هل تخرجون إلى الشارع إذا أطاح الجيش بالبشير؟ .. بقلم: عثمان محمد حسن
18 يوليو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
88 زيارة
osmanabuasad@gmail.com
كان محمد بن د. نافع علي نافع يستجم في منتجعه بمصيف ( 5 نجوم) في شرق
السودان عند وقوع الانقلاب الفاشل في تركيا.. و سطر مكنونَ فرحِه بفشل
الانقلاب على صفحة ( سائحون) بالفيس بوك و نقلت صحيفة الراكوبة
الاليكترونية بتاريخ 17/7/2016 ما قاله هكذا :-
” قال محمد نافع إبن القيادي الإنقاذي المعروف الدكتور “نافع على نافع”
إنهم يؤيدون انقلاب 30 يونيو الذي جاء بالإنقاذ ليأخذ السودان من الظلمات
الى النور، و نفتخر بها ما حيينا.. و لكن نعارض و بشدة انقلاب السيسي في
مصر و انقلاب تركيا اليوم و أي انقلاب…..”
و أظهرت الصحيفة صورة الما نافع بن الدكتور الما نافع.. و هو في المنتجع
وسط زملائه المنتجعين من أكلة السحت المرتاحين على حساب الشعب المغلوب
على أمره و كأنهم أبناء مليارديرات أمريكا يصطافون في كوباكوبانا و
أكابولكو في أميركا اللاتينية..
نعمة..! و لكنها مسروقة من عرق الشعب المغلوب على أمره بالانقلابات
الناجحة منها في تعذيبه و الفاشلة منها! و كثيرة هي الانقلابات و محاولات
الانقلابات في السودان و في تركيا.. لكن الروابط التاريخية الرابطة بين
الانقلاب التركي في يوم 15/7/2016 و بين انقلاب هاشم العطا في 19/7/1971
و تغيير البشير لرئاسة أركانه في يوم 14/7/2016 خوفاً من حدوث انقلاب،
كلها رابطة مترابطة بسلسلة تاريخية غريبة..
نشرت صحيفة حريات الاليكترونية مقالاً بتاريخ 15/7/2016 عن خوف نظام
البشير من انقلاب محتمل بسبب غضب يعتمل في الصدور داخل القوات المسلحة
جاء في المقال:-
” أصدر عمر البشير أمس- 14 يوليو 2016- عدداً من القرارات غيّر بموجبها
رئاسة أركان الجيش ، مما يؤكد تنامى مخاوف المجموعة الحاكمة من انحياز
الجيش للشعب.. وبحسب العرف الساري.. فان هيئة القيادة تستمر ما لا يقل عن
العامين . وتؤكد التعديلات المتلاحقة والاحالات المستمرة السخط المتزايد
فى صفوف القوات المسلحة . بعد أقل من ستة أشهر على قراره السابق بتعيين
قيادة جديدة للقوات المسلحة.” هذا، و يفصل يوم واحد فقط بين تاريخ قرار
البشير أعلاه و بين الحركة الانقلابية التركية الأخيرة.. فالبشير كان
خائفاً، و لا يزال.. و مصير أردوغان كان في كف عفريت لولا بسالة الشعب
التركي، بما في ذلك معارضي أردوغان، دفاعاً عن الديمقراطية على علاتها في
تركيا.. يوم واحد يفصل بين قرار البشير و أربعة أيام فقط تفصل بين انقلاب
الجنرال المتقاعد ترك 15/7/2016 في تركيا و بين انقلاب هاشم العطا يوم 19
/ 7 /1971 في السودان..
و الملاحظ هو أن الشعب السوداني خرج في يوم 22/7/1971 ضد انقلاب هاشم
العطا ليحمي نظام النميري، ليس حباً فيه بل كرهاً في حكم الشيوعيين
باعتبارهم ( ملحدين إباحيين) كما أشاع عنهم الأخوان المتأسلمون.. بينما
خرج الشعب التركي في يوم 15/7/2016 ضد انقلاب تُرك، قائد القوات الجوية،
لأن الأتراك ذاقوا الأمَرَّين خلال حكم العسكر في الأعوام 1969 و 1971 و
1980..
مازالت أحداث 22/ يوليو عالقة بالأذهان.. بكل فصولها المضحكة و المبكية..
و التقلبات المصاحبة للمشاهد من حال إلى حال إلى حال.. و أجواء الحماقات
و فش الغبائن.. و البحث عن كباش فداء لذبحها على محراب التشفي.. و كسر
شوكة بعض الأحزاب المناوئة.. نفس الشيئ يحدث في تركيا أثناء قراءتك هذا
المقال.. نفس الشيئ.. نفس الغضب و تجريم غير المجرم في تركيا..
أما في السودان، فكانت ثمة أصوات تجهر بالانتقام في الشوارع و الأزقة بعد
22/7 /1971:- ( الموت لطلاب الجامعة!) و ما المعنيون بذلك سوى طلاب جامعة
الخرطوم.. دون أن تكون هناك أي صلة بين طلاب جامعة الخرطوم و حركة هاشم
العطا.. اللهم إلا استياء الطلبة من تصرفات النميري التي بدأت تطفو على
السطح.. و توجهاته المريبة تجاه الجامعة..
