من حكايات الضرا في رمضان وغيره .. بقلم: د. خالد محمد فرح

Khaldoon90@hotmail.com

الضّرا لغةً بضاد مشددة مفتوحة وفتح الراء في عربية أهل السودان ، هو الساتر أو الجانب الواقي من أي معلم شاخص ، كجدار او شجرة او سياج أو نحوه ، فكأنه مشتق من الفعل الفصيح: دارَى يُداري بمعنى ستر يستر وخبأ يخبىء. ولكنه يأتي في عربية غرب السودان بصفة خاصةً كمصطلح يقصد به المكان الذي يجتمع فيه الناس لتناول الطعام جماعة وللانس والسمر ، وبحث سائر الامور الاجتماعية بالحي أو القرية. ويكون الضرا عادة في ساحة او عرصة من العرصات التي تتوسط القرية او الحي ، ويتعهدها فتية المنطقة وصبيانها بالنظافة والتسوية ، وفرش البسط ، وتحضير ماء الشرب والوضوء، واواني غسل الايدي الخ.
والضرا هو بكل تأكيد ، مدرسة ومنبر عفوي لبث المعارف والثقافة ، والقيم التربوية والاخلاقية ونقلها من جيل الى الجيل الذي يليه. وهو يمثل نفسه مختبرا حقيقيا للعيش الجماعي والديموقراطية الشعبية ، وتبادل الافكار والاراء بكل حرية ، وكذلك محكا للتعايش ، وأطر النفس وحملها على التقيد بسلوك الجماعة والتحلي بالتجرد وبالايثار ، والبعد عن الانانية. ولذلك جاء في احد امثال اهلنا في دارفور وهم قوم ذوو حكمة: اللقمة الكبيرة بتفرتق الضرا. اي ان اظهار الطمع في الاستئثار بكل شيء من دون الجماعة ، حري بان يؤدي بها الى انفراط العقد والتفرق.
هذا ، ومن أمتع الضريات وأحفلها بكل ما ذكرنا آنفاً من الخصائص والميزات الاجتماعية والثقافية والسلوكية والبروتوكولية الخ ، ضريات شهر رمضان المعظم. فهو مثلا معرض مفتوح لمدة شهر في تنوع اصناف الاطعمة والاشربة التي تتفنن ربات البيوت في اعدادها ، حيث يجرى تبادل ومقاصة حقيقية بين تلك الالوان المختلفة من الطعام والشراب. ولئن كانت ” ملحات ” الخرطوم ووسط السودان عموما ، التي تؤدم بها اطباق العصيدة والقراصة الشهيرين في رمضان يكادان ينحصران في التقلية والنعيمية ، فان ملحات غرب السودان توشك ان تجل عن الحصر. فهنالك التقلية ،والنعيمية ، وملاح الشرموط الابيض بالكول ، وملاح الروب الابيض ، وملاح اللوبا ، وملاح الكمبو ، وملاح المرس ، وملاح اللبن او الويكاب ” مطيعينة ” ، وملاح ام بُقبُق او البامية المفروكة ، والخُضرة المفروكة ايضا ، وخصوصا اذا كانت خضرة خلوية ” بروسية ” ، هذا الى جانب تلك الملحات التفلة والساذجة التي ذكرها الاستاذ الفاضل الجبوري في بعض تسجيلاته الظريفة مؤخراً ، اعني ملحات: ام شعيفة ، وام بُلُط ، وام تلاتة، وأبأسها هذا الأخير. وكل مشارك في الضرا ، يحرص على ان يصيب اكبر عدد ممكن من رفاقه من صينيته هو ، وفي فراغ آنية صينيته، فخر واي فخر لامراته ، لان فيه اعترافا بانها طاهية جيدة ، وأنها ” ميرَم وشيخة ” ويدها طاعمة.
أما عن الاطباق الثانوية والاشربة ، فحدث ولا حرج عن ثرائها وتنوعها. فهنالك الى جانب الآبريه الاحمر والابيض ( لا يكاد الناس في كردفان يستخدمون الاسم حلو مر الا نادرا جدا ) ، وانواع النشا ، واعلاهن مرتبة نشاة القضيم ، ثم انواع البلائل التي توشك ان تنحصر في العاصمة في صنفي العدسية والحمصيّة فقط ، أي المصنوعة من ” الكبكبيه ” ، فهنالك بليلة المليل اي فريك الذرة الرفيعة وفوقها بلحات وخيط من سمن دار الريح الاصلي ، وبليلة اللوبا ، وبليلة الدخن ، ونوع آخر من البليلة متنوعة الحبوب والبقول ولذيذة جدا تسمى ” ونو ونو ” اشتهر بصناعتها اهل جبال النوبة. وهنالك ايضا طبق ام جنقر اللذيذ الذي بدا يغزو العاصمة خلال العقود الاخيرة. اما السلطات والمشهيات ، فمنها سلطة البصل الاخضر بعجينة الفول السوداني او الدكوة ، وكذلك سلطة العفوس اي براعم اوراق شجرة التبلدي الرخصة بالدكوة ايضا ، وكذلك سلطة الموليتة وغيرها.
