(1)
شرفتُ بلقاء البروفيسور يُوْسُف سلفاب أحمد أثناء زيارته الأخيرة للدَّوحة في شهر فبراير/مارس 2025، وانتهزت الفرصة لتوثيق جوانب من تاريخ التَّعليم في قنتي، وطرحت عليه جملة من الأسئلة، وأذكر منها: كيف كان نظام التَّعليم في خلوة الشَّيخ مصطفى سيِّدأحمد بابوش (شيخنا مصطفى ودَّ السَّيِّد)؟ ومتى أُسَّست مدرسة قنتي النِّصفيَّة؟ وكيف كانت إجراءات القبول فيها؟ ومَنْ المعلِّمون الَّذين وضعوا لبناتها الأولى؟ ومَنْ الطَّلبة الَّذين زاملهم في تلك المرحلة؟ ومَنْ الَّذين تفوَّقوا منهم وواصلوا تعليمهم الجامعيَّ؟ تقاطعت إجابات يُوْسُف مع إفادات زميله الأستاذ خضر سيِّدأحمد مكاوي، طيَّب اللَّه ثراه. وذكر أنَّ افتتاح مدرسة قنتي النصفية كان في العام 1948، حيث شيَّدت مبانيها في حصايَّة العمدة، شرق مسجد القرية، من فصلين دون سور، وبينهما مكتب صغير. وبنيت هذه المباني التَّأسيسيَّة بالعون الذَّاتيِّ، وأسهم الحيران في جمع موادِّ سقفها من حطب وجريد. وعندما انتقل الطَّلبة إلى السنة الثَّالثة تبرَّع الشَّيخ مصطفى بأن يكون ديوانه، الَّذي يقع غرب المسجد، مقرًّا للصف الثالث؛ لحين اكتمال مباني المدرسة الجديدة. تأمل أيُّها القارئ في هذا الوعي بأهمِّيَّة التَّعليم والإيمان بقيمة العون الذَّاتيِّ في تطوير مؤسَّساته على الرَّغم من ضيِّق ذات اليد آنذاك.
وكان شيخ حسين عبد الغفَّار النَّاظر المؤسَّس للمدرسة، حسب رواية يُوْسُف، ويساعده الشَّيخ مصطفى السَّيِّد “رائد التَّعليم التَّقليديِّ والحديث بقنتي”، ثمَّ انضمَّ إليهما في السَّنة الثَّالثة الشَّيخ أحمد أرباب. وجعل ثلاثتهم المدرسة، كما يذكر الأستاذ خضر سيِّدأحمد، “خليَّة تموج بشتَّى أنواع المعرفة، ورغم أنَّ المنهج كان محدودًا؛ إلا أنَّهم آثروا الجوّ المدرسيّ بشتَّى فنون المعرفة.”
وتطابقت إفادة يُوْسُف مع الأستاذ خضر سيِّدأحمد في أنَّ الخمسة وثلاثين الأوائل من طلبة الخلوة تمَّ قبولهم في الصَّفِّ الثَّاني، والَّذين جاؤوا بعدهم في التَّرتيب في الصَّفِّ الأوَّل. وكان طلبة الصَّفِّ الثَّاني التَّأسيسيِّ خليطًا من أعمار مختلفة. ويمثِّل الجيل الأصغر سنًّا خضر سيِّدأحمد، ويُوْسُف سلفاب، ومحمَّد الأمين مصطفى، وعلي محيي الدِّين عبد الجليل، ومحجوب حسن، ومحمَّد أحمد حسن التُّوم، ومحمَّد عبد اللَّه إبراهيم، وخليفة الشَّيخ مكاوي، وعمر عبد الرَّسول، ومحمَّد صالح محمَّد الخير، وعبد اللَّه بشارة هاشم، وعبد المنعم حمد جميل، وعلي عثمان محمود، وأحمد حسين أبوشام، وعبد اللطيف أحمد بابكر. ويمثِّل الجيل الأوسط: محمَّد بشارة عبد المجيد، وعلي عبد اللَّه البشير، ومحمَّد حسن التُّوم، وحسن عبد اللَّه، وبابكر أحمد بابكر، وعبد الكريم حسين أبوشام، وعبده علي أبوشام، والخليل (إبراهيم ودُّ حامد)، ومحمد نصر (الكجير)، وأحمد طيِّب الأسماء. ويمثِّل جيل الكبار سنًّا: محمَّد الحاج عبد الكريم، ومحمَّد عثمان علي فقير، ومحمَّد يُوْسُف [الإزيرق]، وإبراهيم الزُّبير، ومحمَّد المدنيِّ المكِّيِّ، والمكِّيَّ عبَّاس المكِّيِّ، وحسن عبد الرَّحمن بيضاب، وبابكر عبيد البشير، وخلَّف اللَّه أحمد فقير. إلا أن معظم هؤلاء لم يواصل تعليمه بعد المدرسة النِّصفيَّة، بل قلَّة منهم، أمثال: خضر سيِّد أحمد (المعهد العلميُّ مدنيّ)، يُوْسُف سلفاب (مدرسة المسلميَّة الأوَّليَّة)، وخليفة الشَّيخ مكاوي (مدرسة التَّبُّوب الأوَّليَّة)، ومحمَّد الأمين مصطفى (المعهد العلمي مدني)، ومحمَّد بشارة عبد المجيد (في مدارس الجزيرة مع عمِّه عبد الرَّحيم)، ومحمَّد صالح محمَّد الخير (مدرسة كورتي)، والسيد عبد الرحمن فرح، ويوسف عبد الماجد عثمان، وعلي عبد اللَّه البشير (مدرسة كورتي؟)، وأحمد حسين أبوشام (إحدى مدراس الخرطوم)، وعبد الكريم حسين أبوشام (مدرسة بورتسودان الأولية).