بدأ نميري يستفز طلاب الجامعة بدءً بخطبة له في احتفال بمدرسة حنتوب
الثانوية.. و ظل يشير إلى داخليات الجامعة متهكماً ( فنادق جامعة
الخرطوم) باعتبارها فنادق فخيمة في بلد فقير.. كما ظل يظهر امتعاضه من
الحرية المتاحة بالجامعة و ما ينتج عنها من نقد لنظامه.. فانتهج سياسة
التدخل غير المباشر للجم الرأي المعارض له داخل الجامعة.. و من ثم انتحى
ناحية التدخل المباشر عبر الحرس الجامعي الأمر الذي أثار حفيظة الطلبة،
فأعلنوا الاضراب، و تحصنوا داخل أسوار الجامعة..
أتى الرائد / أبو القاسم محمد ابراهيم بدباباته.. و هدد باقتحام أسوار
الجامعة، فانبرى له أحد الطلبة الساخرين متحدياً:- ” الجامعة ما بدخلوها
بالدبابات.. لكن بدخلوها بالشهادات!”.. و عدَّد الطالب الدرجات المطلوبة
في الشهادات لدخول الجامعة.. في استفزاز واضح للرائد أبي القاسم..
حاول البروفيسير/ مصطفى حسن اسحق، مدير جامعة الخرطوم وقتها، إثناء
الرائد أبي القاسم عن محاولة اقتحام الدبابات للجامعة، دون جدوى، حينها
قال له:- ” عليك أن تعرف يا أبو القاسم.. إنو كل طالب من الطلاب
المتواجدين داخل أسوار الجامعة دي بيمثل قرية أو أسرة في جميع أنحاء
السودان.. يعني السودان كلو داخل الجامعة دي.. و أنا سوف أنضم إلى الطلاب
و أحَمِّلك مسئولية ما سيترتب عن اقتحامك الجامعة من نتائج!”.. قالها
البروف/ مصطفى، و قفز من على السور إلى الداخل.. فقد كانت الأبواب جميعها
مغلقة.. كان البروف مصطفى نوعاً من مدراء جامعة الخرطوم الحافظين على
مسئولياتهم عن طلابهم أمام الله و العلم و الوطن.. مدراء غير الذين
يسمحون للحكومة أن تقتل من تشاء و تسجن من تشاء من الطلاب.. مدراء غير
الذين تأتي بهم حكومة الانقاذ ليؤيدوها في كل مخططاتها دون وازع..
ماتت الضمائر.. و انقلاب البشير ما زال يقتل في الناس.. و الضمائر..
إن انقلاب الحبيس و الرئيس في 30 من يونيو كان انقلاباً مأفوناً منذ بدأ
بمشروع ( التمكين).. و ( التزكية) و توهم ( حنفوق العالم أجمع!)..
و هدم نظام الانقاذ أفضل ما في السودان.. و بنى ما بناه على أنقاضه وفق
أسس من الأوهام أدت إلى أن يتذيل السودان قائمة الدول في كل شيئ نبيل…
و قتل الأمل في نفوس الشباب.. و زرع اليأس في تلك النفوس.. دعك عن جرائم
القتل و الاغتصاب.. و الجرائم ضد الإنسانية..
إن شوارع و بيوتات السودان تموج بالمرارات!
الانقلاب العسكري هو انقلاب على الديمقراطية مهما كانت شائهة.. و انقلاب
البشير كان انقلاباً على الديمقراطية دون شك.. لكن تخيلوا انقلابا وقع
اليوم ضد نظام البشير.. و تخيلوا صوت البشير ينطلق عبر الأثير.. و ليس
عبر وسائل التواصل الاجتماعي ( تويتر) أو ( فيس بوك) أو ( واتساب) لأنه
لا يمتلك أي حساب فيها حتى الآن.. و يفكر حالياً في فتح حساب في بعضها في
أغسطس القادم، كما صرحت صحفه و وكالات أنبائه متباهيةً، و كأن البشير قد
اخترع العجلة و يود الاعلان عن اختراعه في ذلك اليوم من أغسطس!
إذن، تخيلوا أن انقلاباً وقع بعد ذلك ( الأغسطس) و انبرى البشير عبر
وسائل التواصل ( المستجدة) مستنفراً الشعب السوداني للدفاع عن ( ثورته) و
عن ( الديمقراطية).. هل يستجيب الشعب إيجاباً لنداء البشير؟!
أؤكد لكم أن الشعب سوف يصفق لصالح أي انقلاب يطيح بالبشير.. و سوف يرقص
على أنغام ” أصبح الصبح فلا السجن و لا السجان باقٍ!” هذا إذا اقتنع بأن
المنقلبين على انقلاب البشير سيسلمون السلطة للشعب بعد فترة ( محددة).. و
ذلك ما يستحيل حدوثه من الانقلابيين بعد الجلوس على كرسي البشير الوثير..
فيكون ذلك أشبه باستبدال طاغية يتوكأ على عكازة، بطاغية يمارس رياضة
الركض فوق رؤوس الشعب..
و مع ذلك، لن يأتي نظام دكتاتوري أكثر استبداداً و فساداً من نظام احتكر
السرقة و القتل و الكذب و النفاق.. و ماتت عند عتبات داره النفسُ
اللَّوامة..!