التجربة الناصرية من القراءة العلمانية الى القراءة الإسلامية المستنيرة .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
5 فبراير, 2021
د. صبري محمد خليل, منبر الرأي
55 زيارة
sabri.m.khalil@gmail.com
تعدد قراءات التجربه الناصريه واسبابه : تعددت قراءات التجربه الناصريه ، ومرجع هذا التعدد عدة أسباب منها:
اولا: ان اى تراث فكرى بما هو اجتهاد إنساني لابد ان يكون نسبى فى الزمان والمكان محدود بهما، و بالتالى يقع فى إطار الظني الدلالة (اى ما يحتمل التأويل بلغه علم أصول الفقه ) ، لذا يمكن ان تتعدد تاْويلاته(قراءاته)، وذلك خلافا للدين بما هو وضع الهى، مطلق عن قيود الزمان والمكان،لذا فهولا يحتمل التأويل-على مستوى اصوله.
ثانيا: ان تفسير ذات الفكرة “النظريه” او التجربه ” العمليه” الإنسانية ، يمكن ان يختلف باختلاف الجهه المنظور منها اليها،والتى تتضمن الفلسفة اومنهج معرفه المعينين المستخدمين فى تفسير هذه الفكره او التجربه.
ثالثا: ان هناك ثلاثه مواقف يمكن اتخاذها اتجاه اى فكره ” نظريه ” او تجربه “عمليه” انسانيه هى : الرفض المطلق و القبول المطلق والموقف النقدى، وكل موقف منهما يمكن ان يؤسس لقراءه مختلفه لذات الفكره او التجربه الانسانيه.
رابعا: انه رغم شيوع مصطلح” الناصرية” فى الفكر السياسى العربى المعاصر، إلا ان دلالته غيرقطعية ، وقد يرجع ذلك الى ان”الناصريه” نظريه سياسيه” مذهب ” ذات طابع عملي- تجريبى(بعدى) ،اى تم استخلاصها- لاحقا- من تجربه سياسيه معينه، تمت فى مكان وزمان معينين،وليست نظريه سياسيه ذات طابع نظرى- تجريدى ( قبلى) اى تم وضعها – اولا – بواسطه فلاسفه سياسيين معينين(كالليبراليه او الماركسيه…)…
قراءتان اساسيتان :وفى اطار هذا التعدد فى القراءات نكتفى بتناول قراءتان اساسيتان للناصريه هما:
القراءه الاولى(القراءه العلمانيه ) : وهى قراءه ذات منطلقات فكريه متعدده ” ليبراليه ،ماركسيه… ” . وتستند الى افتراض مضمونه ان التجربه الناصريه كانت علمانيه فى موقفها من مشكله العلاقه بين الدين والدوله ، وترتب على هذا الافتراض انه ينبغى على النظريه السياسيه الناصريه ان تتخذ موقف القبول المطلق للعلمانيه كحل لمشكله العلاقه بين الدين والدوله:
نقد :
تناقض التجربه الناصريه مع العلمانية : غير ان الافتراض الذى تستند اليه هذه القراءه خاطىْ،حيث إن التجربة الناصرية تناقضت – على المستويين النظري والتطبيقي – مع العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما. فعلى المستوى النظري نجد – من الناحية الشكليه الاصطلاحيه- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ، يقول الاستاذ / مخلص الصيادي(من الناحية الشكلية ليس في تاريخ الناصرية وفق علمي ما يشير إلى تبنيها للعلمانية من حيث المصطلح ، ولم تثر هذه القضية في تاريخ الناصرية ، ولا يعرف أن جمال عبد الناصر أتى عليها، على الرغم من أنها كانت مثارة بقوة وبوضوح في المجالين الإسلامي بالنموذج التركي، والعربي بالنموذج البورقيبي)( مخلص الصيادي ، الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) . اما من ناحيه المضمون فقد رفض عبد الناصر مضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط). هذا فضلا عن أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والعملي- كما سنوضح لاحقا عند الحديث عن القراءه الاسلاميه المستنيره للتجربه الناصريه – هو ما يتناقض مع كون العلمانية – بفصلها للدين عن الدوله – تتخذ موقفا سلبيا – او على الاقل محايدا – من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
تناقض التجربه الناصريه مع التغريب: كما ان تبنى التجربه الناصريه لسياسات التحرر وطنى وقومى وعالم ثالثى من الاستعمار الغربى” القديم والجديد والاستيطانى” ،والتنميه المستقله فى الاقتصاد ، وعدم الانحيار فى السياسه الخارجيه ، و صراعها مع قوى الاستعماريه الغربيه… انما ينهض كدليل – عملى تطبيقى – على تناقضها مع التغريب الذى مضمونه محاوله اجتثاث الجذور، والعلمانيه – كما يقرر الدكتور عصمت سيف الدوله شكل من اشكال التغريب لان ( جوهر الدعوه العلمانيه فى مجتمع من المسلمين هو ان تستبدل بالشرائع والقواعد والاداب التى جاء بها الاسلام بشرائع وقواعد واداب وضعيه) (عن العروبه والاسلام،ص423) .