لم يحظ يُوْسُف وأبناء دفعته بالدراسة في مباني مدرسة قنتي الجديدة، الَّتي شُيدت في خمسينيَّات القرن الماضي (العشرين)، وكانت تأسيسها نقلة نوعيَّة في تاريخ التَّعليم بالقرية؛ لأنَّ مبانيها كانت غاية من الرَّوعة المعماريَّة والجمال الهندسيِّ، يحيط بها سور واسع، ومزيَّنة فضاءاتها بأشجار النِّيم والدَّومة العتيقة، وللمدرسة ميدان رياضيّ فسيح من الجهة الشَّماليَّة لممارسة الأنشطة الطُّلَّابيَّة والاحتفالات العامَّة، ومنازل جميلة لناظر المدرسة والمعلِّمين. وظلَّت مدرسة قنتي الأوَّليَّة (الابتدائيَّة لاحقًا) بذلك الجمال والألق والحيويَّة الطُّلَّابيَّة تمثِّل معلمًا بارزًا من معالم القرية إلى دمَّرها فيضان عام 1988 م، ودمَّر معها ذكريات الطُّفولة والصِّبا ومعالم كثيرة أصبحت أثرًا بعد عين. ومن أبرز النُّظَّار الَّذين تعاقبوا على إدارة مدرسة قنتي الأوَّليَّة للبنين قبل فيضان 1988:
1. الشَّيخ حسين عبد الغفَّار، الناظر المؤسِّس.
2. الأستاذ عثمان أحمد شوك (أمبكول).
3. الأستاذ علي عطا المنَّان (جلاس).
4. الأستاذ عبد اللَّطيف (؟ ؟ ؟).
5. الأستاذ عثمان إبراهيم الحاج (أمبكول/ عطبرة).
6. الأستاذ حسن محمَّد أحمد أبو شوك (قنتي).
7. الأستاذ محمد الحسن عبد الخالق (تنقاسي).
8. الأستاذ أحمد خلَّف محمَّد موسى (قنتي).
(2)
الألمعيَّ يُوْسُف سلفاب أحمد
انتقل يُوْسُف من مدرسة قنتي النِّصفيَّة إلى مدرسة المسلميَّة الأوَّليَّة، ثمَّ درس الوسطى والثَّانويَّة بمدينة ود مدني بمديريَّة النِّيل الأزرق آنذاك. وبفضل النتيجة المتفوقة التي أحرزها يوسف من امتحان الشهادة السودانية بمدرسة مدني الثانوية تحت إدارة ناظرها الفذ هاشم ضيف الله، ضمن مقعده في المدرجات الأولى بكلِّيَّة العلوم بجامعة الخرطوم، حيث حصل إلى بكالوريوس العلوم في الكيمياء (مع مرتبة الشَّرف) عام 1965. وبذلك يُعد يوسف من أوائل أبناء قنتي، الذين التحقوا بجامعة الخرطوم، وهما مجموعتان، تشمل المجموعة الأولى عبد المنعم عبد المكي (لم يُكمل بجامعة الخرطوم فانتقل إلى جامعة الملك فؤاد الأول بمصر)، وعبد الغفار محمد صالح (لم يكمل دراسته بجامعة الخرطوم)، وحسن بابكر عبد الحفيظ (لم يُكمل بجامعة الخرطوم فانتقل إلى إحدى جامعات تشيكوسلوفاكيا)، وتشمل المجموعة الثانية التي ينتسب يوسف سلفاب إليها: عبد الفتاح محمد صالح (كلية العلوم)، ومحمد الأمين محمد النور (كلية الهندسة)، وعبد العاطي عبد الله المكي (كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية)، وعبد الله فرح حمدتو (كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية)، وجعفر حسن صالح (كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، لم يدرس بقنتي)، وحسن محمد خير-ود أمنة (كلية الآداب، درس بمدرسة منصوركتي)، وميمونة مصطفى سيدأحمد (كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية)، وعلي خلف الله محمد موسى (كلية الزراعة)، وأبو الحسن مصطفى سيدأحمد (كلية الصيدلة).
