط معهم وصار شيخهم العلمي، والمعلم بالنسبة لهم، توفى.
توفى إسحاق وقد كان إخوانه الثمانية الباقيين موجودين كلهم في المنطقة، فأرسلوا لهم، وهم جاءوا بسرعة كبيرة جداً، ولحقوا قبل الجنازة في تنقاسي.
طيب، قلنا إن الاخوان الثمانية كلهم جاءوا لكي يحضروا الجنازة، وهنا ظهرت ثلاث كرامات، وطبعاً أنا أسرد هذا الكلام وأنا شخص موحد، يعرف إن الله واحد، يعرف أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأعرف السلف الصالح ولا أعرف أي شيء غيرهم: لا أحزاب، ولا إخوان مسلمين، ولا أنصار سُنة ولا غيرهم، لكن طبعا هذه الكلام أنا أسرده يعني.
في ذلك الوقت دا ظهرت ثلاث كرامات.
الكرامة الأولى: قالوا إن ثوره انطلق، وكان يدور ويدور ويجري حول الجثمان بطريقة واضحة ورأوه كل الناس.
الكرامة الثانية: عندما أراد الناس حمل الجثمان، قال أهل البلد:
- (لن نترككم تذهبوا به، وسندفنه هنا، ونبني بنية كالبنية التي عندكم هناك).
وحدثت منازعات شديدة، وجاء الجماعة ليحملوا الجثمان، ولكن هذا الجثمان فر طار على الفور واتجه نحو النيل، ونزل بالبحر. وحتى الأستاذة فاطمة وهي من واوسي كتبت وقالت: “الجثمان جاري وجاري فوق البحر، وتحت الشجر، وتحت التمر”. منظر مهيب إلى أن نزل بالقرب من المسوداب، وهناك دُفن.
الكرامة الثالثة: وقد سألت عنها، وسأرجع لك فيها، أن الناس والنساء كانوا في مأتم ولكنه تحول إلى فرح، وهذا لا يحدث إلا نادراً، يعني من بكاء لفرح.
الراجل دا جابوه جاء اتدفن في الحكاية دي.
الحقيقة أنا سألت عن هذا الموضوع، وكان جالساً قربنا جدنا عبد الله ود محمد ود إسحاق، وكان يجيء في الخلوة هنا، خلوة ود المدني، وأنا كنت أدرس في المدرسة المتوسطة، فجئت وجلست بجواره وقلت له: - (ياخي! أنا سمعت أن جدنا إسحاق، وهو جدكم، طار من هناك، وهناك حكاية عن ذلك فعليك بالله أن تريني الحقيقة التي حدثت؟ وقالوا إن هناك ثلاثة أشياء حصلت منها الثور انطلق وظل يدور ويدور ومنها بيت البكاء الذي تحول من البكاء إلى فرح، وهذا الشخص طار بالعنقريب فكيف يطير بالعنقريب بالله عليك؟)؟
فقال لي جدنا عبد الله ود محمد ود إسحاق، وكان صاحب خلاوي، خلاوي كبيرة جداً، لزمن طويل جداً، في المنطقة قرب أزهري في أمدرمان، وله باع طويل في العلم، وهو جالس في خلوة ود المدني، وجئت أنا فجلست بالقرب منه.
قال لي: - (يا ابني، ما حدث هو كالآتي: هؤلاء الناس كانوا قد قال لي أن أبي قد روى لهم الرواية).
قال لهم: - (يا اخي هؤلاء الناس عندما جاءوا والتفوا حول هذا الجثمان، ليذهبوا به إلى مقابرهم، والآخرين يريدون أن ينزلوا به على المركب لكي يرجعوه ويذهبوا به إلى بلدهم، فالجثمان صار خفيفاً جداً والتف على البحر، وأعتبر الناس أن جثمان هذا الشخص يريد أن يذهب إلى البحر، وعلى الفور سفنوه (أي سار الجمع معه وهم يمدحونه) ونقلوه وحملوه بالسفينة2، وأنزلوه في المركب وأتوال به ليدفنوه هنا، وهو مدفون الآن أمام القبة هنا في المسوداب). هذه هي الرواية.
- أها! طيب، الرواية الثانية، هل صحيح حكاية إن المأتم تحول لفرح؟
قال لي: - نعم، فعلاً الناس كانوا يبكون، وهذه حكاية اعتبروها كرامة.
