21- الغريـــق- الطبعة الثانية من كتاب (رواكيب الخريف- مجموعة قصصيَّة).
11 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
19 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– ما شُفتَ عوض تابع النجمات
فات لي قدَّام يا ســــاري الليل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان طارقٌ، ولداً شقيَّاً مُنذ نعومة أظافرِهِ، لا تنفكُ أفعالُ الشيطنة، والطرائف تتحدثُ عنه، وكان، مِن بين جميع رفاقه الأطفال، مُتسائلاً، على الدوام، عن جوهر الأشياء، والظواهِر بطريقةٍ كانت أكبرُ مِن سنِّهِ، فإذا ما أتى الخريفُ، ينغمسُ في صيدِ الحشرات، والضفادع، ويقوم بتشريحِها تشريحاً بُدائيَّاً، بفرحٍ طفوليٍ غامِر، ليعرف ما بداخل بطونِها، وكيف تطير؟ وما هي المُقومات التي تجعلها حية؟
وإذا ما صادفته علبٌ، أو كراتين فإنه لا يتواني عن تمزيقها، ليعرف مما تتكون؟ أو ليصنع منها لُعباً، بسيطةً، كانت تتواءمُ مع اهتماماتِهِ، وسنه، وكان طارقٌ يكسرُ الدُّوم بعد أن يفرُغ مِن (كَدِّهِ)، ويزرعُ البعُو في فناءِ الدَّار، ويفتت حجارة البطارية ليحولَ عَمُودَ الكربُوْن فيه إلى طباشير، ويُدشدش البِلِّي للحصول على الصَفقاتِ الثلاث، الملونة بداخله، ويصنعُ شِراكاً للطيور، مِن الأسلاكِ التي كانت تُلقَى على قارعةِ الطريق، ويطلع فوق رأس البيت، حيثُ يخزِّن، هُناك، بعضاً مِن الأشياء التي تكَون دنياهُ السحريَّة…
وبإختصار، لم يكن طارقٌ يدعُ حجراً، وقعت عليهِ عيناهُ، إلَّا وقلبه…
وفي اليوم الحزين، المَشئوم، حينما قررتِ الأسرةُ قضاء النهار على شاطيء النيل، دَفعَهُ فضولُهُ العارم، وحماسُهُ المتلهف للمعرفة، دفعاهُ للدخول إلى عرضِ النَّهْر، حتى يتسنَّى له أن يقبض، بيديه البضتين، صورةَ عين الشمس، المُتلألئة، والمُتكونة بإنكسار الضوء، القابعة على سَطحِ مِيَاهِ النَّهْر.
وكان هذا التهوُّرُ بعيداً جداً عن سقف توقعات الأسرة لمغامرات طارقٍ، وخارج دوائر الإحتمالات التي تحسَّبَت لها الأسرة، وأقفلت أمامها ألف باب.
وهبَّ الحُضورُ، عَن بِكرة أبيه، لنجدته.
ولكن، كان قدرُهُ أسرع، فقد إكتملت الثلاثةُ غطسات في لمحِ البصر، وإمتلاء جوفُهُ الصغيرُ بماءِ النهر، وغاصَ جسمُهُ النحيلُ، ثقيلاً، إلى الأَعْمَاق!