نظرات في تاريخ الكبابيش الشفاهي لموسى مروح (1/2)

بقلم: خالد محمد فرح

تاريخ الكبابيش الشفاهي، هو كتاب صدر مؤخراً، من تأليف الاستاذ موسى احمد مروح، ضمن سلسلة دراسات في التراث السودانيي. صدر هذا الكتاب عن دار ” طرابيل ” للنشر في العام المنصرم 2024م، وهو يتألف من نحو مائة صفحة من القطع المتوسط.
ومادة هذا الكتاب، هي جملة من النصوص النثرية وخصوصاً الشعرية، التي عمد إلى التقاطها وتوثيقها نفر قليل من المثقفين والمتعلمين من ابناء قبيلة الكبابيش البدوية المعروفة بشمال كردفان، بمن فيهم المؤلف نفسه، من خلال مقابلات وحوارات شخصية أجروها كل بمفرده، مع راوية اخبار تلك القبيلة، والخبير العليم بتراثها، الشيخ عوض الله ود محمد ود عوض الله ود شدهان الكبيشابي الكباشي، عن ملاحم الكبابيش وبطولاتهم ومعاركهم او ” عقلاتهم ” كما يسمونها، التي تبلغ تسع عقلات مشهورات في تاريخهم الممتد ما بين منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، إلى حوالي منتصف القرن العشرين تقريبا.
وعلى سبيل التقديم لهذا الكتاب والتعريف بمضمونه، يصفه مؤلفه موسى مروح، بانه اول اصدارة مكتوبة لتاريخ الكبابيش الشفاهي، يرويها ويجمعها ويحررها ويكتبها بلهجتهم نفر من الكبابيش انفسهم، موضحا ان العمل يغطي تاريخ الكبابيش منذ ظهور نواتهم الاولى في شمال السودان الحالي في حوالي النصف الاول من القرن الثامن عشر وحتى نظارة السير علي التوم المتوفى في عام 1938م.
ويشدد موسى مروح في مقدمة الكتاب، على أن النظرة التوثيقية لأحداث تاريخ الكبابيش، خاصة من زاوية الداخل الكباشي كما أسماها، قد ظلت غائبة تقريباً على حد وصفه، في جميع البحوث التي تدارست الموضوع. فالمصادر الاولى لهذا التاريخ اغلبها اجنبية، او هي سودانية تعتمد روايات الآخرين عن الكبابيش كما قال. بيد ان المؤلف أشار إلى ان الاستثناء الوحيد في ذلك المضمار، هو كتاب الدكتور عبد الله علي ابراهيم ” فرسان كنجرت: ديوان نوراب الكبابيش وعقلاتهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر “، الذي كان رسالة لنيل درجة الماجستير، ونشرته دار جامعة الخرطوم للنشر في طبعة اولى عام 1999م.
وكان البروفيسور عبد الله علي ابراهيم قد اعتمد بصفة اساسية في كتاب ” فرسان كنجرت ” الذي اشار اليه موسى مروح ونوّه به، على رواية راوٍ من الكبابيش فرع النوراب الذي منه بيت الزعامة التقليدية لهذه القبيلة، اسمه: علي محمد عبد الله ود فحل، ويلقب ب ” التريح ” 1897 -1969م، هو الذي استقى منه اخبار الكبابيش، ومآثرهم وعقلاتهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ووثق في غضون ذلك، قدراً صالحهم من تراثهم الشعبي من منظوم ومنثور.
وكتاب موسى مروح هو إذاً ، رواية تاريخ الكبابيش الشفاهي على لسان راوٍ من الكبيشاب، في مقابل الرواية الأخرى التي جمعها عبد الله علي إبراهيم قبل نصف قرن من الزمن من فم راوية من فرع النوراب. فكأن مثل هاذين الراويين، كمثل الحواريين متى ومرقص في رواية الانجيل، إذا جاز مثل هذا التشبيه، وذلك بجامع ان المضمون العام واحد، وان كانت هنالك اختلافات ما، فانها حول أشياء طفيفة.
شدّ ما استوقفني في كتاب تاريخ الكبابيش الشفاهي لموسى مروّح، دأبه الملحوظ على استقصاء الأصل العرقي للكبابيش عموماً، بمنهجية علمية ملحوظة ، ومحاولة وضعه في اطار الخريطة الجينية لسكان السودان الحالي، والذي خلص. فيه من خلال بينات استقاها من تحاليل عن طريق ال DNA اجريت على عينات ممثلة لمكونات الكبابيش التقليدية, ثبت من خلالها بحسب ما قال، انهم ينتمون لذات المكون الجيني الذي ينتظم عامة سكان وسط وشمال السودان، الذين يتمثلون بصفة اساسية فيما تُعرف بالمجموعة الجعلية العباسية العدنانية الخ، ولا ينتمون لمجموعة جهينة القحطانية اليمنية كما كان هو الاعتقاد السائد عند عامة النسابة والمشتغلين بالأنساب في السودان.
وقد اورد المؤلف في هذا الخصوص ما نصه:
” هذه النتائج الجينية للكبابيش ظهرت ضمن مشروع: حملة التحور الجيني BY2 الذي يبحث في أصول مجموعة من عرب السودان، ممن يستوطنون في غالبيتهم مناطق النيل الشمالي، واصطفت نتائجهم تحت هذا التحور المذكور. المعروف عن التحور BY2 أنه أحد أبناء التحور FGG1696 الذي اصطفت تحته حالياً القبائل العربية ذات الأصول المُضرية، وأصبح يعرف شعبياً نتيجة لذلك بالتحور المُضري… تشمل مجموعة التحور BY2 هذه بالإضافة إلى الكبابيش، عينات العديد من عرب شمال السودان، منهم على سبيل المثال عينات لجعليين وشايقية ورباطاب وجوابرة وقراريش وعبابسة ومحس ودناقلة. كذلك تشمل ابناء عمومة لهم من عرب الحجاز والأردن وجنوب مصر، وتعرف تحاوزاً بالمجموعة الجعلية الكبرى. ” انتهي من ص 11.
وكان عبد الله علي ابراهيم قد ذكر في كتاب فرسان كنجرت، ان مخبريه من النوراب بالتحديد، قد أوضحوا له ان اسلافهم قد قدموا من شرق بلدة العفاض بشمال السودان، وانهم ينتمون إلى قبيلة الركابية. ولكن الرواية التي اثبتها موسى مروح في كتابه هذا، تشير إلى ان الموطن الذي قدم منه الكبابيش في مجملهم، هو بالأحرى صحراء ابو حمد وليست منطقة العفاض كما جاء في الرواية التي وقف عليها عبد الله علي ابراهيم، كما ان رواية مروح تنحو ايضا إلى ربط الكبابيش بالشكرية وليس بالركابية كما تذهب الرواية السابقة إلى ذلك. يتبع ..

 

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

عن جيمي كليف والريقي وإيقاعات الغناء السوداني

بقلم: د. خالد محمد فرحKhaldoon90@hotmail.com رحل عن دنيانا الفانية قبل أيام قلائل، المغني الجامايكي الشهير …

اترك تعليقاً