وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب… (5)

طقوسية قحت “المجلس المركزي/تقدم /صمود ..الخ (2)
محمد عبد الخالق بكري

سأواصل في هذه الحلقة الحديث عن طقوسية قحت المجلس المركزي/تقدم/صمود. ولكن قبل ذلك أريد ان استرسل قليلا في شرح الطقوسية المؤدية حتما الى اندثار المؤسسة السودانية. وايضا اريد أن اؤكد ان المشكلة ليست فقط في قحت المجلس المركزي/تقدم/صمود. المؤسسة السياسية السودانية بجميع أحزابها وحركاتها – دون استثناء – انحدرت نحو الطقوسية والطقوس. ومبعث كتابتي حول صمود وغيرها من التحالفات والاحزاب -، ظني، بل عشمي، أن تكون هي، مع آخرين، بما في ذلك اقسام مما عرف بالحركة الإسلامية، نواة لتحالف مؤسسي جديد فيه نجاة الوطن.
الطقوسية في السياسة قد تبدو واضحة في الأحداث الكبرى مثل تنصيب جعفر نميري لنفسه بدعم حلفائه كإمام مجدد والبيعة له في “المنشط والمكره”. طقوسية قانون نقابة المنشأة واضحة، فقد صار بموجبها رئيس اتحاد عمال السودان جراح اخصائي، طبيب مشهور، بل رجل دولة وسياسة في المقام الأول. واندثر كل تاريخ الحركة النقابية السودانية العريقة تحت قناع كثيف واحتل السماسرة والمقاولون مقاعد شرفها البرادين والحدادين وسائقي القطارات والعطشقية والمهنيين المنتخبون برضاء قواعدهم.
واضحة أيضا طقوسية منح الرتب العسكرية دون تدريب أكاديمي، إضافة لكسر كل قواعد المنظمة العسكرية للترقي العسكري بسبب سياسة التمكين من اقدمية ودورات ومتطلبات ضباط الأركان – ماجستير العلوم العسكرية. ولابد ان أنبه هنا انني لا أقدح في استحقاق رجال للقيادة العسكرية دون تدريب عسكري نظامي، وقد يحدث، فقد شهد تاريخ العالم العسكري قادة مرموقين لم يتلقوا تدريب عسكري نظامي البتة واثبتوا قدرات نادرة في القيادة العسكرية منهم أمير الساحل عثمان دقنة، جورج واشنطن، أوليفر كرومويل، ليون تروتسكي، فيدل كاسترو.. الخ ولكن لابد أن ننظر الى ذلك في إطار الترتيبات المؤسسية ككل وانظمتها الرئيسة والثانوية. الأمر هنا ليس عن حميدتي او العقيد الفكة او لواءات الحركات المسلحة، الامر هنا عن مؤسسة في طريقها الى الانهيار.
هنالك جانب آخر، خفي وخطر، في زحف الطقوسية في الانظمة المؤسسية. خطر لأنه يلبس أبرع الأقنعة وفيه غش ليس فقط للآخرين، بل غش للذات. وخطره الأكبر أنه على وجه التحديد يصيب اقوى مفاصل انظمة المؤسسة، بل خبرتها التاريخية المكتسبة بالدم والدموع أحيانا نحو التعاون المؤسسي ويحولها إلى مجرد طقوس مفرغة المحتوى. بموجب القناع الطقوسي الجديد يفرغ الفعل المؤسسي من محتواه ويتم تحويله الى قوقعة فارغة لا تحتفظ الا بالاسم. يهمني هنا في تناول انخراط قحت المركزي/تقدم/ صمود في الطقوسية مناقشة قضية الخبرة المؤسسية فيما عرف في الأدبيات السياسية السودانية بالجبهة العريضة/أكبر تحالف مدني/وحدة القوى المدنية. أخيرا سنناقش الخبرة التاريخية لانحياز القوات المسلحة لخيار الشعب وتحولها هي الاخرى إلى قناع طقوسي.
“وحدة قوى المعارضة/أكبر تحالف مدني/أكبر جبهة عريضة.” سمه ما شئت، يعني في النهاية توحد الغالبية العظمى الساحقة من احزاب السودان وحركاته المدنية تجاه فعل ما. هذا الفعل قد يكون اي شيء: من تأبين شهيد ما الى رفض الجمعية التشريعية عام 1948 الى اسقاط دكتاتورية. وقد تحققت هذه الوحدة بالفعل – في أكتوبر 1964 وفي مارس/ابريل 1985 وتحققت لآخر مرة في ديسمبر/يناير 2019. كان ذلك عن طريق وحدة تجمع المهنيين وتحالف قوى الإجماع الوطني وكتلة قوى نداء السودان والجبهة الثورية وكتلة التجمع الاتحادي. ولم تتحقق بعد ذلك مع استمرار جميع التكتلات والتحالفات في انتحال اسمها والادعاء بأنها أكبر جبهة مدنية او على احسن تقدير انها تشرع في تكوين أكبر جبهة (فترقبوها)!
استعمال تعبير “أكبر جبهة” و “أوسع جبهة” لا يعدو أن يكون غير قناع طقوسي ينتحل الماضي لا أكثر ولا أقل. لنرصد ذلك في تكوين تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” مؤتمرها التأسيسي الذي اختتم جلساته في 30 مايو 2024 بأديس أبابا. ركزت التصريحات التي سبقت المؤتمر على العدد الكبير للمشاركين (600 إلى 670). وكذلك ركز البيان الختامي على عرض وسعة المؤتمر. وقد ظهر ذلك جليا في البيان الختامي لتقدم. يقول البيان الختامي: “شارك في المؤتمر أكثر من 600 عضو جاؤوا من ولايات السودان ال 18ومن 24 دولة من المهجر وشكلوا اكبر جبهة مدنية لإنهاء الحرب وتحقيق السلام والمحافظة على وحدة السودان وسيادته واستكمال ثورة ديسمبر المجيدة وبناء السودان على أسس جديدة.” بل قال البيان الختامي: “هذا المؤتمر حدث تاريخي يحدث لأول مرة في تاريخ البلاد من حيث عدد المشاركين وتنوعهم وشمول تمثيلهم.” هذا ليس صحيح! اللهم الا من ناحية طقوس و بروتوكولية. هنا يتواصل الإيحاء بتعاون مؤسسي بين أوساط الحركة المدنية وهي تقاوم من أجل السلام والديمقراطية: (أوسع جبهة)، (أكبر جبهة)، (جبهة عريضة) ..الخ. بينما الواقع ليس كذلك. الحركة المدنية لا تزال منقسمة على نفسها. هذه ليست أكبر جبهة وأوسع جبهة وليس حدث تاريخي يحدث لأول مرة في تاريخ البلاد. آخر أكبر جبهة والأكثر عددا وتنوعا كانت في يناير 2019 عندما انعقد لواء قوى الحرية والتغيير الأول. يمكن أن تكون عبارة بيان تقدم الختامي أكثر دقة إذا قالت اوسع جبهة حسب طاقتنا الآن. وإذا قال قائل إننا قلنا أوسع جبهة ضد الحرب فإنني أقول إنها ليست أوسع جبهة ممكنة.
نجح الإيحاء والقناع لبعض الوقت من كثرة ترديده. قال السيد الصديق الصادق المهدي مباشرة بعد ختام المؤتمر أن “مشاركة الحركة الشعبية شمال والاتحادي الأصل والمؤتمر الشعبي في المؤتمر التأسيسي للقوى المدنية (تقدم) يؤكد نجاح لمساعي توحيد الجبهة المدنية العريضة” هكذا جاء عنوان الخبر في صحيفة (التغيير). ولكن في صلب الخبر كتب المحرر متحريا الدقة يؤكد “صدق المساعي لتوحيد الجبهة المدنية العريضة” (التغيير 28 مايو 2024).
رغم ان تصريح السيد الصديق المهدي يحمل بعض الحقيقة فقد حضرت الجبهة الشعبية شمال المؤتمر بصفة مراقب وليس عضوا في تقدم. اما الاتحادي فقد اعلن تبرؤه من مشاركة القيادي البارز في التنظيم، إبراهيم الميرغني، في مؤتمر تقدم وانه مثل التنظيم بصفة مراقب (سودان تربيون، 27 مايو 2024)، بينما نفى الاتحادي الأصل في تصريحات اخرى احد لهجة مجرد تفويضه او أي شخص آخر لحضور المؤتمر. ايضا، حين كتب الاستاذ فيصل محمد صالح مقاله (مؤتمر “تقدم” .. آمال وتحديات) لم يتخل عن دقته المعهودة حيث كتب “هذا المؤتمر جرى وصفه بانه أكبر حشد لعمل سياسي في تاريخ السودان الحديث، واوسع تحالف من نوعه …” لا أحد يستطيع أن ينازع الأستاذ فيصل هنا فقد قال “جرى وصفه” ولم يقرر ذلك كتصريح من عنده. لكن الأستاذ فيصل يعود ويقول في نفس الفقرة:”.. وتحمل كشوفات المدعوين، التي أتيح لي الاطلاع عليها، تمثيلا متنوعا وثريا لكل هذه الفئات .. (صحيفة التغيير 1 يونيو 2024). لكن ليس كل تمثيلا متنوعا يعكس تمثيلا حقيقيا لقطاعات الشعب المختلفة، مثلما رأينا تاريخا في (تحالف قوى الشعب العاملة).
خطورة ذلك تكمن في الفتنة بالطقوس و الوقوع في حبائلها والتعجل والتوهم بأن لدينا حلا جاهزا سهلا توفرنا عليه. وفوق ذلك إعاقة مواصلة البحث الدؤوب عن أكبر جبهة مدنية. وأنظر اخي اين مكونات (تقدم) التي احتفل بحضورها السيد الصديق المهدي وهو يبشرنا بالحدث العظيم؟ إنتهت الحركة الشعبية شمال – ضيف الشرف المراقب – الى تحالف آخر اسمه تأسيس وانصرف حفيد السيد علي الميرغني ليصير وزيرا لشؤون مجلس وزراء حكومة تأسيس (سماحة جمل الطين)! الا يذكر ذلك بجوهر المؤسسة الطقوسية الذي هو اللهاث خلف السلطة.
حقيقي، مرة اخرى اكرر، أنني لا ألوم ولا احمل قحت المجلس المركزي/تقدم/صمود وحدها مسؤولية هذا الهرج والمرج الطقوسي، إذ ان بقية التكوينات السياسية متورطة مثلها وعلى وجه الخصوص ما عرف (بتخالف) التغيير الجذري. ولكن أنت تصديت للقيادة، فلتتحمل اللوم والنقد.
خوفي أن ينتهي مستقبل تقدم/صمود الى نفس مصير التحالف الوطني الديمقراطي عام 1989 في معارضة نظام البشير، الذي رغم سعته قد تحول الى هيئة ديبلوماسية شعبية ضخمة (لا تودي ولا تجيب) بعد استقرار جل قياداته في المنفى وانتهى مصيره الى صفقات ومصالحات فردية بين البشير وأكبر الأحزاب السودانية وتولية أبناء السادة مناصب طقوسية. هل ستأتوا الينا وزراء طقوسيين او دبلوماسيين حال الاتفاق بين الدعم السريع والمنظمة العسكرية حال تسوية لطيش انقلابهم؟
طال هذا المقال! وكنت أود الحديث عن تحول الممارسة الصادقة لصغار ضباط القوات المسلحة والرتب الوسيطة في الانحياز لخيار الشعب – وقد حدث ذلك في تاريخنا – وتجليه بل تتويجه في جلوس ممثليهم مع الدكتاتور وأمره: ((انصراف)) بقول “انتهى عهدك، سيادتك، الشعب يريد ذلك!” وتحول ذلك الى قناع على أيدي كبار الضباط واللجنة الأمنية لنظام البشير. لكن اظنه معلوم بداهة، منذ بيان الفريق عوض بن عوف، الى رفض كبار الضباط للتفاوض مع المدنيين بعد مجزرة الأعتصام وظنهم كسر شوكة الإنتفاضة، الى عودتهم الى طاولة التفاوض صاغرين بعض انتفاضة 30 يونيو 2019 بقناع طقوسي جديد، وفرص المدنيين المبددة بسبب الركض خلف السلطة.

mbakri9@gmail.com

عن محمد عبد الخالق بكري

شاهد أيضاً

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب (4)

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب (4)طقوسية قحت “المجلس المركزي/تقدم /صمود ..الخ (1)محمد عبد …