ومن الطرائف الكلاسيكية المرتبطة بضرا رمضان التي تحكى دائما ، انهم زعموا ان رجلا يعيش مع امراته الصناع والماهرة في صنع الطبائخ الشهية ، فكان اهل الضرا ينقضّون على قصعته فياتون على ما فيها في لمح البصر. قالوا ، فضاق بهم ذرعاً ، واراد ان يحتال عليهم بحيلة لكي يفارق بها مجلسهم. واتفق انهم كانوا في موعد افطار اول يوم او ثاني يوم من رمضان .. فقال لهم: هاهو ذاك الهلال لقد ابصرته ، فجعل الجميع يحدقون في الافق وينظرون الى الهلال ، فرأوه واشادوا بالرجل وحدة بصره. وبعد برهة قال لهم: ” تاني داك واحد “.. فصاحوا فيه مستنكرين قائلين: يا زول انت مجنون ، فيه هلال بهل في محلين ؟ قالوا فرد عليهم: خلاص لو انا مجنون تاني كل زول ياكل في بيتو !!
وليست ظاهرة الضرا على الرغم من ارتباطها على نحو اكبر بالقرى والارياف ، وقلة وتيرتها في المدن لاسباب عملية غالباً ، الا انها ليست قاصرة مع ذلك على المدن والحواضر وحدها ، إذ لا يندر ان تشاهد تجمعات الافطارات العمومية في الطرقات والساحات حتى في بعض احياء العاصمة الخرطوم نفسها.
ومما اذكره في هذا المضمار ، انني شهدت افطارا بالضرا بحي المايقوما بشرق الخرطوم بحري قبل سنوات ، وكان من المفارقات الطريفة فيه ، والمفرحة أيضاً لجهة دلالتها الايجابية على الصعيد الاجتماعي ، بوصفها مظهراً حميداً من مظاهر التسامح والاخاء الودود في اطار المواطنة ، انه كانت هنالك مجموعة من الشباب العزاب من ابناء جنوب السودان ، الذين كانوا يقطنون الى جوار الاسرة التي افطرت معها ، وقد احضر اولئك الشباب صينية افطارهم وجلسوا مع سائر الجيران وشاركوهم الطعام والشراب والانس ، رغم انهم لم يكونوا مسلمين.
ومن ابرز خصائص الضريات الرمضانية انها منبر حر لتلقي المعارف الدينية عموماً ، وفي فقه الصيام خاصة. وكانت هنالك آبدة لا يمل اهل ضرا حينا من تكرارها والاخذ والرد بشانها وهي: هل يجوز ان تفطر مع اول سماعك الاذان ، ام من الافضل أن تنتظر حتى يفرغ منه ؟ وكان هنالك بعض المتنطعين والمتشددين الذين يقولون بوجوب الانتظار حتى فراغ المؤذن من رفع نداء صلاة المغرب ، وعادة ما ينبري احدهم فيقول في كل مرة: الاذان نفسه بحلل الصيام اول حتى يأذّن !
ومرةً غاب امامنا الراتب فطلبنا من احد أعمامنا
ان يصلي بنا المغرب ، وانما قدمناه لكبر سنه. فصلى بنا فقرأ في الركعة الاولى بالفاتحة وسورة الاخلاص ، ولكنه أخطأ في نطق إحدى كلماتها، فاستهجن بعض الناس ذلك ، وضحك بعض الشباب المطاميس وغمغموا مستنكرين فور انفلاتهم من الصلاة. وفي اليوم التالي طلبنا من عمٍ لنا آخر أسنّ من الاول ان يصلي بنا ، وكان رجلاً واقعياً وحصيفاً ، وذا ذكاء اجتماعي فطري ، وفطنة وروح مرحة ، فرد علينا قائلا وقد شهد ” دراما ” الامسية السابقة: هو يا وليدات هوي حودوا غادي: أنا لا منصلّي بى زول ، ولا من الله خلقني صليت لي بى زول ، ولا منسوّي لي كلامات !! فانفجر الضرا ضحكا .. وانما عنى بقوله: كلامات ، عبارات الهزء والسخرية التي طالت صاحبه من قبل ، وخشيته من تؤثر عليه زلة يتداولها الناس من بعده دهرا. رحمهما الله جميعا ببركة هذا الشهر الفضيل.

 

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

ورحل الماجدان مأسوفاً عليهما 2/2 .. بقلم: خالد محمد فرح

استاجرنا شقة بذات الشارع، خصوصا بسبب ان موقعها مثالي للغاية، لانها مجاورة لسفارة السودان، وكذلك …

اترك تعليقاً