القراءه الثانيه(القراءه الاسلاميه المستنيره ): اما القراءه الثانيه فهى قراءه اسلاميه مستنيره للتجربه الناصريه .
التمييز بين التجربه والنظريه السياسيه “المذهب”: هذه قراءه تميز- اولا- بين دلالتين لمصطلح الناصريه : الدلاله الاولى هى الناصريه باعتبارها تجربه تاريخيه معينه، تمت فى مكان وزمان معينين . اما الدلاله الثانيه فهى الناصريه باعتبارها نظريه سياسيه” مذهب ” تم استخلاصها- لاحقا- من تجربه تاريخيه معينه .
اولا: التجربه :
الموقف من التجربه الناصريه :
اولا: مواقف تستند الى مفاهيم وقواعد تتعارض مع الدين : هذه القراءه ترفض- اولا – جمله من المواقف من التجربه الناصريه ، التى تستند الى مفاهيم او قواعد تتعارض مع مفاهيم وقيم وقواعد الاسلام الكليه ، التى مصدرها النصوص اليقينيه الورود القطعيه الدلاله –حتى لو تبناها بعض من ينسبون انفسهم الى الاسلام – افرادا او جماعات– ومنها:
ا/ الرفض المطلق: الاستناد الى موقف الرفض المطلق الذى ذمه القران الكريم فى معرض ذمه لموقف الكفار والمشركين، القائم على رفضهم المطلق للعقيده الصحيحه وانماط السلوك القويمه التى جاء بها الانبياء، والذى يلازم قبولهم المطلق للعقائد الفاسده وانماط السلوك القبيحه المتوارثه من الاباء ،وبالتالى قال تعالى﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ (المائدة:104). وهو الموقف الذى يلزم منه التركيز على السلبيات (اوجه خطاْ) وتجاهل الايجابيات (اوجه الصواب) .
ب/ مخالفه الواقع”الكذب” مخالفه الواقع وهو مضمون الكذب ، يقول الإمام النووى(اعلم أن مذهب أهل السنة أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، سواء تعمدت ذلك أم جهلته، ) (الأذكار: ص474 )، وقد توترت النصوص فى النهى عن الكذب قال تعالى( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب )(غافر: 28 )، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم )(إياكم والكذب.وهنا نجد ان هناك من يستند فى تقييمه للتجربه الناصريه الى كثير من المعلومات التى تخالف الواقع والتاريخ والمنطق .
ج/عدم اعتبار قاعده سد الذرائع والالتقاء مع اعداء الامه : عدم اعتبار قاعده سد الذرائع التى قررها العلماء استناد الى الكثير من النصوص يقول الامام ابن تيمية ( إن الله سبحانه ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم ؛ بأن حرمها ونهى عنها )، ومضمونها منع الفعل الذى يغلب على الظن انه قد يفضى الى ضرر حتى ولو لم يرد فيه نص بالمنع، ويتمثل عدم اعتبار هذه القاعده فى تقييم التجربه الناصريه فى الالتقاء مع – وخدمه اهداف – اعداء الامه من قوى الاستعمار الجديد ” الامبريالى الامريكي ” والقديم والاستيطانى “الصهيونى” – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتيه لاصحابه – لانهم- اى اعداء الامه- هم المحركون الحقيقيون لحمله تشويه صوره الزعيم الراحل وتجربته خلال حياته وبعد مماته بهدف القضاء على اى مواقف رافضه للاستعمار والتبعيه.
