قضايا: قضية تكشف عن أسباب الاقتتال القبلي حول حيازة الأراضي .. ترجمة: عبد المنعم عجب الفَيا

 


 

 

محكمة الاستئناف (العليا)

آدم محمد إبراهيم ................. مستأنف
ضد
أبّكر أحمد قادر.............. مستأنف ضده

خلاصة أسباب الحكم:
إذا كان موضوع الدعوى نزاع حول حيازة الأراضي غير المسجلة ودفع المدعى عليه بوجود عُرف محلي أو قبلي يحكم حيازة هذه الأراضي، فيجب على المحكمة تطبيق هذا العرف بعد ثبوته ولا يجوز لها في هذه الحالة الفصل في النزاع بتطبيق نصوص القانون العامة1.

المحامون:
أحمد الفضل/عن المستاتف
الحكم

9 يونيو 1959
القاضي/ محمد إبراهيم النور2:
جوهر هذه القضية والذي لم يٌفهم فهما صحيحا لا من الأطراف، ولا من المحاكم التي نظرت الدعوى، هو باختصار كما يلي:
كان أسلاف المدعي (المستأنف ضده) آدم محمد إبراهيم، يزرعون لفترة طويلة مساحة شاسعة من الأرض. وفي حياة والد المدعي، رُسِمت الحدود بين عموديات منطقة الفاشر وذلك قبل نحو 15 سنة مضت (انظر: شهادة شاهد الإدعاء العمدة: حسن سليمان).
ونتيجة لترسيم الحدود وقع جزء من أراضي أسلاف المدعي، داخل حدود عمودية شاهد الإدعاء الثالث، والجزء الآخر وقع داخل عمودية المدعى عليه، العمدة أبكر أحمد، ويبلغ مساحة هذا الجزء الأخير 1500 مُخمّساً3 (انظر الرسم الكروكي المرفق بمحضر الإجراءات).
ومنذ تاريخ ترسيم حدود العموديات درج المدعى عليه، العمدة أبكر أحمد، على منع المدعي ووالد المدعي قبله، من زراعة هذا الجزء من الأرض الواقع في عموديته، ودأب على زراعته إما بنفسه أو بإيجاره لآخرين في عموديته لزاعته.
فاضطر المدعي إلى رفع الدعوى المدنية رقم 74/1957 بالمحكمة الجزئية بالفاشر مطالبا الحكم له باسترداد حيازة مساحة ال 1500 "مخمس" من الأرض الواقعة داخل حدود عمودية المدعى عليه، على أساس أنه هو وأسلافه لهم الأسبقية في حيازة هذه المساحة من الأرض.
وكان رد المدعى عليه أنه لا يدعي ملكية الأرض موضوع النزاع لنفسه (وما كان له أن يزعم ذلك لأن كل الأراضي غير المسجلة تعد بحكم القانون ملكاً للحكومة) ولكنه ذكر أنه منذ ترسيم حدود عموديات منطقة الفاشر دأب على منع المدعي ووالده من قبله، من زراعة الأرض ما لم يأتوا للإقامة والكسنى في عموديته.
وأضاف أن المدعي سبق له أن تقدم بنفس الدعوى إلى مفتش المركز، وإلى المحكمة الأهلية، وقد رفض كل من المفتش والمحكمة الأهلية مطالبة المدعي بالحق في الأرض. كما أكد أنه لم يطلب ولا يزال لا يطلب الحق في ملكية الأرض وأنه لا مانع لديه من رد الأرض إلى المدعي إذا جاء وأقام سكناه في حدود عموديته ودفع له "العشور" الحكومية على الأرض.
من واقع رد المدعى عليه، يبدو أنه يستند في منعه المدعي حيازة الأرض موضوع النزاع على عُرف محلي أو قبلي يقضي بأنه لا يجوز حيازة الأراضي غير المسجلة داخل حدود أي عمودية إلا من قبِل المواطنين الساكنين داخل حدود هذه العمودية.
فإذا كان هذا هو العرف المحلي والقبلي الذي يستند إليه المدعى عليه، فكان يجب على المحكمة البحث فيه والتحقق من وجوده. ولكن الأمر الذي يدعو للدهشة أن كل من قاضي المحكمة الجزئية وقاضي محكمة المديرية قد فصلوا في القضية استناداً إلى المبادىء والنصوص القانونية العامة، مثل قاعدة "التقادم المسقِط والمكسِب"، وقاعدة "حجية الأمر المقضي" فيه res judicata وما إلى ذلك.
وكان رئيس المحكمة الأهلية قد ذكر في خطابه المؤرخ 10 فبراير 1956 أن المدعى عليه، ظل يحوز الأرض موضوع النزاع لمدة تزيد عن الخمسين عاما ولذلك حكم له بأن يستمر في حيازة الأرض. ولكن المدعى عليه، نفسه لم يطالب بالأرض على هذا الأساس الذي ذكره رئيس المحكمة الأهلية.
وأخشى أن يكون هذا التخليط قد ساد القضية في كل مراحلها، ولا أدري إن كان تحديد جلسة بمحكمة الاستئناف وإحضار الأطراف من الفاشر إلى الخرطوم سوف يحل المشكلة. فنحن لا نستطيع الفصل في هذا الاستئناف ما لم يحضر الأطراف ويشرحوا دعاويهم أمامنا. ولكنّا نرى تسهيلاً عليهم أن نسلك في هذه القضية الطريق غير المعتاد في نظر الاستئنافات، ونأمر بإعادة إجراءات الدعوى إلى قاضي المديرية ونطلب منه سماع النزاع من أول وجديد afresh ومن ثَّم إصدار الحكم.

القاضي/ محمد أحمد أبو رنّات4/ رئيس القضاء:
أوافق أن يعاد إرسال أوراق الدعوى إلى قاضي المديرية وإعطائه الإذن في سماع بينّات جديدة حول العرف الأهلي الذي يحكم حيازة هذه المساحة الشاسعة من الأرض، فإذا ثبت ان العرف يؤيد حيازة المدعى عليه، ففي هذه الحالة على قاضي المديرية أن يقرر بأن الأرض موضوع النزاع مملوكة للحكومة وأن المدعى عليه يحوزها بصفته مؤتمناً عليها ليقوم بتوزيعها على أهالي القرى التابعة لعموديته.

هوامش المترجم :
1- في العهود اللاحقة حادت المحاكم عن تطبيق هذا المبدأ في الفصل في نزاعات الأراضي غير المسجلة في المناطق القبلية، وتجاهلت الأخذ بالأعراف والعادات والتقاليد المحلية والقبلية، ودرجت على تطبيق نصوص القانون العامة. وقد أدى ذلك ولا يزال يؤدي إلى نشوب الاقتتال القبلي بين الفينة والأخرى حول حيازات أراضي الدار والحواكير في هذه المناطق.
2- المُخمّس: وحدة قياس للأراضي الزراعية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، ويساوي المخمس فدانين إلا ربع.
3- القاضي/ محمد إبراهيم النور، ولد بأم درمان. اختير ضمن سبعة من موظفي الحكومة في الدفعة لدراسة القانون بمدرسة القانون والتي تخرجت سنة 1938 تدرج في القضاء حتى شغل منصب نائب رئيس القضاء (في عهد أبي رنات). استقال عن القضاء سنة 1960، ونرى أن القضاء السوداني قد خسر بهذه الاستقالة في تلك الفترة المبكرة، أحد أميز القضاة، فهو يمتاز في عمله القضائي بالدقة والحصافة والعقلية القانونية البصيرة وسعة الأفق. توفي محمد إبراهيم النور سنة 1992.
4- محمد أحمد أبو رنّات، ولد بالنهود، وتخرج في الدفعة الأولى من مدرسة القانون بكلية غردون (جامعة الخرطوم) سنة 1938. شغل منصب رئيس القضاء كأول سوداني سنة 1954 واستقال من المنصب سنة 1964.
5- ترجمناها من الإنجليزية إلى العربية عن "مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1959 ص45 ، Sudan Law Journal and Reports, 1959 وكانت المحاكم السودانية تصدر الأحكام القضائية بالانجليزية في الدعاوى المدنية والجنائية حتى سنة 1970.
عبد المنعم عجب الفَيا – الأول من يناير 2023

abusara21@gmail.com

 

آراء