واستنادًا إلى أدائه الأكاديميِّ المتميِّز، عُيَّن يُوْسُف مساعد تدريس بقسم الكيمياء بجامعة الخرطوم، ثمَّ ابتُعث إلى جامعة لندن بالمملكة المتَّحدة (بريطانيا)، حيث حصل على درجة دكتوراه الفلسفة في الكيمياء غير العضويَّة الفيزياء عام 1968. وبعد نيله درجة الدُّكتوراه عاد إلى جامعة الخرطوم، وبدأ حياته الأكاديميَّة محاضرًا بقسم الكيمياء إلى العام 1970، عندما فُصل من جامعة الخرطوم، بحجَّة انتمائه إلى حركة الإخوان المسلمين أو المعارضين “لثورة مايو” 1969. وشملت قائمة الأساتذة الَّذين فُصلوا في عامي 1969 و 1970: البروفيسور النَّذير دفع اللَّه (البيطرة)، والبروفيسور عبد اللَّه الطَّيِّب المجذوب (الآداب)، والبروفيسور زكي مصطفى (القانون)، والبروفيسور دفع اللَّه التُّرابي (الهندسة)، والبروفيسور عوض سالم الحكيم (الهندسة)، والدكتور أمين عثمان أبوسنينة (البيطرة)، والدُّكتور محمَّد حسن جحا (الزِّراعة)، والدُّكتور يُوْسُف سلفاب أحمد (العلوم)، والدُّكتور محمَّد عبد العال منقوشي (الطِّبُّ)، والدُّكتور مأمون يُوْسُف (الطِّبُّ)، والدُّكتور أحمد الخليفة أبو مدين (الطِّبُّ)، والدُّكتور مصطفى خوجلي (الآداب)، والدُّكتور حسن عمر (القانون) .
وبعد فصله السِّياسيِّ-التَّعسُّفيَّ من جامعة الخرطوم، التحق الدُّكتور يُوْسُف بجامعة كيب كوست بغانا لفترة قصيرة، منها انتقل إلى جامعة الكويت، وترقِّي أكاديميًّا إلى أن نال رتبة الأستاذيَّة في الكيمياء، كما شغل العديد من المناصب الأكاديميَّة. وبعد غزو العراق للكويت عام 1990 عاد البروفيسور سلفاب إلى السودان، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفي بداية الألفية الثالثة التحق بقسم الكيمياء وعلوم الأرض بجامعة قطر، حيث أسهم في تطوير البرامج التَّعليميَّة والمناهج الأكاديميَّة في مجال تخصُّصه لتواكب التَّطوُّرات الحديثة في مجال علم الكيمياء. وأخيرًا، ختم حياته الأكاديميَّة أستاذًا لعلم الكيمياء بجامعة النِّيلين بالسُّودان (2007-2023). ويعدَّ البروفيسور سلفاب من الشَّخصيَّات العلميَّة البارزة في مجال الكيمياء على مستوى العالم العربيِّ، وقدَّم العديد من الإسهامات العلميَّة في مجال تخصُّصه، وترك بصمات واضحة في كلِّ المؤسَّسات الأكاديميَّة الَّتي عمل فيها. وفي مجال تخصُّصه الأكاديميِّ نشر أكثر من 70 بحثًا أكاديميًّا في دوريَّات عالميَّة وإقليميَّة، تناولت موضوعات متنوعة، مثل: تفاعلات الأكسدة (Oxidation reactions)، والحركيَّة الكيميائيَّة (Chemical kinetics)، والتَّحفيز المتجانس (Homogeneous catalysis)، وكيمياء التَّناسق والمعقَّدات الفلزِّيَّة (Coordination chemistry and metal complexes)، وتحضير مركبات الفلزَّات الانتقاليَّة (Synthesis of transition metal compounds). وإلى جانب أنشطته البحثيَّة كان سلفاب عضوًا فاعلاً في العديد من الجمعيَّات الأكاديميَّة المرموقة، مثل: الجمعيَّة الملكيَّة للكيمياء (1973-1990)، والجمعيَّة الكيميائيَّة الأمريكيَّة (1976-1993). واشترك في العديد من اللِّجان العلميَّة، وأسهم في وضع البرامج الأكاديميَّة في مجال تخصُّصه الدَّقيق، وحصل إلى العديد من الجوائز العلميَّة.