د/ تجاوز التقييم الموضوعى الى السب الشخصى: حيث نجد هناك من يتجاوز التقييم “الموضوعي” لأفكار ولأفعال الزعيم الراحل عبد الناصر إلى السب الشخصى، وهو ما يتعارض مع تقرير الشرع تحريم سب الأموات روى البخاري و النسائي و أحمد عَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا )قَالَتْ : قال النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) . أما استدلال البعض ببعض النصوص التي تفيد ذكر بعض الأموات بالشر لتبرير سب الأموات ، فهو استدلال خاطئ ، لان الذكر بالشر غير السب ، كما أن الذكر بالشر يكون في من ثبت شره من الكفار والمنافقين ، يقول الإمام المناوي في فتح القدير : ( السب غير الذكر بالشر ، و بفرض عدم المغايرة فالجائز سب الأشرار و المنهي سب الأخيار).
ه/ الاستناد الى المعيار الذاتى(العاطفى( : الاستناد الى المعيار الذاتى فى التقييم والمستند الى الانفعالات والعواطف “كالكراهيه مثلا “، والذى اشارت اليه الايه (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ). ومن مظاهر الاستناد الى هذا المعيار فى تقييم التجربه الناصريه تشويه بعض المنتسبين لجماعه الاخوان المسلمين لصوره الزعيم الراحل وتجربته ، من باب الانتقام والتشفى، بسبب الصدام الذى حدث بين الدوله فى عهد عبد الناصر وجماعه الاخوان المسلمين- او بالاحرى قطاع من جماعه الاخوان المسلمين، فى مرحله تاريخيه سابقه ، مع تصويره- خطا- بانه تعبير عن صراع دينى” بين مسلمين وكفار”، بينما واقع الامر انه صراع سياسى كما سنوضح ادناه عند الحديث عن طبيعه الصراع بين عبد الناصر وجماعه الاخوان المسلمين .
و/ تكفير المخالف: الاستناد الى بدعه تكفيرالمخالف فى المذهب التى قال بها الخوارج – وتتعارض مع نهى النصوص عن تكفير المسلمين، وتحذير علماء أهل السنة منه – ويتمثل الاستناد الى هذه البدعه فى تقييم التجربه الناصريه فى التكفير المضمر او المعلن لعبد الناصر-استنادا إلى بعض الحجج غير الصحيحه ومنها:
ا/ ان عبد الناصر قام باعدام وسجن وتعذيب اعضاء جماعه الاخوان المسلمين بدون اى ذنب اقترفوه . وهذا القول يتضمن عده اخطاء هى:اولا بداهه ان ما قام بذلك ليس عبد الناصر بشخصه ، بل الدوله فى عهده ،بعض ذلك بعلمه وبعضه بغير علمه (كالتعذيب الذى كان ممارسه سالبه ليست سمه خاصه بعهد عبد الناصر ،بل سمه مرتبطه بالدوله قبل وخلال وبعد عهد عبدالناصر، لذا قام باتخاذ اجراءات عقابيه ضد من قاموا به عندما علم بذلك(
ب/ان هذه الاجراءات لم تتم ضد كل اعضاء جماعه الاخوان المسلمين بل بعض اعضائها .
ج/ان هذه الاجراءات لم تتخذ ضد هؤلاء الاعضاء – وليس كل اعضاء الجماعه – بدون اى ذنب اقترفوه بل لانهم استخدموا القوه المسلحه ضد الدوله والمجتمع مع ما هو معلوم من اجماع علماء اهل السنه على تحريم الخروج بالسيف على اولى الامر. ان هؤلاء الاعضاء تبنوا بدعه تكفير المخالف، التى تخالف مذهب اهل السنه، و ترجع جذورها الى فرقه الخوارج ، تحت تاثير كتابات سيد قطب فى مرحلته المتاخره “التكفيريه “،وان هذا التبنى لهذه البدعه يخالف نهى الامام المؤسس حسن البنا عن تكفير المسلمين .
بالاضافه الى ماسبق فان القران الكريم لم ينفى صفه الأيمان عن الطوائف المسلمه المتصارعة قال تعالى ( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله)، فضلا عن ان الصحابة(رضي الله عنهم) اختلفوا في مسالة الامامه دون أن يكفر احدهم الأخر.
ثانيا: تفسير الايه ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(المائدة:44) بأنها تدل على تكفير حكام المسلمين الذين لا يحكمون بما انزل الله وتوجب الخروج عليهم ، وهو ذات تفسير الخوارج لهذه الآية ،وهو تفسير يخالف تفسير أهل السنة للأيه، والقائم وجوب التمييز بين عدم الحكم بما انزل الله مع الإقرار به فهو ظلم او فسق، وعدم الحكم بما انزل الله مع إنكاره فهو كفر بدليل قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )( المائدة /45).وقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) (المائدة /47). روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال: من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق. (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن. سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله). وما هو ثابت ان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لم ينكر ما انزل الله تعالى في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة . كما لم يكن الخلاف بينه وبين جماعه الأخوان المسلمين ، حول إنكار أو عدم إنكار ما انزل الله ،ولكنه كان -في الأساس- خلاف حول قضايا سياسيه متعددة منها رفض الجماعة – أو بالاحرى اغلب قياداتها -لاتفاقيه الجلاء رغم انه ترتب عليها خروج الانجليز من مصر ، بحجه أن بها بندا يبيح للانجليز العودة إلى المنطقة في حالات معينه، أما قضيه النظام القانوني الاسلامى، فإنها لم تكن القضية الخلافية الاساسيه – أو الوحيدة – كما حول ان يصور البعض لاحقا – فضلا عن الخلاف بينهما فى هذه القضية انحصر في كيفيه تطبيق النظام القانوني الاسلامى – وليس إقرار أو إنكار النظام القانوني الاسلامى – حيث كان عبد الناصر يرى أن التحرير من الاستعمار ، سابق على التطبيق “الشامل” للنظام القانوني الاسلامى ، بينما كانت جماعه الأخوان المسلمين – أو بالاحرى سيد قطب و القطاع المؤيد له من جماعه الإخوان المسلمين- يقولون بوجوب التطبيق “الفوري” للنظام القانوني الاسلامى ، بصرف النظر عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقصاديه. مع ملاحظه أن قطاع من الحركات السياسية التي تبنت مذهب التفسير السياسي للدين ،والتي وصلت للسلطة في بعض البلدان، تبنت لاحقا موقف يقارب موقف عبد الناصر، والقائم على وجوب توفير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتطبيق النظام القانوني الاسلامى، وأهمها تحقيق الاستقرار ، استنادا إلى قاعدة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ، والتي تستنبط من أن الرسول ” صلى الله عليه وسلم” لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ).هذا مع ملاحظه أن الدولة في عهد عبد الناصر قدا قرت بالإسلام كدين للدولة على المستوى الدستوري، كما أصدرت الكثير من القوانين الاسلاميه .
الموقف الصحيح :
الموقف التقويمى” : كما ان هذه القراءه “الاسلاميه” ترى – ثانيا- ان الموقف الاسلامى- الصحيح – من التجربه الناصريه –واى تجربه انسانيه – يتجاوز موقفى القبول المطلق و الرفض المطلق الى موقف تقويمي قائم على الإقرار بالايجابيات(اوجه الصواب) والسلبيات(اوجه الخطا) ،بهدف اخذ الايجابيات ورفض السلبيات: قال تعالى )فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ )الزمر:17-18(،وقال تعالى ( ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا)( الأعراف : 85)، وقال تعالى( لاخَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(النساء :114). وهو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام كموقف الامام ابن تيمية الذي يقول في تقييم التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت “الصوفية والتصوف” وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة … وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..) .
