احذروا … (إعادة الصياغة) .. بقلم: د. عبد الحفيظ محمد عثمان
28 أبريل, 2021
المزيد من المقالات
79 زيارة
في حوالي العام 2006م، وفي خضم الحرب على المسلمين السنة في العراق، كنت في الطائرة في رحلة عمل مع أحد المسئولين في إحدى الشركات التابعة. ولما رأيت فيه سعة إطلاع، وعلى الرغم مما يخالطني من شك يصل الى درجة اليقين، بأنه من الطائفة التي تحارب السنة في العراق، غير أنني قد بادرته مستفهماً عما يجري في العراق، وما يحدث للسنة من تقتيل وتدمير وتهجير ممنهج على مرأى ومسمع العالم، وقد كنت منه متوقعاً التعاطف مع حيرتي، على الأقل بسبب علاقة العمل والزمالة اللصيقة التي تربطنا. غير أن إجابته جاءت مختصرة جداً، حيث أنه لم يزد عن (إنها إعادة صياغة). هذه العبارة لم يتلوها تفسير أو توضيح أو حتى كلمة تعزية أو عبارات مواساة من قبل رفيقي في الرحلة. كما أن صاحبي لم يشغل نفسه بردة فعلي تجاه عبارته الصادمة، وواصل إطلاعه على الكتاب الذي كان في يده.
هذه الكلمة، ورغم تطاول السنين على سماعي لها، غير أنها عادت تتردد في دواخلي بقوة، وتسمع ذبذبات جرسها أذني في هذه الأيام، خاصة بعد أن سمعت أحد قادة ما تسمى بالحركة الشعبية – شمال السودان، المدعو/ محمد جلال هاشم، والذي يدعي بأن مشاكل السودان لا يمكن حلها إلا عن طريق دخول كل الجيوش المتمردة على السلطة المركزية (قوات الكفاح المسلح) الى الخرطوم وإعمال القتل والتدمير وفي النهاية تكون الغلبة بالطبع للقوات المتمردة (الكفاح المسلح)، والتي تصبح بدورها بمثابة جيش السودان الجديد بعقيدة جديدة وتوجه جديد، وبالتالي نكون قد ارتحنا من الاسلاموية والعروبية التي حكمت السودان عقوداً من الزمن، تماماً كما فعلت المليشيات الشيعية في العراق، والتي عاثت في الأرض فساداً، وحولت العراق الى ولاية ايرانية، وأدت الى اندثار حضارة تليدة وتأريخ ناصع.
كان من الممكن أن نعتبر حديث المدعو/ محمد جلال هاشم من ضمن الأمنيات السياسية التي يتفوه بها القادة السياسيين من حين لآخر، لولا ما حدث من فوضى عارمة بسبب تنفيذ بنود اتفاق جوبا مع حركات (الكفاح) المسلح، والتي لم يستطع قادتها ولا جنودها اخفاء فرحتهم التي تضاهي فرحة الجيوش الفاتحة بسبب دخولهم الخرطوم. للدرجة التي أصبحوا يعبرون فيها صراحة عن آمالهم وطموحاتهم، والتي بلا شك تعتبر بمثابة بروتوكولاتهم السرية التي لا تظهر في السطح الا في مثل حالات الفرح الهستيرية تلك. كما طفق من في قلوبهم أمراض العنصرية في اطلاق عبارات الوعيد والتهديد عبر الفيديوهات واللايفات مستغلين منصات التواصل الاجتماعي لبلوغ أقصى درجات الكراهية وتجييش المشاعر، وكأن ساعة الصفر قد حانت للإنقضاض على هذه الدولة الفقيرة، والتي يتساوى مواطنوها دون فرز في المعاناة في كل شيء والتهميش في جميع مناحي الحياة.
ما ينبغي الحذر منه والتنبيه عليه هو أن موضوع إعادة الصياغة، أو ما يعرف في المصطلح الأمريكي بالفوضى الخلاقة (Creative chaos) ليس بعيداً عن المشهد السياسي السوداني. لا سيما وقد بدأت بالفعل الفوضى الخلاقة تضرب بأركان الدولة السودانية، فبدأت القوى السياسية المستجلبة بالفوضى الخلاقة الناعمة أولاً (السوفت وير/ Software)، وذلك بالشروع في ثورة/ خرمجة التشريعات المنافية للأخلاق والقيم السودانية، من إباحة الخمر وتجريم إنزال أحكام الله على الكفار والمشركين، وتشكيل لجنة غير مختصة من ناشطات لمراجعة قانون الأحوال الشخصية، اضافة الى ما يجري الآن من مناورات وضغوطات للتوقيع على اتفاقية سيداو، وغيرها من التشريعات، وما خفي كان أعظم. حيث أن الهدف الأول ضرب الدولة في أخلاق أبنائها والعمل على فرض القيم الغربية على المجتمع من تساهل واضح مع أصحاب الميول الجنسية المريضة، بل الإحتفاء بهم، والطعن في ثوابت الدين من ميراث وحقوق المرأة وغيره، وذلك ليسهل عليهم الإنقضاض النهائي على مكوناتها. أما الفوضى الخلاقة الخشنة، كفانا الله شرها، فتمثلت في تلك الجيوش الجرارة التي دخلت الخرطوم بموجب إتفاقية (سلام) تبطن الحرب وتضمر الشر وتجر ورائها كل أسباب الفوضى والدمار الشامل، وكل ذلك بغرض إعادة الصياغة.
لذا ينبغي كان على الجميع الإنتباه والحذر، وتفويت الفرصة على هواة الفوضى الخلاقة الناعمة منها والخشنة. فلا تتركوا أصحاب الأجندة الخفية يسوقكم الى حتفكم سوق الشياه باستخدام عبارات الحرية والعدالة، فهي عبارات حق يراد بها الباطل، وعبارات بناء يراد بها الهدم، وعبارات استقرار يراد بها الفوضى.
فلنحذر قبل فوات الأوان.