وفي تحقيق صحافيّ أجرته الأستاذة حنان الطِّيب ونشرته صحيفة آخر لحظة بتاريخ 14 يناير 2011، أفصح البروفيسور سلفاب عن حرصه على ضرورة تطوير التَّعليم الجامعيِّ في السودان، القائم على التَّأهيل المعرفيِّ وتوفير المعيَّنات المعمليَّة والمكتبيَّة المساعدة، والاهتمام بتدريب أعضاء الهيئات التدريسية في مجالات تخصُّصاتهم المختلفة، وتشجيع الطَّلبة على التَّفكير النَّاقد، فضلاً عن تزويدهم بالمهارات التَّطبيقيَّة الَّتي تتسق مع معارفهم النَّظريَّة المكتسبة. كما عبَّر عن انزعاجه لتدهور مستوى الطَّلبة الجامعيِّين، وعزا ذلك إلى ضعف التَّجهيزات المعمليَّة والمكتبيَّة، وقلَّة أعضاء الهيئات التَّدريسية المؤهَّلين كمًا وكيفًا وخبرة متراكمةً. وانتقد تقليص سنوات التَّعليم العامِّ من 12 سنة إلى 11 سنة، ووصفها بالسِّياسة الخاطئة الَّتي أثَّرت سلبًا في مستوى التَّعليم العامِّ والعالي معًا. وانتقد انشغال أعضاء الهيئات التَّدريسيَّة عن البحث العلميِّ، ووصف الأبحاث المنتجة بالضَّعف الأكاديميِّ وعدم المواكبة للتَّطوُّرات العلميَّة الَّتي يشهدها العالم، وبُعدها عن احتياجات المجتمع المحلي. ونادى بضرورة النَّظر في هذه المشكلات ومعالجتها بطرق علميَّة؛ لأنَّ إهمالها سيؤدِّي إلى نتائج مدمِّرة في المستقبل.
(3)
يُوْسُف سلفاب والبعد الاجتماعيُّ
يُوْسُف هو الابن الأكبر للحاجِّ سلفاب أحمد عطا المنَّان والحاجة بقيعة ميرغني ودُّ الحاجِّ، وُلِدَ في 21 أبريل 1938، أي في العام الَّذي أُسَّس فيه مؤتمر الخرِّيجين العامَّ بمدينة أمِّ درمان. وإلى جانب يُوْسُف رزق الحاجِّ سلفاب بالرَّوضة، وزكيَّة، وعبد المنعم، وعبد الوهَّاب، وأحمد. تزوَّج يُوْسُف المرحومة الأستاذة عفاف عوض ساتي، وأنجب منها: مأمون، وميسون، أحمد، ومصطفى. وبعد وفاة عفاف تزوَّج السيدة الفضلى آسيا الحسن سيِّد أحمد (الهجُّوج)، وزرق منها: حسن وعفاف.
ومن الأساتذة الَّذين يجلُّهم البروفيسور يوسف الأستاذ عوض ساتي، الَّذي كان من أساطين التَّعليم في السُّودان، تخصِّص في علم الرِّياضيات والفلك، وشغل منصب أوَّل مدير سوداني للمعارف، وأوَّل ناظر سودانيّ لمدرسة وادي سيِّدنا الثانوية للبنين، وأوَّل سفير لحكومة السُّودان المستقلَّة لدى المملكة المتَّحدة. ويصفه يُوْسُف بقوله: “لقد هيأ الله ليَّ العيش مع الأستاذ الكبير عوض ساتي، رحمه الله، في بيته في السنتين الأخيرتين من حياته بعد زواجي من ابنته عفاف رحمها الله. وقد أتاحت لي تلك الفترة أن أعرفه عن قرب، والعيش عن قرب مع الإنسان يكشف لك الكثير عن شخصيته الأصيلة. أوَّل ما أثار انتباهي معاملته للأطفال، فقد كان يعاملهم بلطف شديد، ويصغى بانتباه لما يقوله أيُّ منهم دون ضجر، ويناقشه كأنَّه يتحدَّث إلى شخص راشد، ولا عجب في ذلك، فقد كان الأستاذ عوض ساتي مريبًا فذًّا، يشهد له بذلك جيل من تلاميذه الَّذين لا يُذكر اسمه في وجود أحدهم إلَّا وأسرع بالثَّناء. لقد كان الأستاذ عوض ساتي متواضعًا دون تكلَّف، يلقى النَّاس، أيًّا كانت مراتبهم في أعين النَّاس، بترحاب شديد تحسُّ فيه بحرارة الشَّوق، وجميل اللِّقاء، وكريم الوداع، لقد كان، رحمه اللَّه، جم الأدب، كثير الحياء، عفيف اللِّسان، خفيض الصَّوت. (نقلاً عن، حسنات عوض ساتي، عوض ساتي: العلم والتَّعليم والدِّبلوماسيَّة، ص 223). هكذا كان المعلِّمون الأفذاذ، الَّذين نهل البروفيسور سلفاب وأبناء جيله العلم على أيديهم الطَّاهرة النَّقيَّة؛ لكن للأسف قد تبدل الحال كثيرًا الآن، وانخفضت قيمة الاحترام المتبادل بين الأساتذة وطلبتهم وأولياء الأمور من طرف ثالث.
في تعليق كتبه علاء حضريّ في صفحة “معًا للحفاظ على الجامعة” (أيُّ جامعة الخرطوم) على الفيسبوك عن البروفيسور سلفاب بتاريخ 26 نوفمبر 2018، واصفًا علمه بالغزارة، ومحاضراته بالإمتاع والإبحار في فلسفة الموضوعات المطروحة، وامتحاناته بالصُّعوبة والعمق المعرفيُّ، وسلوكه الحضاريُّ بالتَّواضع الجمِّ والأدب الرَّفيع. ونقل أحد الأصدقاء هذا التَّعليق إلى صفحة “قنتي الأمُّ” على الفيسبوك، وجاءت متداخلاتهم في مدح يُوْسُف متطابقةً كوقع الحافر على الحافر، ومن بين المداخلات الَّتي استوقفتني تعليق المهندس الشَّاذلي ابن عوف: “عندما يجتمع العلم والمعرفة والخلق الرَّفيع، والصِّدق والأمانة، والعفَّة والإخلاص، فبالتَّأكيد أنت تقف أمام شخص متميِّز وفريد.” فلا جدال في أنَّ هذه الكلمات المفتاحيَّة تعكس طرفًا من شخصيَّة البروفيسور سلفاب الَّذي عرفناه، وعرفه الكثيرون من طلبته وأصدقائه وأقرُّوا بأفضاله السَّابلة. متعه اللَّه بالعافية، زاده بسطة في العلم والصِّحَّة.
(4)
الخاتمة
يحمل الاحتفاء بالبروفيسور يُوْسُف سلفاب في هذه المساحة الضَّيِّقة أكثر من معنًى؛ لأنَّ فيه احتفاء بمعلِّم الأجيال الشَّيخ مصطفى سيِّدأحمد طيَّب اللَّه ثراه؛ الَّذي يصفه يُوْسُف بالمعلِّم الأوَّل لأبناء قنتي الَّذين تلقَّوا تعليمًا نظاميًّا، وبقيَّة المعلِّمين الَّذين كانوا شموسًا أضاءت دروب المعرفة، وزيَّنت عقول الطَّلبة علمًا وأدبًا، وثمَّ فتحت أمامهم أبواب النَّجاح، الَّتي مكَّنت بعضهم من تبوء وظائف علميَّةً سامقةً ومناصب عليا في دواوين الحكومة ومكاتب العمل الخاصِّ. كما فيه احتفاء بالرَّعيل الأوَّل من أبناء قنتي، الَّذين درسوا في مدرسة قنتي الأوَّليَّة، وكانت لهم إسهامات متفرِّدة في مجالات حيواتهم المتعدِّدة. وفيه أيضًا استجابةً جزئيَّةً لدعوة أستاذنا العزيز البشير عبد اللَّه البشير، الَّذي نادى من قبل بضرورة تكريم الَّذين أسهموا في دفع عجلة التَّعليم في قنتي، والَّذين كانوا سفراء تعليم وتعلُّم خارج نطاق القرية العامرة بأهلها. وتوثيق مثل هذه الأحداث وسير مثل هؤلاء الأعلام يساعد في كتابة تاريخ قنتي، وفي الإفادة من تجاربهم الحياتية الناجحة؛ ولذلك يجب أن تحرصوا على توثيق سير الأحياء منهم وتدوينها على صفحات التاريخ، وفاءً وعرفانًا لهم.
ahmedabushouk62@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم