كتاباتي: كتشنر وتاريخ الطب في السودان

تاريخ الطب في السودان: من كيتشنر إلى الخرطوم: قرن من التعليم الطبي بين إرث المستعمر وصمود الأجيال:

في أمسية من الأمسيات الأسبوعية الراتبة، تحلقنا حول منصة بروفيسر طارق الهد الغنية بالمعلومات، اجتمع أعضاء نادي 81 للكتاب لم ينقص من العقد احد، الهدف كان إلقاء الضوء على واحد من أكثر واهم فصول التاريخ الطبي في السودان وهو الأشد تأثيرًا: نشأة وتطور التعليم الطبي في السودان. في حقيقة الأمر كان المحور الرئيسي من الجلسة الاحتفاء بالذكرى المئوية لتأسيس مدرسة كيتشنر الطبية، التي تطورت فيما بعد لكلية الطب بجامعة الخرطوم، منارة خرّجت أجيالًا من الأطباء الذين أسهموا في خدمة بلادهم والعالم ليس فقط في مجال الطب بل في كل المجالات..

الجلسة: بين الثقافة والذاكرة:

افتتحت الأمسية وكالعادة بدردشات وتحية متبادلة بين المشاركين ونقاشات جانبية تناولوا فيها بعض من تجارب التعليم الريفي وذكريات المعلمين، كما استُحضرت كتب نقدت الحقبة الاستعمارية، منها مؤلفات الدكتور عبد الله علي إبراهيم. ولم تخلُ الجلسة من إشارات ثقافية حول أسماك النيل الأزرق والأبيض والمشاريع الزراعية المحيطة، قبل أن يتركز الحديث حول التعليم الطبي ومسيرته.

من كلية غوردون التذكارية إلى مدرسة كيتشنر:

نشأت مدرسة كيتشنر الطبية عام 1924 كامتداد لكلية غوردون التذكارية، بموارد محدودة وطاقم تدريسي صغير، واستقبلت في عامها الأول عشرة طلاب فقط. كان المنهج الدراسي مقتصرًا على العلوم الطبية الأساسية والتدريب السريري. ومع مرور الوقت، توسعت الكلية تدريجيًا، لتصل إلى 24 طالبًا بحلول عام 1952، وتُمدّد فترة الدراسة من أربع سنوات إلى ست. لعبت لجان علمية مثل لجنة أسكيس دورًا مهمًا في تطوير المناهج وربط الكلية أكاديميًا بجامعة لندن.

شخصيات صنعت اللبنة الأولى:

ألقى البروفيسور طارق – مؤرخ وأخصائي الغدد الصماء – الضوء على الشخصيات التي ساهمت في تأسيس الكلية، ومنهم:

جون براين كريس بيرسون: أول من اقترح فكرة إنشاء كلية الطب بالسودان.
اللورد كيتشنر: الذي دعم المشروع سياسيًا وإدارياً.
السير لي ستاك: الحاكم العام للسودان حينها، والذي ارتبط اسمه بالكلية قبل أن يُغتال في القاهرة.
كما تناول النقاش مساهمات الأساتذة المصريين في المراحل الأولى، وأسماء بارزة مثل الدكتور أحمد الصافي وطارق الهد، الذين لعبوا أدوارًا محورية في تطوير التعليم الطبي والبحث العلمي والترجمة..

إرث استعماري ومسؤولية وطنية:

اتفق المشاركون على أن نشأة التعليم الطبي في السودان حملت ملامح الاستعمار البريطاني، سواء في المناهج أو السياسات، لكنه تحول تدريجيًا إلى قاعدة أساسية لبناء مؤسسة وطنية عريقة. وقد تخرجت منها أجيال من الأطباء الذين انتشروا داخل البلاد وخارجها، وأسهموا في تطوير المنظومات الصحية والتعليمية.

جهود التوثيق والحفاظ على الذاكرة الطبية

ناقشت الجلسة مشروعًا طموحًا هو قاموس السيرة الذاتية للأطباء السودانيين، الذي وثّق حتى الآن سير مائة طبيب سوداني بارز. كما دعا الحاضرون إلى إنشاء متحف يوثق الصور والسجلات التاريخية الخاصة بكلية الطب بجامعة الخرطوم، وإتاحة الأرشيف الأكاديمي والوثائق للباحثين، إلى جانب الاهتمام بالمقابر التاريخية للشخصيات المؤسسة.

الطب والفنون: ملامح إنسانية:

لم تغب الجوانب الإنسانية عن النقاش، إذ أُشير إلى أن العديد من أساتذة وأطباء السودان كانوا أيضًا موسيقيين ومثقفين، ما يعكس أن الطب كان جزءًا من حركة اجتماعية وثقافية أوسع. ويدلل على أن الطبيب يحمل جينات من الابداع وقد اشار

المتحدث الي بعض المبدعين من خريجي الكلية..

خاتمة: بين الأمس واليوم:

بعد مرور مائة عام، يقف تاريخ كلية الطب في السودان شاهدًا على مزيجٍ من إرث استعماري ترك بصمته الأولى، وجهود وطنية أصيلة بنت صرحًا أكاديميًا وعلميًا رائدًا. واليوم، ومع دعوات التوثيق وإنشاء المتاحف والمشاريع البحثية، تبدو الفرصة مواتية لتسليم هذا الإرث للأجيال القادمة في أبهى صورة، بعيدًا عن الإهمال والنسيان.
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

رفيقتي سبب الوجع

osmanyousif1@icloud.comواصل الحكاية من فصلين وأغرب رواية، هى رحلتي من كارديف للندن وبالعكس دحينتعالو عازمكم نكد، …