يرويها الأستاذ أحمد محمد الفضل
حررها عادل سيد أحمد
أريد ان أكلمك عن إسحاق اللَّحاق أب عنقريباً طار.
وإسحاق اللحاق هذا، طبعا أنا سأكلمك، لكن أنا كثير الاستطراد في الكلام، والاستطراد هو في اللغة من أصحاب الأدب دائما ما يكون أحدهم يتكلم في موضوع ثم يخرج منه إلى موضوعٍ آخر، تثبيتا للموضوع الذي يتكلم فيه. هذا تجده في القرآن في سورة يوسف، عندما السجينان قال أحدهما ليوسف:
- أنا أراني أعصرُ خمراً.
والآخر قال: - أحملُ خبزاً، والطير تأكل منه.
لم يفسر لهم الأحلام مباشرة، بل خرج عن الموضوع، واستطرد ليتكلم عن الإيمان وعبادة الله، والله الواحد، وهو رسولٌ من رب العالمين، وكيف أن ربنا سبحانه وتعالى أعطاه القدرة على أن يفسر الأحلام، وهذا هبة من الله له، الله الواحد الأحد، الفضل الصمد الذي لم يلد ولم يولد. ثم عاد وفسر لهم أحلامهم.
كذلك تجد هذا الكلام عند الطيب صالح، الطيب صالح يتكلم بالعاميَّة، فيتكلم ويتكلم ثم يدخل في استطرد في صفحة كاملة عن موضوعٍ آخر ليثبت به ما يقول.
أنا أكلمك عن إسحاق اللَّحاق أب عنقريباً طار، وإسحاق هو إسحاق ابن آدم ابن مضوي ابن عبد الرحمن ابن محمد ابن مسود. ومسود هذا هو جد المُسُوداب.
ومسود هذا هو أول من نزل في منطقة القرير قبل أن يأتي الشايقية إليها، يُقال إنه أتى من المحس، ولكنني أقول إنهم عرب المدينة الذين جاؤوا عن طريق مصر وجاؤوا بموجب اتفاقية البَقط2، وتفرقوا في البلاد يدعون للإسلام.
وفعلاً المسود نزل في القرير، وكانت القرير هذه أرض ليس فيها أي شيء غير أشجار متفرقة، أو أشجار كثيرة وغابات. وكان معه أبناؤه الثلاثة محمد، والاثنان الآخران، ذهب أحدهما إلى منطقة العتمور، وهو نصر، والآخر ذهب إلى منطقة السروراب وهو ناصر.
ومسود وابنه محمد أسسا خلاوي في منطقة القرير، ولم تكن هناك ملكية، بل كان الناس كلهم يجتمعون إليهما في الخلوة، ويذهبون للعمل في الزراعة في منطقة أم صغيرة حول القرير، يعني لم تكن منطقة القرير باتساعها الراهن، بل بدأت تتسع وتتسع.
القرير في الخمسينيات ليست هي القرير الراهنة، لأنه كل ما تتأسس مشاريع تتسع الرقعة، ولم تكن بهذا المستوى.
ثم أسس مسود هذه الخلوة، وهناك توفي ودفن ومقابره موجودة في القرير الان.
أما ابنه محمد فقد هاجر من تلك المنطقة، وجاء إلى قرية المقل في منطقة كلحية وأسس خلاوي هناك مع ابنيه عبد الرحيم وعبد الرحمن، وكانوا كلهم علماء قرآن.
وهنا ظهرت ممالك الشايقية، وكانوا قضاة للقبيلة، وسأكلمك عنهم. هذا استطراد صغير عن أسرة إسحاق اللَّحاق.
أما إسحاق هذا ففقد كان رجلاً فقيهاً عالماً بعلوم القرآن، يحفظ القران حفظاً تامَّاً، ويدرسه ويعلمه. ثم إنه كان رجلاً فقيهاً متبحراً في الدين، يعلم كل الأحكام، ورغم ذلك فقد كان رجلاً بسيطاً فقيراً يميل إلى البساطة أكثر. وكان له تسعة أخوان: علي، الحاج، الفضل، الفكي، يحيى، أحمد توم، محمد توم، إسحاق. هؤلاء هم إخوانه.
كان له من العجائب عنه، وانا طبعا أكلمك لكن بعض الاشياء انا
نتكلم عن كرامات إسحاق اللَّحاق أب عنقريباً طار، ولكن قبل ذلك كنت أريد أن أتكلم عن مسود.