وقد التزم بعض الكتاب والمفكرين المنتمين او المتعاطفين مع جماعه الاخوان المسلمين بهذا الموقف التقويمي في تقييم التجربة الناصرية ، بالقول بوجوب الإقرار بايجابيات التجربة الناصرية ، بجانب الإقرار بسلبياتها : يقول ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الاسلاميه بمصر(…لقد تعرضت الحركة الإسلامية في مصر- ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين- إلى نوع من الظلم الفادح على يد عبد الناصر وأركان حكمه….ولكن ذلك لا يصح أبدا أن يكون مبررا لغمط حسنات عبد الناصر أو إغفال الإنجازات التي أنجزها لوطنه.. أو تصويره وكأنه حاكم بلا حسنات.. أو كأنه شيطان رجيم. كما لا يصح أن يرفعه البعض إلى مرتبة الأنبياء المعصومين.. فهو حاكم من البشر يخطئ ويصيب، وله إيجابيات كما أن له سلبيات …)، ويقول د. يوسف القرضاوى (.. لا ريب أن الناس في رجل كعبد الناصر جد مختلفين؛ فله أنصار يرتفعون به إلى أعلى عليين، وله خصوم يهبطون به إلى أسفل سافلين. وبين مدح المغالين في المدح وقدح المبالغين في القدح تضيع الحقيقة… ثم إني أفرق تفريقا واضحا بين أمرين:أولهما: ما كان من “اجتهادات” قد تصيب، وقد تخطئ، وهو مأجور على صوابه، ومعذور في خطئه، .وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة، كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة، وللإخوان المسلمين خاصة…)( عبد الناصر في الميزان من مذكرات القرضاوي).
التقييم الموضوعى: كما ان هذه القراءه “الاسلاميه” ترى – ثانيا- ان الموقف الاسلامى- الصحيح – من التجربه الناصريه –واى تجربه انسانيه – لا يستند الى المعايير الذاتيه كالانفعالات والعواطف ، بل يستند الى المعايير الموضوعيه كالحقيقه الواقعيه والتاريخيه ومالا يناقض المنطق والعقل ..قال تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ).
فى الرد على بعض الافتراضات الخاطئه عن علاقه التجربه الناصريه بالدين: واستنادا الى هذه المعايير الموضوعيه فى التقييم نبين اوجه الخطا فى بعض الافتراضات عن علاقه التجربه الناصريه بالدين:
وجه الخطا فى افتراض أن عبد الناصر اتخذ موقفا سلبيا من الإسلام: من هذه الافتراضات أن عبد الناصر اتخذ موقفا سلبيا من الإسلام كدين وكعلاقة انتماء ،ووجه الخطأ في هذا الافتراض أن عبد الناصر اتخذ – في واقع الأمر – موقفا ايجابيا من الإسلام كدين وكعلاقه انتماء ذات مضمون ديني – حضاري للشخصية العربية)،على المستويين النظري والعملي:
ا/المستوى النظري: وقد تمثل هذا الموقف الايجابي لعبد الناصر ، من الاسلام كدين وكعلاقة انتماء ،على المستوى النظري ، في الكثير من أراء وأقوال وخطب جمال عبد الناصر، ومنها: تقرير جمال عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو (إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية، التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ، الباب الأول). وكذلك تقريره أن الشعب المصري(يعتقد في رسالة الأديان، وهو يعيش في المنطقة التي هبطت عليها رسالات السماء)( الميثاق ، الباب العاشر). وتقريره أن الفتح الاسلامى كان (… ضوءاً أبرز هذه الحقيقة وأثار معالمها، وصنع لها ثوباً جديداً من الفكر والوجدان الروحي، وفي إطار التاريخ الإسلامي، وعلى هدى رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)، قام الشعب المصري بأعظم الأدوار دفاعاً عن الحضارة الإنسانية.. ثم كان قد تحمّل المسؤولية الأدبية في حفظ التراث الأدبي العربي وذخائر الحافلة، وجعل من أزهره الشريف حصناً للمقاومة ضد عوامل الضعف والتفتت)(الميثاق ، الباب الثالث). وكذلك تقريره أن الإسلام هو الذى وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958). كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية، ولدى حديثه عن انتماء مصر للدائرة الإسلامية يربط بينه وبين الدور التحرري لمصر خلال المراحل التاريخية القديمة التي مر بها ذلك الانتماء. كما يرى جمال عبد الناصر ان الإسلام هو الحل الأول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع (.. فليكتف المفكرون والفلاسفة بما بذلوا من جهد، ولا يبحثوا منذ اليوم عن حلول أخرى لمشكلة الفرد والمجتمع.. عندنا الحل.. الحل هو الذي نزل به الوحي على نبينا منذ ألف وثلاثمائة سنة.. هو الحل الأخير لمشكلة الإنسانية ) (مقال بعنوان “الحل الأول هو الحل الأخير”، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك “العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد”، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)
ب/المستوى التطبيقي: كما تمثل الموقف الايجابي لعبد الناصر من الاسلام كدين وكعلاقة انتماء ، على المستوى العملي في الكثير من المظاهر، ومنها : 1/ زيادة عدد المساجد في مصر ، من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة ، إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، ( عشرة ألاف مسجد ) ، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. 2/ جعل مادة التربية الدينية مادة إجبارية، يتوقف عليها النجاح أو الرسوب ،كباقي المواد لأول مرة في تاريخ مصر. 3/ أنشاء مدينة البعوث الإسلامية ،التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا.4/ أنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية . 5/ ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . 6/ إنشاء إذاعة القرآن الكريم. 7 / تسجيل القرآن كاملا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى في التاريخ ، و توزيع القرآن مسجلا في كل أنحاء العالم .8 / تنظيم مسابقات تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية ، والعالم العربي ، والعالم الاسلامى. 9/ وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي ، والتي ضمت كل علوم وفقه الدين الحنيف في عشرات المجلدات وتم توزيعها في العالم كله. 10/ بناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر ، و افتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية،بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام فى أفريقيا وأسيا· 11/ إصدار قانون تحريم القمار ومنعه . 9/ إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة ، 12/ أصدر قرارات بإغلاق كل المحافل الماسونية ونوادي الروتارى والمحافل البهائية . (الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد. النبي والفرعون : جيل كيبل . المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة. تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية فى مصر عام1982 . الإسلام في عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح). وعلى المستوى الشخصى : يقول المفكر الاسلامى الدكتور عبد العزيز أن عبد الناصر كان يحرص على صلاته بشدة ، ففي زيارته الإتحاد السوفيتي إقترب موعد صلاة الجمعة، وكان في مباحثات مع القادة السوفييت ، فطلب إيقاف المباحثات ، وإستعد للصلاة وذهب ليؤديها مع أخوته . ويقول الشيخ احمد حسن الباقوري أن جمال عبد الناصر كان مسلما ” متدينا” شديد الإيمان إلى حد انه في ( باندونج) أصر على أن يظل صائما ” طوال شهر رمضان ورفض استخدام الرخصة الشرعية التي تعطيه حق الإفطار ، والتي أستخدمها الشيخ الباقوري نفسه فأفطر. (عبد الناصر بشهادة علماء الأزهر).
وجه الخطأ في افتراض ان الصراع بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين صراع دينى : ومن هذه الافتراضات أن الصراع الذي دار بين عبد الناصر وجماعه الأخوان المسلمين –وبالأحرى قطاع من قطاعاتها وليس كل أفرادها- هو صراع دينى بين مسلمين وكفار وليس صراع سياسي:
أولا: الامامه” السلطة فرع من فروع الدين : ووجه الخطأ في هذا الافتراض هو اجماع علماء أهل السنة أن الامامه ( بمعنى السلطة) فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، (بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين ، وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم) ،وبالتالى لايجوز تكفير المخالف فيها
ثانيا: إقرار بعض الأخوان المسلمين أن الصراع سياسي وليس ديني : وقد اقر عدد من الكتاب الإسلاميين وكتاب الإخوان المسلمين ان الصراع بين عيد الناصر والأخوان كان صراع سياسى وليس صراع دينى، يقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطئ) ( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39). ويقول ناجح ابراهيم (.. ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.ولكنه انحصر أساسا في ظن كل فريق منهما أنه الأجدر بالحكم …)( جمال عبد الناصر فى فكر داعية).ويقول د.عبدا لمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين فى الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفرد «الشروق» بنشرها (ورغم أن نظرتي تغيرت تماما عن جمال عبد الناصر فلم تصل يوما إلى تكفيره، فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس )
الخطأ في افتراض أن عبد الناصر اقر بعلاقة الانتماء القومية(العربية) على وجه يلغى علاقة الانتماء الدينية (الاسلاميه): ومن هذه الافتراضات أن الزعيم الراحل اقر بعلاقة الانتماء القومية (العربية) على وجه يلغى علاقة الانتماء الدينية (الاسلاميه)، وخلافا لهذا القول فان عبد الناصر كان يرى أن العلاقة بينهما علاقه تحديد وتكامل ، وتأكيدا لذلك نجد أن عبد الناصر يقرر – على المستوى النظري – في كتاب فلسفة الثورة (1953) أن الدوائر الثلاث التي تنتمي إليها مصر والتي يجب ان يتوزع دورها الخارجي بينها، هى الدائرة العربية و الدائرة الأفريقية و الدائرة الإسلامية)، . أما على المستوى التطبيقي فقد اتخذ عبد الناصر موقفا ايجابيا من علاقة الانتماء الاسلاميه تمثل في الكثير من المظاهر التي سبق الاشاره إليها.
ثانيا:النظرية السياسيه(المذهب):اذا كان ما سبق من حديث عن الدلاله الاولى لمصطلح الناصريه اى الناصريه باعتبارها تجربه تاريخيه معينه، تمت فى مكان وزمان معينين ،فان مايلى من حديث هو عن الدلاله الثانيه للمصطلح اى الناصريه باعتبارها نظريه سياسيه” مذهب ” تم استخلاصها- لاحقا- من تجربه تاريخيه معينه ، حيث تقوم الٌقراءه الاسلاميه للناصريه هنا على الاتى :
من الناحيه الاصطلاحيه: لا مجال للحديث عن تعارض الناصريه من الناحيه الاصطلاحيه ” ” اى مصطلح الناصريه ” مع الاسلام ، وفى الواقع فان المسلمين – عبر التاريخ- نسبوا الجماعات التى تلتزم باحد المذاهب التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام . هذا فضلا عن ان مصطلح “اسلامى”او ” اسلاميين” كصيغه نسب لمفرد او جماعه من البشر لم يرد فى القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)، . وإذا كان بعض العلماء المسلمين فى مراحل تاليه لعهد السلف الصالح (رضى الله عنهم) قد استخدم مصطلح (إسلاميين)، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته المعاصرة ، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة كالشيعة، والخوارج والمرجئة والمعتزلة،مع تركيزه على المذاهب الاعتقاديه (الكلامية) المختلفة لهذه الفرق، وهى دلاله تختلف عن دلالته المعاصره التى تقتصر على فئه معينه من المسلمين – على تعددها – ولا تمتد وتشمل كل المسلمين .
من ناحيه المضمون :
رفض السياق العلمانى التغريبى : اما من ناحيه المضمون فان القراءه الاسلاميه المستنيره للناصريه ،ترفض اولا القراءه العلمانيه للناصريه التى ترى انه ينبغى على النظريه السياسيه الناصريه ان تتخذ موقف القبول المطلق للعلمانيه كحل لمشكله العلاقه بين الدين والدوله،لان هذه القراءه تضع الناصريه كنظريه سياسيه “مذهب” فى سياق تغريبى.
الالتزام بالسياق التجديدى الاسلامى: كما ان القراءه الاسلاميه لناصريه ترى ثانيا انه ينبغى صياغه النظريه السياسيه الناصريه فى اطار سياق تجديدى اسلامى ، يجعل العلاقه بين الاسلام كدين صالح لكل زمان ومكان، والناصريه كنظريه سياسيه “مذهب ” محدوده بزمان ومكان معيين هى علاقه تحديد– وليست علاقه الغاء – وهذا التحديد يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدى تقويمى – وليست موقف الرفض المطلق – من التراث الفكرى الناصرى ،مضمونه على مستوى اصول الدين النصيه الثابته قبول ما يتسق معها، ورفض ما يتناقض معها . ومضمونه على مستوى فروع الدين الاجتهاديه المتغيره، قبول الصواب ورفض الخطا.
شرط السياق الاسلامى الاتساق وليس التطابق:وهنا نشير ان شرط وضع الناصريه كنظريه سياسيه فى السياق الاسلامى هو اتساق التراث القكرى الناصرى مع النصوص وليس التطابق معها ، ذلك انه من أصول الفقه السياسي السني أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ، يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)،
الغايات:اذا كانت التجربه الناصريه قد اشارت الى ثلاثه غايات اساسيه للنظريه السياسيه الناصريه ، تجسد حلول المشاكل المشتركه، التى يطرحها واقع الامه العربيه المسلمه المعاصر، وهى الحريه كحل لمشكله الاستبداد الداخلى والاستعمار الخارجى”باشكاله المتعدده :القديم والجديد “الامبريالى والاستيطانى “الصهيونى”، والعداله الاجتماعيه والتنميه المستقله كحل لمشكله التخلف الاقتصادى والتبعيه الاقتصاديه ، والوحده كحل لمشكله التجزئه والتفتيت…، فان القراءه الاسلاميه المستنيره للناصريه ترى ان تحديد النظريه السياسيه الناصريه من ناحيه الغايات انما يتحقق من خلال التاكيد على غايه رابعه – تحدد ولا تلغى الغايات الاخرى – وهى الاصاله والمعاصره – التجديد- كحل لمشكله الهويه الحضاريه
الوسائل: وكما سبق ذكره فان القراءه الاسلاميه المستنيره للناصريه ترى ان تحديد النظريه السياسيه الناصريه من ناحيه الوسائل، انما يتحقق من خلال الالتزام بموقف نقدى تقويمى من التراث الفكرى الناصرى ، مضمونه قبول الصواب ورفض الخطا هذا التراث الفكرى.
مشكله العلاقه بين الدين والدوله وضروره تجاوز العلمانيه والثيوقراطيه : اما فيما يتعلق بمشكله العلاقه بين الدين والدوله فان القراءه الاسلاميه المستنيره للناصريه ترى ان موقف النظريه السياسيه الناصريه ينبغى ان يكون ان يتجاوز كل من العلمانيه والثيوقراطيه الى موقف ثالث-يتسق مع الموقف الايجابي للتجربة الناصرية من الدين ، كما يعبر عن جوهر الحل الاسلامى الصحيح لمشكله العلاقة بين الدين والدولة – وهو الموقف الذي يقوم على اعتبار أن علاقة الدين بالدولة هي :
اولا: علاقة وحده وارتباط “وليست علاقة خلط ودمج كما في الثيوقراطيه ” ، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم وقواعد كليه ثابتة” كالشورى والعدل والمساواة …”، والمقصود بالتشريع هنا مصدره الرئيسي ، من خلال تقرير أن أصول الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ، وهو ما يتسق – فيما نرى – مع تقرير دساتير التجربة الناصرية أن الإسلام هو دين الدولة . فهذا الموقف يقوم على دينيه التشريع ” وليس السلطة كما في الثيوقراطيه “.
ثانيا: علاقة الدين بالدولة هي علاقة تمييز ” وليست علاقة فصل كما في العلمانية”، لان الإسلام ميز التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. فهذا الموقف يقوم على مدنيه السلطة ” وليس التشريع كما في العلمانية “.