أما الثور فلم يكلمني عنه.
لكن رجعت في تاريخنا، طبعا نحن من عرب المدينة، ومن الأوس والخزرج، ووجدت أن سعد بن معاذ عندما توفى، جاء ملك إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقال له: - من هذا الذي فتحت له أبواب السماء؟
وكان سعد طبعاً كان مضروباً في كاحله، وكلام طويل يعني. وبعد أن دفنوه جاء أحدهم إلى رسول الله، وسأله: - يا رسول الله، سعد هذا كان رجلاً ضخماً وطويلاً فعلاً، وجسمه كبير وثقيل، وكلنا كنا نحمله على أطراف أصابعنا؟
فقال له رسول الله: - سعد حملته سبعون ألف من الملائكة.
وهذه ليست بعيدة، إذا كان هناك شخص صالح يعني، فتحدث له مثل هذه الحكاية، وأنا لست شاكاً فيها.
وهكذا سنأتي ونرى عندما نتحدث عنه في الاشياء الأخرى، حيث أحضروه ووجدوا في المقبرة هنا عندنا أمام القبة، وهو مدفون هناك السيد إسحاق.
وما زال هناك موضوع آخر سنتكلم لكي نكمل حديثنا.
شكراً.
وتكملةً لما جاء أعلاه في سيرة إسحاق اللحاق، طبعاً كنا قد تكلمنا عن الأسرة، وأن إسحاق أصلاً قد هاجر من هنا من منطقة كافوتة، وذهب في البداية إلى القرير، ثم تنقاسي حباً في توسعة المدارك العلمية، وتعرَّف على جهات أخرى، وقام بتعليمهم ونشر الدين وسطهم.
وقد كانت لإسحاق أسرة في منطقة كافوتة قبل أن يهاجر، وهي أسرته الأولى، ومنها من هم الآن موجودين، وهم أولاد الشفيع، وأولاد إسحاق، وأحمد الشفيع، والخضر الشفيع، وإسحاق الشفيع وهؤلاء أيضاً لهم أسرة كبيرة هنا في كافوتة ومعروفة هي الأسرة الأولى، حتى أن كثيرٌ من أهلهم أو إخوانهم من تنقاسي، أو فتنة كانوا يعودون ليزورهم على أساس أنهم أصل الأسرة وأساسها.
وكان من بينهم أحمد الشفيع، وهو رجل طيب ورجل ذو خلقٍ عظيم ولم يكن يخطئ وكان صموتاً لا يتكلم كثيراً، وكان متمسكاً بكل ما فيه الخير، حتى إن الناس كانوا يزورونه ويتبركون فيه من تنقاسي، حتى أسموه البركة.
وقد رأيت أنا رجلاً، وقد كان قاضياً، أحضروه لأنه أصيب بالشلل، فأحضروه لأحمد الشفيع هذا لكي (يعزم له) حسب ما يتعارف عليه الناس.
ومنهم طبعاً عبد الله ود محمد ود إسحاق وهو متزوج من أخت احمد الشفيع، وهو أيضاً كان يسكن عندنا.
وعبد الله هذا، كان من أرباب الخلاوي، وكانت خلاويه كائنة في منطقة أزهري بود أرو، وقد تحدثنا عن ذلك. فكانت عنده خلاوي كبيرة منتشرة في أمدرمان.
هذا ما تبقى من الكلام، إن شاء الله لو ظهرت معلومات جديدة نجدد هذه السيرة في المستقبل، علماً بأنه كانت عندي أوراق كثيرة في السودان، وأنا الآن طبعا في مصر، ولكن عندي أوراق كثيرة في السودان وكتبت فيها عنهم كتابة مفصلة، ولكنها ليست معي الآن، لذلك تجيء هذه الخاتمة بهذا الشكل المقتضب والصيغة المختصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- التاية جمعها تايات، وهي مجموعة متجانسة من الناس في مجلس شراب غالباً المريسة في مناسبات الأفراح.
2- السفينة وهي مجموعة الناس الذين يتحركون مع أي حاج تقديماً له في طريقه إلى الحج وهم يمدحون ويهزجون تكريما له، أما في حالة إسحق فعند مماته كراماته فسفنوه وهم يحملون الجثمان مهللين ومكبرين إلى المقابر، من تنقاسي إلى مقابر المسوداب بالمقل.
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم