يلاك نروح نرحل لدنيا منسية !

 


 

 

بقلم: حسن أبو زينب عمر

يا سيدي الجمهور اني مستقيل ..
ان الرواية لا تناسبني ..
وأثيابي مرقعة ..ودوري مستحيل
لم يبق للإخراج فائدة ..
ولا لمكبرات الصوت فائدة
ولا للشعر فائدة
ولا للقتل فائدة
فان اللحم قد فقد الاثارة
نزار قباني

لا شيء يدفعنا الى الهروب بحثا عن نسمة او بسمة ولو باهتة أو بارقة أمل سوى الذي يحيط بنا من الضجر واليأس والعبث والخواء ..ورائه قتال مجنون يصلي ناره أبناء بلد واحد وليس عدو خارجي تحركهم مطامع وحماية نفوذ كما تفعل الذئاب والأسود في العالم الفطري ..هذا الواقع المظلم لابد أن يتهاوى ويتآكل مثلما تآكلت منسأة نبي الله سليمان حتى تأكد موته للشياطين وحتى يتحقق هذا الحلم دعونا نرحل لدنيا منسية نقلب فيه دفاترحكاوينا علنا نجد بلسما لجراحاتنا وما أكثرها .
(2)
يحكى عن وردي طرفة حينما كان معتقلا في سجن كوبر أيام نميري حيث أنه وكما جرت العادة لابد أن تلبي احتياجات المعتقلين السياسية وتقدم لهم الخدمات الضرورية وفقا للقوانين المعمول بها وقيل ان وردي طلب من ضابط السجن أن يحضر له عودا فما كان من الأخير أن رد عليه بسرعة ( يازول هوي نحن قبضناك عشان كنت راكب دبابة ولا عشان عودك دا؟ )
(3)
اما الشاعر الفذ محمد حامد آدم فقد اعتقل أيام نميري وزج به في سجن الابيض بعد فشل انقلاب هاشم العطا ضمن العشرات بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي نتيجة شائعات رغم انه كان ينتمي للاتجاه الإسلامي ولكن يبدو ان السجن كان بردا وسلاما على عشاق المفردة الطروب واللحن الشجي فقد شهد ميلاد أغنية (ضابط السجن ) التي خلدها بلبل الغرب عبد الرحمن عبد الله وقيل ان الشاعر صاغ كلماتها لضابط السجن الذي رفض زيارة خطيبته فخاطبه قائلا (يا ضابط السجن صبرك لحظة واحدة أتزود بنظرة وأرجع أنسجن ) ولكن الطرفة جاءت على لسان الفنان عبد الرحمن عبد الله الذي كشف ان نميري لم يكتفي بإيداع الشاعر السجن فحسب بل قال (جيبو الفنان زاتو ) .
(4)
مقالب التورط في الانقلابات لا تنتهي ومعظمها خلال فترة (ابوعاج أخوي) ..تقول الرواية أن أحد زعماء الإدارة الأهلية في شرق السودان سارع بإرسال بطاقة تهنئة لهاشم العطا في انقلابه على نميري ولكن الرياح أتت بما لا يشتهي الزعيم اذ سرعان ما تم اخماد الانقلاب وانتهت البرقية الى يد أحد أكثر أعضاء مجلس الثورة ردعا للخصوم وهو أبو القاسم محمد إبراهيم فتم استدعاء الزعيم (تعيس الحظ) الى الخرطوم للتحقيق معه ولكن المتهم خرج من الجريمة كالشعرة من العجين تاركا المحققين في نوبة ضحك هيستيرية فقد قال ( أسمعوا يا جماعة نحن لمان جاء الأزهري أيدناه وأديناه برقية تأييد ولما جاء عبود للحكم ايدناه ورسلنا له برقية ولما جاء سر الختم خليفة أيدناه واديناه برقية تأييد ولما جاء الصادق المهدي برضو أيدناه وأديناهو برقية تأييد ولما جاء نميري أيدناه وأديناه برقية تأييد ولما جاء هاشم العطا أيدناه وأديناهو برقية تأييد ولمان استرد نميري الحكم أيدناه ورسلنا ليه برقية تأييد ..البرقية بتاعتي ما وصلتكم ؟
(5)
وفي مشهد آخر من عيار (شر البلية ما يضحك) تناهى الى سمع نميري أن الفنان التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي ضالع في انقلاب الجبهة الوطنية الذي خططت له أحزاب الاتحاد الديموقراطي والامة والأخوان المسلمين والذي قاده محمد نور سعد فتم توقيفه من العمل وسجنه عاما في الفترة من 1975-1976 وكان وقتها في مصلحة الثقافة ..بعد عام تمكن الصلحي من الهروب والتحق بالعمل في قطر وهناك اشتكى حاله للأمير للتوسط مع نميري مبديا رغبته للعودة الى السودان ..وفي زيارة لنميري للدوحة فاتحه الأمير بقضية الصلحي طالبا منه اسقاط التهمة عنه فرحب نميري بالوساطة وقال للأمير (طلباتك أوامر يا سمو الأمير لن أسقط عنه التهمة فحسب بل سأختاره وزيرا في التشكيلة الجديدة للحكومة )
(6)
يبدو انه ومع مرور الزمن وإعلان تشكيلة الحكومة اختلطت على نميري الأسماء بين الصلحي و صالحين وكان وقتها مديرا للإذاعة والتلفزيون .فطلب من رئيس لجنة الاختيار وكان وقتها بهاء الدين ادريس اختيار التشكيل الحكومي مع ترك منصب وزير الاعلام شاغرا لتعيين (صالحين) وكان المراد (الصلحي) .. وحينما جاء المهنئون لصالحين ضرب اخماسا في أسداس لمعرفة سبب اختياره للوزارة سيما وانه ناجح في عمله في التلفزيون ..وجاء حفل اعلان الوزارة الجديدة في القصر الجمهوري بحضور الوزراء الجدد الذين جاءوا لأداء القسم مع لفيف من الشخصيات الكبيرة والسفارات والهيئات الدبلوماسية والأجهزة الإعلامية والقضائية والسياسية .
(7)
حينما اعلن اسم محمد خوجلي صالحين وزيرا للإعلام تقدم الرجل لأداء القسم وسط التماعات أضواء التصوير فيما التفت نميري الى بهاء الدين الذي كان يجلس بجانبه وقال له (الراجل دا موش شغال في التلفزيون ؟ ) فأجابه نعم كان شغال في التلفزيون فسأله نميري مستنكرا (ومين جابو هنا ؟) فأجاب بهاء (ما انت اخترته وزيرا للأعلام ياريس ) فانقلب نميري 180 درجة وقال له (لا لا أنا قصدي بتاع الدقن أبو راس كبير داك موش دا ) ثم أضاف ( يلا وقفوا الشغلة دي سريع وأعملوا احتفال جديد) .
(8)
وتتواصل طرف التعيينات فتقول احداها أن أحد الخواجات واسمه (بيتر) كان يعمل في وزارة البريد والبريق مع لفيف من السودانيين ..كان بيتر مثالا للانضباط والمثابرة والنشاط فقد كان يأتي مبكرا قبل الآخرين وكان يقوم بكل متطلبات العمل فيما كان الآخرون يقضون الوقت في الونسة ومعاقرة الشاي واستلام الراتب آخر الشهر ولكن ولسوء حظهم فان استمرار الحال كان من المحال فقد أطاح قرار السودنة المفاجئ بكل الأجانب واستبدالهم بعمالة محلية . جاء أحدهم الى المصلحة فوجد الدنيا كلها مقلوبة فأستدعى أحد زملائه ونقل اليه الخبر(القنبلة) بإقالة (بيتر). فاحتج صاحبنا هذا غاضبا أسفا على انهاء خدماته وتساءل محتارا من تم تعيينه اذن خلفا لبيتر فأجابه (تم تعيينك انت دا خلفا له ) ..فعلق قائلا (ان كان كده القضية جاطت ).
(9)
وبمناسبة السجون والسياسة فان الكلام لن يحلو دون ذكر أشهر سجين في التاريخ وهو مساعد هتلر (روبرت هيس) الذي سلمته بريطانيا مقيد اليدين الى قضاة محكمة نورم برج فحكموا عليه بالمؤبد ولكن و بعد عشرون عاما في سجن (سبانداو) وافق الحلفاء على اطلاق سراحه لأسباب إنسانية منها كبر سنه ولكنه رفض القرار ببجاحة مبررا ذلك باجبار أربعة هي (دول الحلفاء) الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا لتحمل نفقات سجنه من غذاء وعلاج وخدمات ومستحقات مالية وحوافز لإدارة السجن من موظفين وأطباء وحراس صاغرة دون نقاش .

oabuzinap@gmail.com

 

آراء