ومسود، طبعا كما قلت لك، هو أول من نزل في القرير التي كانت غابة، وهو جدنا قبل أن ينزل الشايقية، لذلك عندما أقول إن الأرض وأي من نزل فيها هي منطقة الشايقية، الأرض هي أرض الشايقية، وهي جزء من الشايقية الموجودين في البلد، حتى أنه سمى المنطقة توقلي، أول ما سميت منطقة القرير هذه أسماها جدنا توقلي، وهو مدفون في منطقة توقلي على البحر، وسمي حي الشاطئ. لذلك قلنا إنها كانت رقعة صغيرة يعني تتساوى مع الضفة الشرقية والناس كانوا يسمونها الغابة، وسماها جدنا مسود (توقلي).
رحل من هناك إسحاق اللَّحاق هذا، وكان له كرامات كثيرة يقولها الناس، وبعضها فيه رأي. ولكن سنسردها لكم كما سمعتها من أهلنا.
وطبعا أنا أول من كتب عن المسوداب، لا يوجد من كتب عن المسوداب قبلي، وقد كتبت عنهم في سنة 1957م.
ولإسحاق هذا أخ اسمه المدني، ولم أكن قد ذكرت لك هذا المدني.
والمدني كان رجلاَ ذا مال، وكان شخصية معتبرة في المنطقة، وله علاقات بالحُكام (العُمَد)، ونظام العمودية يتكون من شيخ وعمدة ورئيس الفرع وهو الحاكم المعروف للناس على أيام التركية.
وقرر المدني أن يذهب إلى الحج، وقد لازمه إسحاق ملازمة شديدة، وكان في الماضي، عند إعلان أحدهم نيته الحج، تبدأ النوبة قبل شهر. ويتجمع الناس ويقيموا حفلات في الخلوة.
وعندما حان يوم سفره كان الناس يرون إسحاق دا ملتصقاً به التصاقاً شديداً جداً، وكانوا يفتكرون أن هذا الرجل سيأخذه معه، ولم لا
وفعلا أقيمت الزَفَّة، وعندما حان موعد السفر تحرك الناس معه وراجلين إلى أن وصلوا منطقة بعيدة في حدود مقاشي وحزيمة، ومن هناك جاءوا راجعين. ولكن إسحاق لم يرجع معهم، فافتكروا أن المدني قد أخذ إسحاق معه، وساروا. وطبعا السفر في ذلك الزمان كان بالجمال.
وانتظر الناس، وبعد ثلاثة أيام عاد إسحاق، فسألوه: - ألم تذهب مع أخيك؟
قال لهم: - فقط قدمته ورجعت!
وعاد المدني بعد خمسة أشهر بعد أن اكتمل حجه، وكان على ظهر (مُركَب3)، فقد كان الناس يسافرون بالبحر (النيل).
وتوقفت المركب قبالة بيتهم، في ساقية ود المدني الحالية، ونزل الناس للتهنئة: - مبروك… مبروك!
وتجمعوا يطرقون النوبة وما إلى ذلك، وبادر المدني بالسؤال وقال: - هل جاء إسحاق أخي جاء من الحج؟
فقالوا له: - إسحاق موجود هنا معنا ولم يذهب إلى الحج.
فقال لهم: - والله لقد رأيت إسحاق أمامي في الطواف، وهناك حاولت اللحاق به ولم أوفق، وأذهب في السعي بين الصفا والمروة أرى هناك أخي إسحاق وهو يسعى، وأحاول أن ألحق به ولا أستطيع.
وتكلم وقال: - في الطواف، وفي عرفة كنت أرى إسحاق في منى، وعند رمي الجمرات. وعندما رميت جمرة العقبة الأولى رأيته هناك وسط الزحام.
طبعا هذا روي لي، وأنا لا آتي بشيءٍ من عندي، لكي أكون دقيقاً، وهؤلاء الناس طبعا يعتبرونها كرامة من كرامات إسحاق اللَّحاق أب عنقريبا طار.
طيب، نأتي للكرامة الثانية:
كان إسحاق، على أيام التركية، والأتراك يقومون، في بداية الصيف في فبراير، يختاروا أي أشجار كبيرة في المنطقة ليقطعوها، ويجففوها، إلى أن يأتي شهر أبريل، فينزلوها في القيف، وأنت تعرف القيف، وهي آخر ما يصل إليه البحر (النيل)، فينزلوها في الجرف وكذا، ويبدؤون في تشقيقها ليصنعوا منها مركب ينزلوها إلى البحر (النيل)، لأن المواصلات كانت بالبحر طبعاً.
وكان الناس يجرون تلك المراكب إلى أن يصلوا منطقة كريمة، حيث يسيرون هناك شمالاً مع التيار.
وكان عند إسحاق شجرة كبيرة جداً وضخمة، وعند حلول الصيف جلب الأتراك ناسهم ليقطعوها، وطبعا هم ينزعوا الأشجار من الناس نزعاً.
وجاءه الناس وقالوا له: - يا إسحاق تحدث مع أخيك المدني، ووسطه لكي يوقف الأتراك هذه الحكاية.
وكلما أتوا لشخص عنده واسطة فهم لا يأخذون أشجاره. طبعا ذلك هو العهد الفاسد عهد التركية.
فقال لهم إسحاق: - والله لن أسألهم! دعوهم يذهبون ويقطعوها.
وفعلاً كانت شجرة جميلة جداً، وكبيرة، تحتاج لشهر أو شهرين لكي يقطعوها.
وفي شهر أبريل جفت، وجروها إلى القيف، ثم شققوها، وصنعت منها مركب ضخمة جداً وكبيرة، ومن أكبر المراكب عندهم، وطبعاً هم يتركونها واقفة وينتظروا إلى موسم التساب حين يجيء البحر فهو يرتفع في ذلك الموسم في منتصف يوليو، فيأخذها وتتحرك فتنزل إلى الماء دون جهد، ولذلك الحكمة من أنهم ينسوها في الجرف لأنها تنزل من تلقاء نفسها، لأنها تحتاج لأناس كثر ليحملوها، ومركب كهذه في العادة لا تُحمل فهي كبيرة جداً وتكون عرضةً لأشياء كثيرة جداً.
ودفرها الناس فعلاً، ودفعوها، وما أن فعلوا حتى غطست نزلت ثم غطست في النيل.
وتملك الناس الفضول وأرادوا أن يعرفوا ماذا يجري، هذه المركب جاءت ونزلت البحر وجاء الناس، وأحضر الأتراك أناس وقالوا: - جاء الغطاسون.
الناس وقفوا في القيف على أساس هؤلاء الأتراك جلبوا ناس من البلد في البداية، وقالوا لهم تنزلوا وتربطوا الحبال وتخرجوا هذه المركب. وطفق الناس يغطسون وينزلون وهم يحاولون، وكلما أحضروا ناس لم يقدروا.
أخيرا ذهبوا إلى مروي وأحضروا خبراء من هناك، وفي ذلك الزمن كانت المواصلات تحتاج لأناس خبراء يعرفون كيف يعالجوها، ويعرفوا كيف يحركوها وكيف ينقلوها في البحر، ويعرفوا يقودوها بشراع أو بدون شراع.
فجلبوا أناس أقوياء جداً، غطاسين معروفين أنزلوهم.
وكان إسحاق، ذاته، من الناس المتفرجين في هذه الحكاية، وكان اقفاً في القيف مع الناس، ويتفرج، كما كل ناس البلد، في تلك المركب التي نزلت ولم يستطيعوا أن يجدوا لها حلاً.
في النهاية، بعد أن جلبوا الغطاسين، غطس أحدهم وكان قوياً جداً، نزل مرتين وفي المرة الثالثة وقف وتلفت ينظر في الناس، فرأى إسحاق واقفاً وسطهم، فقال لهم: - والله يا إخواننا أنا لا أقدر أن أنزل مرة أخرى.
فسألوه: - لماذا؟
فقال: - والله، أرأيتم الشخص النحيف الذي يقف فوق القيف هذا؟
- نعم.
- يحمل سيفاً ونازل تحت، وأنا كلما أريد أن أذهب على المركب يطعنني بسيفه. وأنا لا أستطيع أن أنزل مرةً ثانية، بل ليس هناك طريقة لأي شخص ليحاول.
هذه قصة المركب، وهي طبعا تعتبر من كرامات إسحاق، وأنا سأواصل معك في كرامات أخرى إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- عنقريب، الجمع (عَنَاقِرِيب): هي كلمة من العامية السودانية تعنى سرير، من الخشب منسوج بالحبال، وأعتاد الناس أن يحملوا عليه الجنازات، ولكنها صارت تنسج بالبلاستيك والنايلون حاليًا. ويوجد غالبا في بناء تقليدي من الحطب والقش يسمى الراكوبة.
2- اتفاقية البقط: أو معاهدة البقط عقدت في عام 651م. بين مملكة المقرة والدولة الإسلامية في خلافة عثمان بن عفان بعد فتح جيش المسلمين لمصر، استمرت نحو سبعمائة سنة. حيث قاد عبد الله بن أبي السرح جيشًا باتجاه الجنوب ضد الممالك المسيحية في النوبة. وبعد معركة دنقلا، أدرك ابن أبي السرح صعوبة الاستيلاء على هذه المنطقة. لذا عقد المعاهدة مع ملك المقرة (كالديرات).
3- المركب، هي زورق تقليدي من الخشب.
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم